متابعات ثقافية و فنية

الملتقى المتوسطي في الحمامات يناقش الفن التفاعلي

فاروق يوسف

عُقدت الدورة الثانية للملتقى المتوسطي في مدينة الحمامات في تونس بمبادرة من الفنانة التونسية ريم عياري (مقيمة في باريس). وخصت هذه الدورة الفنان السوري مروان قصاب باشي بالاحتفاء والتكريم. حدث ذلك قبل وفاة الفنان مروان بأيام قليلة. كان الرجل حاضراً بقوة فنه على رغم اعتذاره عن الحضور بسبب وطأة المرض عليه. حضوره تكرس من خلال الندوة التي اقيمت عنه وعن تجربته الفنية ومن خلال الفلم القصير الذي أعدته منظمة الملتقى أثناء زيارتها له ببرلين. شيء من مروان كان حاضراً في الأعمال التي ارتجلت تحية له، وبخاصة ما فعلته الفنانة القطرية ابتسام الصفار، حين رسمت صورة شخصية لمروان، بأسلوبها الشخصي.
فكرة الاحتفاء بفنان عربي كبير مثل مروان وهبت الملتقى قدراً من الانضباط على مستوى تفاعلي مع الجمهور الذي كانت غالبيته تتألف من طلاب الفن، وهو ما تفتقده الملتقيات الفنية الأخرى، حيث يطغى اللقاء بين الفنانين المشاركين على أية فاعلية أخرى ليكون هدفاً في حد ذاته، وهو ما يمكن اختصاره في ما يمكن أن ينتج منه من خبرات، تكون موضع جدل بين الفنانين أنفسهم.
نجح القائمون على الملتقى وفي مقدمهم منسقه الفنان العراقي علي رشيد في كسر طوق تلك العزلة المثمرة حين اتجهوا إلى اقامة عدد من ورشات العمل التي اقبل عليها طلاب الفن في تونس بشغف واضـح، وكانت اسئلتهم تتوزع بين ما هو تقني وبين ما هو فكري، وهو ما استفاد منه فنانو الملتقى الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة، غير أنهم في معظمهم يدورون في فلك اللوحة، كياناً تقليدياً، صار بالنسبة إلى الأجيال التي تعرفت على ثقافة الميديا نوعاً من الفعل الفني الاستهلاكي. ما كان مفيداً بالنسبة إلى الفنانين أن الملتقى وهبهم فرصة التعرف على نمط مختلف من التفكير في الفن. وهو كما أرى حدث يفوق بأهميته اللقاء الاستثنائي بين الفنانين.
وإذا كان الملتقى أقيم بالشراكة مع جمعية فرنسية فطغت على الأعمال التي نفذها الفنانون مسحة شرقية، كانت بمثابة استرجاع لسؤال قديم يتعلق بالهوية، لكنه يحضر هذه المرة في مناخ يسود فيه الصلح الداخلي. انه القبول بالفن الغربي باعتباره واحدة من أهم مرجعيات الفن الحديث، من غير أن يكون ذلك الاعتراف مدعاة للتخلي عن العناصر التأملية التي يرتكز عليها التفكير الشرقي في الفن ومن خلاله. وبدا ذلك واضحاً في رسوم الإيرانية نيجين كاينفار والمغربي أحمد جاريد والتونسي سامي بن عامر الذي أنجز أمام الجمهور لوحة بعرض ثلاثة امتار وارتفاع متر واحد، استلهم من خلالها حركية الإيقاع الخطي بعدد من احتمالاته في الزخرفة العربية – الإسلامية.
تـــجــــربة بن عامر وحدها تستحـــق أن تــــروى حكـــاية يـــؤكد من خلالها الملتقى نجاحه في خلق فــــضاء تفـــاعلي بين الجمهور والممارسة الفنـــية. فالفنــــان الذي رسم في الهواء الطلق، لم يكــــن حــــاضراً بخزينه الشكلي القديم بل استسلم لهـــذيانات يده. وهو ما أوقع الجمهور في حيرة السؤال الذي يتعلق في ما ينتظره. الأكاديمي التونسي الذي يعتبـــر اليوم واحداً من أهم معلمي النظـــرية الجمـــالية فــي تونس ترك يده على سجيتها ولم يقيـــدها بنتائـــج شكلية متوقعة. وهو ما شــكل مصدر راحة للجمهور الذي انتقل مع الفنان من مرحلة محاولة الفهم إلى مرحلة يغلب عليها اللعب البصري.
من ضفتي المتوسط قدم الفنانون وهو ما اكتشفوا من خلاله قرابتهم. فالجغرافيا التي تفرض أبجديتها على الخيال تسبق التاريخ ولا تلحق به. وهو ما ظهر في اعمال عدد من الفنانين الذين حاولوا استعادة سؤال الطبيعة. لقد أنتبه الفنانون إلى أن هناك قواسم مشتركة تربط في ما بينهم، تقيم في أعماق البحر الذي كانوا يرسمون لوحاتهم على بعد أمتار من هديره.
كان الملتقى المتوسطي تجربة معرفية، اتخذت طابعاً فنياً.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة