الرئيسية / . / كيف كتب التشكيلي العراقي قصة الحروب الطويلة فنيا؟

كيف كتب التشكيلي العراقي قصة الحروب الطويلة فنيا؟

صفاء ذياب

بدأت الحروب العراقية مع مطلع أول شمس على هذا البلد، فلا يمر عام إلا وكان فيه جوع؛ على حدِّ قول السياب، وهذا الجوع لم يكن إلا نتيجة حرب أخذت شبابه، وجعلت من نسائه أرامل يتناسلن فيما بينهن لولادة أفراح لم تأتِ بعد.. فقصة الحرب العراقية هي الأطول في تاريخ البشرية، حاول كتابتها مؤلفون استمروا لأجيال من دون التمكن من وضع حدٍّ لنهايتها، غير أن هؤلاء الكتاب لم يكونوا لوحدهم يرممون ما تبقى من الروح وخرابها، فقد رافقهم سينمائيون ومسرحيون ونحاتون ورسامون وفنيون من تخصصات لا يمكن إحصاؤها، لهذا أصبح العراق متحفاً لفن الموت، بحسب ما يقال داخل وسطنا الفني، بدءاً من سومر، وليس انتهاءً بآخر معرض أقيم على ثكنات حروب المدن، وهو معرض (كرادة) الذي شارك فيه أكثر من 11 فناناً مختلفة توجهاتهم.. فكيف تمكن هؤلاء الفنانون من تدوين لحظات الحرب؟ وما الذي فعلوه للوقوف بوجه الموت اليومي؟ أسئلة كثيرة، وأجوبة أكثر، حول هذه الأسئلة:

تقنيات الخراب

يحدد الفنان والناقد خالد خضير الصالحي فهمين لكتابة الحرب في التشكيل العراقي: فهم سردي هو الأقرب للأيديولوجيا وهو الذي يهتم ببناء سرديات حكائية تتم (ترجمتها) أو إجراء تغيير زي عليها في حقل الرسم، وقد وصلت ذروة هذه الموضوعات في لوحات (الشهيد) لمحمود صبري وفائق حسن وهاشم حنون وفيصل لعيبي، وهي موكب يحمل نعش الشهيد، وفي لوحات فنية أخرى من قبيل لوحة (الجزائر) لمحمود صبري ومعرض كاظم حيدر.
الفهم الثاني شيء مادي، يحاول أن يمثل الحرب بأقل قدر من السرد، ومن خلال تعريض المادة كاللوحة إلى الحرق والخرق والثلم والتخريش وغيرها من المؤثرات التقنية، وهو ما نهجه جيل الثمانينيات بقيادة أستاذهم شاكر حسن آل سعيد، بلغت ذروة هذا التوجه في تجربة الرسامة هناء مال الله التي سماها الصالحي (تقنية الخراب) والتي كانت تطرح فيها أثر الحرب في الميدان الثقافي وما تعرض له المتحف العراقي وما تعرض له العراق باعتباره متحفاً كبيراً للخراب الثقافي.

صور الاغتراب

وحسب كاظم نوير فإن في دولة الحروب الطويلة حاول الفن التعبير عن حالته فلم يستطع، فحجم الكارثة أكبر من أن تصور بالألوان أو البرونز، لكنه في الوقت نفسه لم يكن خارج دولته، فرسم ونحت عشرات الآلاف من الأعمال الفنية في سلسلة طويلة من الآهات والعذابات والأماني معاً. كان كل واحد منا يغمض عينيه أمام عمله الفني ويحلم بسلام يستعيد شيئاً من إنسانيته المفقودة أمام آلة الحرب الكريهة. مضيفاً أن الباحث يستطيع بسهولة الاستدلال على الصور والأشكال التي عبر عنها الفنان العراقي في تلك الصور، وإن اختلف في كل عقد من العقود التي مر بها الفن العراقي، فمن التعبيرية إلى الرمزية إلى عبث فنون ما بعد الحداثة وتقنياتها الرقمية، نجد صوراً مختلفة لتلك الحروب، فعقد الثمانينيات من القرن الفائت كان يدور في أفق التعبيرية في جل أعماله. أما في عقد التسعينيات من القرن نفسه فنجد اقتراباً وعبثاً أكبر، كان عقداً عبثياً انتشرت في فنونه الفوضى، إذ قتل الحصار رصانة وعمق الفن العراقي في تجاربه السابقة، وفيه بدأت هجرة الفن العراقي ومنافيه، من هناك بدأت تتسلل صور الاغتراب وتتعمق مع الصور التي تركتها الحروب وحفرت آثارها بقوة في الشخصية العراقية، وبعد الاحتلال الأمريكي وسقوط النظام السابق حدثت كارثة أخرى للفن العراقي بعد تداعي المؤسسات والنظم التي عمل عليها الفن العراقي لأكثر من خمسة قرون، واكتملت عملية تهجير أكبر عدد من الفنانين العراقيين في منافي غطت كل قارات العالم! وفي هذا وانفتاح العراق على العالم وبدء حروب عبثية جديدة؛ بدأ التعبير عن تلك الحروب بتقنيات وأفكار أكثر معاصرة وأقرب من تقنيات العصر، على الرغم من روحها الغربية والغريبة عن لغة التلقي العراقية.

إغراءات الحرب

غير أن المتتبّع يرى، في أعمال تشكيليينا، ثلاثة مستويات من الاستجابة الفنيّة، والتمثيل الجمالي لأهوال الحروب في بلادنا على حدِّ قول الفنان هاشم تايه، فهناك من أنتج ما يُشبه وثائق تاريخيّة لتلكم الأهوال، وهناك منْ نحت أعماله منحىً احتجاجياً للإدانة الصّارخة المباشرة للحرب، في حين وُظِّفَتْ فظائعها في أعمال آخرين توظيفاً جمالياً برؤية عالية التعبير، وببلاغة الفن. هذه المستويات الثلاثة من المقاربة الفنيّة تضامنتْ فيما بينها، وعكستْ حجم الردّ الفني على الحرب، وأشكال تحققه في التشكيل العراقي رسماً ونحتاً. في خلال الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وقع بعض الفنانين في إغراء مؤسسة الثقافة الرسميّة، ومطالبها وشروطها في إنتاج أعمال تعبئة، وترويج لخطاب السلطة في شأن الحرب. وفي هذا الإطار قدّم فنانون أعمال رسم ونحت بمقاربة أحاديّة سطحيّة، رأينا تمثيلاتها خاصّة في النصب النحتيّة، حيث يشخص ما عدّه هؤلاء الفنانون (الجانب البطولي) للمقاتلين بعيداً عن مآسي الحرب وأهوالها وفعلها التدّميري العَدَمي للبناء الإنساني في بُعديْه النفسي والمادي.
ويضيف تايه أننا يمكن أن نرى نموذج هذه المقاربة في طابور طويل – تمّ تحطيمه بعيد الاحتلال الأمريكي للعراق- من تماثيل نحتيّة لجنود قُتِلوا في الحرب يقفون على امتداد شط العرب على منصات عالية بأذرع ممدودة، وسبّابات تشير إلى الجهة الشرقيّة للنهر. كما نرى نموذجه في نصب نحتيّ في بغداد لجنود تراصّوا حول جندي يرفع العلم مندفعين ببنادقهم، غير مبالين بمن خرّ صريعاً منهم، وهذا النموذج هو تقليد لنصب نحتيّة لفنانين من دول أوروبا الشرقيّة.
مبيناً أنه على الجانب الآخر برز موضوع الحرب في أعمال فنانين عراقيين آخرين كتراجيديا مدمّرة، وخراب شامل في خطاب بصَريّ بليغ الوقع بلغته ومادته. وفي هذه الأعمال نرى الاستجابة في مستواها الأعلى لفعل الرسم وتحقيق أهوائه، على سطوح تصويريّة أنجزت عوالمها بتقنيات فنيّة معاصرة تمثل رؤى جمالية خاصة. وعلى هذه السطوح نرى كوارث الحرب في نتائجها، وعبر خلاصات وإشارات لاذعة انتظمت في بناء شكلي جمالي مصمّم بحذق بعيداً عن المباشرة. هذا المستوى من التمثيل نراه في أعمال محمد مهر الدين، وهناء مال الله، وغسان غالب، ويوسف الناصر، ممن تسنى لنا الوقوف على ما أنجزوه في هذا المجال.

مركز التساؤلات

المشهد التشكيلي العراقي يبدو لي من خلال متابعة النتاجات التشكيلية المشاركة في المعارض الفنية مشهدا مرتبكاً بعين الفنان عبد الكريم سعدون، فالحرب تركت ظلالها اليومية على هذا النتاج ووضعت الفن على عجلتين تسيران في سكتين متوازيتين ومتقاطعتين أيضاً، الأولى ما اتسم به النتاج الفني من تقريرية واضحة ومباشرة في تناول الحرب فكان هذا النتاج مسيساً، وهو جزء من آلة الحرب الإعلامية الداخلية… في حين ظل الثاني محتفظاً بقيمه التشكيلية الجمالية التي اعتمدت التورية، ليستطيع الفنان الحفاظ على حريته في التعبير وكذلك الحفاظ على لغته الفنية وتفرده في معالجات أسلوبية تنتمي له، فقد كان الفنان يتناول موضوعات تقف بالضد من مقولات الحرب متمرساً في إخفاء مقاصده الحقيقية.
ويرى سعدون أنه مع تفاقم الحروب وتطور آلتها فإن المشهد التشكيلي العراقي ظل على ارتباكه، سواء في معالجاته التشكيلية لسطح اللوحة أو في كتلة النحت، رغم أن العقد الأخير حمل معه انفتاحاً على معطيات الفن المعاصر في العالم، التي ظهرت في بعض الأعمال التركيبية أو المفاهيمية التي أنتجت في العراق، رغم أن الأعمال الأكثر ارتباطاً بالحرب ونتائجها جاءت من فنانين أجانب أكثر مما أنتجه العراقيون. وهو يشير إلى أن الفنان العراقي لم يبتكر لغة فنية خالصة في نتاجه الفني المتأثر بالحروب، بل استعان باللغة لتكون مرافقة له، وهي استعانة خطرة تتمثل في استعارة الفنان لأدوات من سياق مجاور لا علاقة له بالفن كما في التسميات التي يضعها لأعماله أو في البيانات المرافقة لمعارضه، رغم أنه كان لابد من ضرورة ابتكار وسائل إنتاج جديدة تتمثل بروح العصر تستطيع التأثير وتبتعد عن أشكال التعبير التقليدية، فحدث الحرب اليوم ووسائلها لم تعد تقليدية، وقد لمست وجود دعـــوة لنتاج فني خالٍ من موضوعات الحرب لاعتقاد قد يكون سائداً بأن تناول مثل تلك الموضوعات قد يؤدي إلى تفــاقمها، لذا وجب على الفنان محاربة قبح الحرب وويلاتها بالجمال، فظهر ذلك في دعوات لإقامة معارض تتكئ في غالبها على الدرس الأكاديمي متجاهلة دور الفن في جعل التساؤلات مركزاً لتنبيه الناس لمخاطر الحروب وآثارها البعيدة المدى.

تجارب خجولة

ويوضح النحات خالد المبارك أن التفكير في الحرب انعكس على نمط وأسلوب الفنان، كما على الشاعر والأديب، وإذا ما نظرنا للحروب التي مر بها البلد وما تركت من آثار نفسية لدى الفنان التشكيلي العراقي نراها متجسدة بأعمال تكاد تكون مختلفة في جانبها التعبيري والتسجيلي، فتارة هناك توثيق لأحداث واقعية وتارة تعبيرية، وفي البعض منها تجريد لما حدث ويحدث من قسوة وعنف، وهذه الأعمال كانت تعبر عن رفض واستهجان للحرب.
المبارك يبين أن هناك تجارب اتسمت بطابع الجرأة من ناحية الفكرة والأسلوب لعديد من الفنانين الذين اتسمت أعمالهم بتفاعلها مع الحدث ففي فترة الثمانينيات والتسعينيات على الرغم من الرقابة والمركزية في إدارة الدولة، إذ كان للفنان دور كبير في توثيق هول الحرب ونتائجها المؤلمة والقاسية… أما بعد عام 2003، فقد بدت الصدمة أكبر، رغم ديباجة الحرية والتحرر من قيود النظام السابق، إلا أنه لم تظهر أعمال توازي الحدث ومرارته سوى بعض التجارب الخجولة والمتفرقة هنا وهناك.
يربط الفنان وائل المرعب بين الرواية والتشكيل في تمثلهما للحرب العراقية، فمثلما اكتست أغلب الروايات التي أصدرها الكتاب العراقيون خلال هذه الحقبة الدامية والقلقة بلون الحزن والدم، أثقلت الندوب سطح اللوحة التشكيلية العراقية وتناهبتها الجراح حتّى غدا الخطاب الفني الإجمالي يتوكأ على عكّازٍ مكسور.. فمرّةً يسخّرُ التشكيل لصالح الديكتاتورية المقيتة وحروبها الرعناء، ومرّة ينكفئ على نفسه مذعوراً من الأحداث التدميرية الدراماتيكية الكبيرة كما حصل بين عامي 1991 و2003، وثالثة يحزم حقائبه لينجو بنفسه- خاصة وقد شهد بنفسه سرقة ونهب كل لوحات مركز الفنون التي تمثل ذاكرة العراق الفنية- من شظايا التفجيرات والمفخخات وكواتم الصوت وفوهات القنص ليعيد صناعة نفسه في بلاد المهجر، بعد أن استوعب الصدمات التي روّعت ذاكرته وألوانه وفرشاته.
ويوضح المرعب أن بعض الفنانين حاولوا القفز على أوجاعهم وخرائب أرواحهم ليقدموا فنّاً يرتدي زيّاً إنسانياً زاهياً وإنساناً معافى كنوع من الضد النوعي لفن مازال يقطر دماً وندماً، ومثلما فعل البعض لتناول ثيمة الموسيقى كموضوع أساسي لمجمل أعمالهم وانا واحدٌ منهم.. وبعضهم استفاد من وجوده في المهجر ليطلع على آخر مبتكرات فناني العالم وليعيد النظر في طروحاته الفنية في حالة من الاسترخاء النفسي وبمنأى عن الذعر والخوف الذي صبغ رؤاه بلون الحرائق كما كان في بلده.

جماعات ضد الموت

لا تقتصر مسؤولية الفنان التشكيلي أو الفنان البصري بالغور في معطيات الجمال في الشكل واللون والخطوط، قد يكون ذلك مع ما يحمله من ثقافة ذاتية والرموز والإشارات التي يدلي بها هي أدواته للطرح بما يؤمن به من آراء ومقترحات، ذلك يشكل فلسفته في العمل وقدرته على الإنجاز… وهذا ما يراه الفنان محمد مسير، الذي يؤكد أن مسؤولية الفنان تتعدى ذلك إلى التدوين والتوثيق وبشكل ملح. مثلما سجل الفنان القديم في بابل وآشور وما بعدها لتدوين وتوثيق ما مرت به الشعوب من حروب وأحداث سياسية واقتصادية واجتماعية. ويكشف أن هناك دائما ولادات جديدة تعقب الوقائع والكوارث الكبيرة. فكما أنتجت الحروب المستعرة مشكلات اجتماعية واقتصادية كبيرة، لابد من أن ينتج فكراً جديداً إيجابياً مضاداً، هكذا يحدث دائماً. هناك العديد من النقاط التي يحاول الفكر الجديد الانطلاق منها، رغم بؤس المحيط والحواضن، لكن تلك الأفكار جادة للانقلاب على الواقع المأساوي المهين لخلق خطوط واضحة للارتقاء بالذوق العام وإشباعه بالإنسانية.
ويضيف مسير أننا رأينا في تلك الفترة بزوغ مجموعة أفراد من الفنانين، أقاموا معرضا مشتركا باسم (12 زائد1) في 66 2016 في قاعة جمعية التشكيليين العراقيين في بغداد.. إذ كان معرضاً مختلفاً له سماته في العرض والطرح وتعدد الخامات واختلاف الأساليب.. ويعمل على النتائج التي تركتها الحروب على المجتمع العراقي… وقد لحقت تلك المجموعة من الفنانين إقامة معرض آخر باسم (كرادة) في 2782016 في الكرادة في مكان الانفجار الكبير، وكان يطرح تأثير التفجيرات الإرهابية والغلو في الموت المجاني للأبرياء وقد كان عرضاً معاصراً ومختلفاً من حيث الطرح والخامات المستخدمة والأساليب.. احتوى هذا المعرض على عرض فنون أدائية (بيفورمنس) وتركيبيه (أنستليشنسبيس) بالإضافة إلى الرسم والنحت.. بالإضافة إلى ظهور جماعة تركيب، وهم مجموعة شباب من الفنانين البصريين أقاموا أكثر من معرض يحاور في ثيمته أعمالهم الخاصة بالحروب وتأثيرها في الواقع العراقي.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …