فن تشكيلي

السوريون بين صور الدمار وجداريات الفن

بلال سليطين

ينمو صراع خفي في الشوارع السورية بين مشهدين متناقضين تماماً، الأول هو عبارة عن دمار وخراب في مناطق متفرقة من البلاد والثاني يذهب باتجاه الناحية الجمالية البصرية من خلال الأعمال الفنيّة التي باتت جزءا من شوارع وأزقة عدد من المدن السورية.
في العاصمة دمشق تنتشر الأعمال النحتية والجداريات التي باتت تغطي مساحات واسعة من مدينة الياسمين، إلى جانب اوتستراد المزة جدارية دخلت “موسوعة غينيس” للارقام القياسية بمساحة تزيد عن 720 م2، وفي حيّ القصور أخرى صنعها طلاب المدرسة، وكذلك في حي الشعلان، وبعيداً عن قلب العاصمة في حمص واللاذقية استخدم الفن لتطوير الناحية الجمالية للشوارع والأزقة، كما استخدم لإعادة الروح للاحياء التي شهدت معارك وحروباً مثل حي الحميدية في حمص وداريا في ريف دمشق.
وتبني الأعمال الفنية في الشوراع العامة علاقة لاشعورية مع المتلقي الذي يحتك بها بصرياً صباح مساء، وينتقل هذا الاحتكاك إلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من خلال صور السيلفي التي يلتقطها العشرات يوميا ويقومون بنشرها على الفيس بوك، (سيلفي والجدارية خلفي).
مؤخراً بدأ العمل في دمشق على مشروع نحتي ضخم بمساحة 300 م يحاكي الحضارات السورية وخصوصيات جغرافيا المحافظات (نواعير حماه، تدمر، باب كيسان .. إلخ)، يقول الفنان محي الدين الحمصي إنها محاولة لاستثمار الفن على الطريق في بناء علاقة جمالية وبصرية مع التاريخ والحضارة السورية.
هناك شبه إجماع أنه كلما زاد عدد الجداريات أو الأعمال الفنية المتاحة لعامة الجمهور كلما كان انعكاس الأثر للفن أكبر، تقول الفنانة الشابة شهد مولى بهذا التنوع والانتشار يمكننا إشباع عين المتلقي وإنماء الذائقة البصرية لديه.
يشترط الفنان السوري “سموقان” أن لا تكون هذه الجدرايات وقتية زائلة أو استعراضية، وألا تعبّر عن مآسي الحرب وسوداويتها، وإنما تكون مساحات لونية مريحة للبصر، مؤكداً على ضرورة اعتماد التجريد كأولوية في الجداريات والمنحوتات العامة.
ويضيف “سموقان” عندما يراها المشاهد العادي ستخلق حالة من الإلفة بينه وبين هذه الأشكال التي تبدو غريبة للوهلة الأولى لكنها تصبح مألوفة لديه بعد أيام وهكذا يتطور الحس الجمالي لديه.
والجدارية عبارة عن لوحة ضخمة تخطت عوائق التلقي التقليدية التي فرضتها المراكز الثقافية وصالات العرض، وانطلقت إلى الفضاء العام لتصل إلى عموم الجمهور على اختلاف مستوياته الثقافية والأكاديمية وحتى العمرية، وهي تقف في ظرف كالظرف الذي تعيشه سوريا أمام تحدي الوصول للإنسان العادي الذي يعيش حواراً داخلياً يومياً حول كيفية تأمين مستلزمات المعيشة له ولأسرته، ما يجعله مشغولاً إلى حد كبير عن مراقبة المتغيرات المحيطة به بصرياً، ومنشغل بالمتغيرات المعيشية التي تأسر عقله وتفكيره.
إلا أن هذا التحدي يتجاوزه الإنسان باللاشعور حسب “ربا حيدر” دكتوراه في التربية الخاصة، حيث تقول: “إن كل ماهو موجود في البيئة يؤثر في حياة الفرد وبالتالي فإن هذه الأعمال الفنية تساهم في تنمية الحس والتذوق الجمالي لدى الأفراد العابرين على اختلافهم من خلال خلقها للمتعة البصرية التي قد تكون عابرة لكنها تراكمية، وهي حاجة خصوصاً في الظروف السورية الراهنة والتي تطغى فيها صورة الدم والدمار، وبالتالي إنها مواجهة ناعمة لآثار الحرب في لاشعور المتلقي”.
بعض الفنانين حوّلوا مخلفات الحرب إلى أعمال فنية، وحوّلوا الجدران المدمرة إلى لوحات للأبنية والشوارع المزدهرة، ومع مرور الأيام والمشاهدات المتنوعة للأعمال الفنية من قبل المتلقي في شوارع البلاد وحتى ضمن أطر التلقي التقليدية، بدأت علاقته مع الفن تتطور تدريجياً وبات يحسن التمييز نسبياً بين ماهو جيد وما هو رديء من الفن، حتى بات المجتمع المدني في سوريا مؤمناً بدور اللون والريشة في صناعة الجمال بمواجهة الدمار، وتجربة تلوين كراج جبلة بعد التفجير الإرهابي خير مثال.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة