متابعات ثقافية و فنية

عبد الخالق الركابي من ماركيز إلى دستويفسكي

سامي مهدي

كلما قرأت رواية للأستاذ عبدالخالق الركابي تذكرت قرية “أراكاتاكا”، التي حولها غابرييل غارسيا ماركيز في رواياته من قرية كولومبية مغمورة مجهولة، إلى مدينة شهيرة في الأدب العالمي، مدينة فانتازية، شبه أسطورية، تدعى “موكاندو”. ذلك أن مسرح روايات الركابي مدينة عراقية حدودية منسية ومهمشة منذ زمن بعيد هي مدينة “بدرة” منها ينطلق في رواياته وإليها يعود، ولكنها ظلت كما كانت: منسية مهمشة برغم كل ما كتبه عنها، فهذا هو قدرها على ما يبدو.

حين علمت بصدور روايته الجديدة “ما لم تمسسه النار” توقّعت أن يخرج فيها عمّا اعتاده في سابقاتها، توقعت أن يدع “بدرة” وأهلها ومحيطها وأجواءها وماضيها وحاضرها، لنحظى منه بعالم جديد، ولكنني اكتشفت منذ الصفحة الثانية من صفحاتها أنه لم يفعل، بل ظل متشبثاً بها. ويبدو أنه هو نفسه، قبل غيره، كان يشعر بضرورة التخلي عمّا اعتاده، وبهذا أيضا نصحه صديق له من شخصيات الرواية (زاهد) واقترح عليه كتابة سيرته الذاتية. غير أن الركابي كان يشعر، كما أنبأنا، بصعوبة تغيير طريقته التي ألفها في الكتابة الروائية ويجد نفسه في كل مرة ملزماً بالكتابة بها، حتى توصل أخيرا إلى حل وسط هو استثمار ذكرياته عن “بدرة ” وكتابة ما سمّاه “رواية وداع” لها هي “مزيج من التاريخ والسيرة الذاتية”. ولهذا قصد “بدرة” مرة أخرى مع أفراد عائلته، ليستعيد ذكرياته فيها ويستقي عنها المزيد من المعلومات، وإن كان قد اتخذ قرار سفره إليها تحت ضغط الظروف التي عمّت البلاد إبان العدوان الأميركي عام 1991.

غير أن رواية الوداع التي فكّر الركابي بكتابتها لم تكن حلاً وسطاً في واقع الأمر، فقد وجد في “بدرة” نفسها ما يصرفه عنها، عندما استنجدت به قريبته وحبيبته القديمة المفترضة “بتول” وطلبت منه البحث عن زوجها “نديم” المجنون المودع في مستشفى الرشاد (الشمّاعية) بعد أن بلغها أنه هرب مع من هرب من مرضى هذا المستشفى إبان قصف بغداد، وانفلات الأمن فيها، وانقطاع المؤن والكهرباء والماء والدواء وسائر مقومات الحياة والعلاج عن مرضاه.

لقد قرر الركابي هذه المرة كتابة سيرة “نديم”. فهو في رأيه “ظاهرة استثنائية في تاريخ المدينة، ذلك لأنه مرّ بتجربة غريبة في الحياة تثير شهية أيّ روائي يحلم بكتابة رواية متفردة”. وهكذا وجد نفسه ينصرف عن كتابة سيرته الخاصة التي نصحه صديقه “زاهد” بكتابتها، وخاصة بعد أن كلّفه نديم بتدوين ما يمليه عليه من سيرته، حتى بلغ ما أملاه “عشرة فصول قصيرة” ثم توقف بعدها واحتفظ نديم بهذه الفصول لنفسه، ليضيف إليها في ما بعد فصلاً آخر، ثم يحاول حرقها جميعاً، ولكن بقي منها للروائي “ما لم تمسسه النار”، فاتخذ من هذا الذي بقي مادة لكتابة روايته الجديدة، ومن هذه العبارة عنواناً لها.

و”نديم” ابن إقطاعي متنفّذ في بدرة يدعى “إسكندر بيك”. وإسكندر هذا كان من بقايا أسرة عثمانية. كان طاغية يتحكم بالناس ويقسو في معاملتهم، بمن فيهم أفراد عائلته، ومنهم ابنه نديم نفسه. وكان أيضاً غنياً فاحش الغنى بما يملكه من عقارات وبساتين فضلاً عن طاحونة المدينة. ولكنه كان مريضاً بالصرع، تنتابه منه نوبات شديدة متباعدة، أفضت به آخرها إلى شلل نصفي، ثم أفضى به الشلل إلى الموت. وقد ورث “نديم” عنه هذا المرض ونوباته حتى آل به إلى الجنون، ثم الانتحار لفرط ما عاناه من شعور بالذنب في أيامه الأخيرة.

هناك تفاصيل أخرى كثيرة في سيرة “نديم” ذكرت في الرواية ولم أذكرها هنا، ولكن كم هي غريبة هذه السيرة بما ذكر من تفاصيلها، وكم هي مثيرة، بحيث تغري الروائي بكتابة رواية منها؟

هذا يتوقف على تقدير الروائي نفسه، وعلى مدى تمكّنه من بناء عمل ناجح من هذه السيرة وتفاصيل أحداثها، أعني عملاً مثيراً ومشوّقاً وذا أبعاد إنسانية وجودية تضع شخصية “نديم” في مصاف الشخصيات الروائية الاستثنائية. وقد كتب الركابي هذه السيرة بمهارات الروائي المتمرس وخبراته، واتخذ من عملية البحث عن “نديم” بعد هروبه من المستشفى برفقة مريض آخر يدعى “عيسى” حدثاً رئيسياً قام عليه بناء روايته الجديدة هذه، فبه بدأت وبه انتهت، ولكنه تجنب رتابة القص بتداخل الأزمنة وتقاطعها، وهو ما فعله في روايات سابقة من رواياته.
ثمة أكثر من ملمح في رواية الركابي الجديدة يذكر القارئ برواية دستويفسكي الشهيرة “الإخوة كارامازوف”. فتساؤلاته حول كيفية كتابة روايته الجديدة تذكرنا بالمفتتح الذي كتبه دستويفسكي لروايته بعنوان “من المؤلف”. والمنحى السردي الذي انتهجه هو المنحى الذي انتهجه الروائي الروسي نفسه، فالراوي في كلتا الروايتين راو عليم محيط بعالم روايته ومتحكّم برواية أحداثها. ولا يغير من هذا شيئاً كون الركابي قد استعان بما لم تمسسه نار من الفصول العشرة التي أملاها “نديم” عليه.

ولعلي لا أخطئ إذا قلت إن هناك ملامح من شخصيات رواية الركابي تذكرنا بملامح شخصيات من رواية دستويفسكي، ففي “إسكندر بيك” مثلاً ملامح من شخصية “فيدور بافلوفتش”، وفي “نديم” ابنه، وفي خادمه “غريب” ملامح من “ديمتري”، وفي “العلوية” زوجة إسكندر بيك الثانية، وكذلك في “بتول” زوجة “نديم”، ملامح من زوجة فيدور بافلوفتش الثانية “صوفيا إيفانوفنا”.

هذا ما بدا لي شخصياً، وقد أكون واهماً في ما بدا لي قليلاً أو كثيراً، ولكن يبقى الركابي هو خالق روايته هذه وهو مبدعها ومنشئها. وإذا ظهر لنا أن هذه الرواية تخلو من أيّ اقتراح جديد على المستوى التقني، فإن من أهم ما حققته توثيقها حدثاً فريداً في تاريخ البلاد، وربما في تاريخ الإنسانية، وأعني به حدث هروب المجانين المودعين في مستشفى المجانين (الرشاد) وسياحتهم في شوارع المدينة وأحيائها السكنية جوعى متعبين بلا حول ولا قوة، وما في ذلك ضمناً من مغزى إنساني ومفارقات عجيبة. رواية “ما لم تمسسه النار” عمل إبداعي آخر يضاف إلى منجزات الركابي الإبداعية.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة