متابعات ثقافية و فنية

كريستينا لامب تُدهش الغرب ببطلتين من العالم الثالث

مايا الحاج

ذات يوم، اقترب شاب من حركة طالبان وأطلق النار على رأس فتاة باكستانية تُدعى ملالا يوسفزاي، في طريق عودتها من المدرسة إلى البيت. ولمّا ظنّ أنّ ضحيته الغارقة بدمائها قُتلت، رفع مسدسه عالياً وسأل بصوته الفظيع: «من منكم ملالا؟». الكلمات تلاشت من هول الصدمة ولم يُسمع جواب على ذاك السؤال «الشائن»، إلاّ بعد سنوات بصوت الفتاة «المقتولة» نفسها: «أنا ملالا، وهذه حكايتي».
هذا الكتاب الذي أنجزته ملالا بالتعاون مع الصحافية البريطانية كريستينا لامب- تعمل ضمن فريق المراسلين الأجانب لصحيفة «صندي تايمز»- جاء بمثابة صرخة مدوية من صاحبة الصوت الخفيض في وجه أشرار العالم وظلاّمه. ثمّ انتبهت الكاتبة أنّ ملالا- التي تحاول المجتمعات المتخلفة قتلها دوماً- موجودة أينما كان في هذه المنطقة المنسية من العالم.
هكذا، اختارت كريستينا لامب بعد ملالا- التي عادت من الموت كأنها عائدة من رحلة لتواصل نضالها بثقة وثبات- فتاة أخرى من سورية كي تكون «نموذجاً» يُلهم العالم، بمن فيهم ملالا التي صرّحت أخيراً بعد قراءة كتاب «نوجين» بأنّها غدت اليوم «ملهمتها».
في زيارة سريعة إلى بيروت، التقت خلالها لامب قرّاء وصحافيين في مكتبة «أنطوان» (أسواق بيروت)، سألت «الحياة» المؤلفة عن الفرق بين كتابة سيرة ملالا، «الشخصية العامة» ونوجين التي صنع منها الكتاب «نجمة»، فأجابت موضحةً بأنها لم تصنع نجومية نوجين، وبأنها لو لم تكن «نجمة» من الداخل لما استشعرت بريقها وكتبت سيرتها.

سيرتان
في «أنا ملالا»، صورت لامب الفتاة الباكستانية وقصة كفاحها من أجل نيل حقّها في التعليم داخل مجتمع يُعامل فيه الذكر ملكاً والفتاة بعوضة، فكان الكتاب شهادة حيّة عن صبية كادت تدفع حياتها ثمن الحصول على حقّ يُعدّ في بلاد الغرب أمراً بديهياً كالماء والهواء. وفي عملها البيوغرافي الجديد «نوجين»، تُسطّر لامب قصة فتاة سورية بجسد هزيل وروح لا تلين. قدّمت للعالم بطولة أنثوية بمعايير جديدة. سردت التفاصيل بلسان الصبية المقعدة نوجين مصطفى، التي ظهرت في تقرير صحافي على «بي بي سي» وهي تُكمل رحلتها الشاقة على كرسي متحرّك هرباً من موت محتم في بلدها، فأثارت انتباه كثيرين، ومن بينهم المؤلفة. شاهدتها تبتسم بعدما قطعت آلاف الأميال من سورية إلى تركيا فألمانيا، كأنها لا تعير معاناة الهجرة من بحر إلى برٍّ أيّ اعتبارٍ. لمست فيها طبيعة بشرٍ ينتمون إلى البداية الجديدة، فلا يتوقفون عند أي مكان ولا أيّ موقف مروع. أرادتها بطلة جديدة في كتابٍ يحمل اسمها «نوجين»، لتُحقّق الصحافية، التي مذ ذاع صيتها عام 1987 بعد حوارها الشهير مع بنزير بوتو، شغفها في كتابة حيوات الآخرين.
«كنتُ أكره كلمة لاجئ بالإنكليزية أكثر من أي كلمة أخرى»، تقول نوجين في مذكراتٍ تنقل كيف تعلّمت اللغة الإنكليزية من الأفلام التي كانت تشاهدها دوماً وهي حبيسة غرفتها في الطبقة الخامسة، مع أنها لم تدخل المدرسة يوماً. وتُضيف في هذا السياق: «لكنني لم أعرف أنني صرتُ لاجئة فعلاً إلا حينما وصلتُ إلى الحدود التركية في العام 2014، مع شقيقتيّ وأفراد من عائلتي الكبيرة».
كانت نوجين تعيش مع عائلتها في حلب، ولما صارت الحياة فيها شبه مستحيلة، عادت وأسرتها إلى مسقط رأسها منبج، لتُقرّر من ثمّ الهجرة خارج سورية بعدما صار الموت ظلاً يلاحق كلّ السوريين. تحمّلت مشقات السفر بمساعدة شقيقتها نسرين وأشخاص آخرين، ولأنها رفضت أن تكون عبئاً على أحد وأن تثير شفقتهم، أوجدت نوجين لنفسها دوراً خلال الرحلة الطويلة من بلد إلى آخر، فصارت هي المترجمة بين شركاء رحلتها الهاربين مثلها من شبح الحرب السورية الطويلة.
على رغم الخطر والخوف، تواجه نوجين الألم بقوة فائقة فلا تسترجع ذكريات الهرب بأسى وإنما بشيء من الإيجابية وكثير من الأمل: «كنتُ أشاهد البحر للمرة الأولى في حياتي. ركبت القطار والسيارة وفعلتُ أشياء كثيرة لم أفعلها سابقاً. كانت رحلة الهرب هذه تجربة اختبرت فيها كلّ ما كنت أراه وأسمع عنه».
مثل «أنا ملالا»، لا يشعر قارئ «نوجين» بأنّ الكتاب خلاصة تعاون شخصين، بل إنّ روحاً واحدة هي التي تُحرّك الأحداث والسرد، فيغلب النفس الشفهي على الكتابي. تسرد لامب حكاية نوجين (16 سنة) بلغتها البريئة، فلا تحاول أن تُنمّق كلماتها، بل تتركها تسيل كماءٍ هادرٍ وشفاف في الوقت عينه. تتداخل الصور الشعرية بالملاحظات العابرة وتنصهر التراكيب البسيطة بالمعاني العميقة لتصنع كتاب يمسّ كلّ من يقرأه.

اكتشاف الآخر
الحياة المتنقلة بين بلدان العالم الأكثر اشتعالاً- من البرازيل إلى زيمبابوي والعراق وأفغانستان وباكستان- حثّ الكاتبة على الاقتراب من الآخر حدّ الالتصاق، ليصير من ثمّ جزءاً من أناها. تكتب عنه لتكتشف ركناً جديداً في ذاتها. استوقفتها شخصيات تحمل أمل البدايات في أماكن عالقة في خواتيمها المؤلمة. أحبّت مرحهم وأذهلتها صلابتهم الكامنة داخل أجساد منمنمة تحوي روحاً طفولية ورغائب صبيانية. هكذا، صار هؤلاء «الغرباء» الوافدون من العالم الثالث أبطال الكتب الأكثر مبيعاً (بترجماتها الكثيرة) في العالم.
وعند سؤالها ما إذا كانت نجحت في هدم الصورة النمطية التي رسخها الفكر الاستشراقي في أذهان الغربيين عن المرأة العربية أو المسلمة، أجابت لامب: «لم أفكّر في الأمر، لكنّ السؤال لفت نظري فعلاً إلى أنّ اهتمام الغرب بالكتابين قد لا يكون نابعاً فقط من أهمية السيرتين، وإنما من دهشة تخلفها جرأة الصبيتين ورفضهما فكرة أن يكونا الضحية، وهو الدور الذي يؤطّر عادة النساء العرب أو المسلمات في معظم المؤلفات الغربية». وعن نظرتها إلى نساء ما يُسمى بـ «العالم الثالث»، قالت: «هؤلاء النساء أبهرنني. عايشتهنّ وعرفتهنّ عن كثب. أعجبت بقوة احتمالهن وإصرارهن على مواصلة الحياة في ظروف لا تُطاق. المرأة العربية والمسلمة هي النموذج في كتبي. إنها «الموديل» الذي اشتغل عليه كي يتعلّم منها العالم الذي يظنّ بأنهن خانعات وغير آبهات بالحياة».
ترى لامب أنّ أهمّ ما يمكن الوقوف عنده في سيرتي ملالا ونوجين أنّ كلتيهما ولدت في ظروف صعبة، لكنّهما حظيتا بدعم محيطهما الصغير. والدا ملالا أغدقاها بحب كبير ورعاية قلّما تلقاها فتاة داخل مجتمع لا يؤمن بوجودها أصلاً. أما عائلة نوجين فاهتمت هي أيضاً بالفتاة المقعدة ومنحتها الثقة والحب والوسائل التي- على بساطتها- يُمكن أن تخلق لها فضاء أكثر رحابة وجمالاً من التلفزيون والأفلام والأسطوانات والكومبيوتر وسط مجتمع لا يحتفي إلا بالذكور.
لا بدّ أن نقرأ «نوجين» قريباً بالعربية لنتعرّف إلى بطلة أخرى من عالمنا «الملعون»، لعلنا ندرك أنّ بيننا أبطالاً أسطوريين وإن بملامح عادية وأحياناً أقلّ. تضاؤل الإمكانات قد تُضاعف جهودنا وتشحذ طاقاتنا وتُخرج منّا ما قد يُدهش العالم. ملالا، الباكستانية المسلمة، استحقت نوبل للسلام وكانت أصغر من ينالها. نوجين السورية- الكردية سحرت العالم أيضاً. سردت حكايتها من الألم إلى الأمل. تعيش اليوم في ألمانيا، تذهب إلى المدرسة، تشعر بأمان، تشتاق إلى وطنها وأسرتها. لكنّها لا تكتب النهاية. تقول وهي على كرسيها المتحرك: «سيعلم الجميع أنّ مركل أصابت في قرارها. سنُثبت للعالم أنّ ألمانيا كانت محقة منذ البداية».

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة