.

روني ماغريت رسام خان الصورة بفلسفته الضوئية

أبو بكر العيادي

جمع روني ماغريت (1898-1967) بين النحت والفن التشكيلي، وكانت أعماله في بدايتها أقرب إلى الانطباعية، قبل أن يكتشف التكعيبية والمستقبلية، وكذلك حركات الطليعة بمدينة أنفرس في مطلع القرن الماضي، عقب دراسات في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة ببروكسل، التي التحق بها عام 1918.

تطورت تجربته سريعا نحو الصفائية، وهي نزعة جمالية منبثقة من التكعيبية تلتمس البساطة، وخالط أوساط الحركة الدادائية في مطلع العشرينات من القرن الماضي، غير أن التحول الخطير في مسيرته الفنية كان يوم اكتشف عام 1925 “نشيد الحب” للإيطالي جورجو كيريكو، فوضع تصوره للفن يومها موضع مساءلة، واختار وجهة جديدة، فأقبل على قراءة أشعار السرياليين، وساهم في تشكيل مجموعة اعتنقت هذا التيار الفني والأدبي مع كميل غومانس ومارسيل لوكونت وبول نوجيه، ونظمت لقاءات مع رموز السرياليين في باريس أمثال أندري بروتون وسلفادور دالي وبول إيلوار وماكس إرنست، ثم قرر ماغريت عام 1927 الاستقرار بإحدى ضواحي باريس وصار يخالط السرياليين، بل إن غلاف كتاب بروتون “ما السريالية؟” الذي صدر عام 1930 كان عبارة عن نسخة من لوحته “الاغتصاب”.

ظل أسلوب ماغريت في هذه الفترة محايدا وحتى أكاديميا، يمزج درجات مختلفة على اللوحة نفسها، ويطرح تمثلا مسرحيا للفكرة، خصوصا إذا كانت ملتزمة، ولم تمض بضعة أعوام حتى تحولت طبيعة لوحاته بشكل راديكالي، فصار مسعاه عقلانيا يجهد كي يقدم حلولا لـ”مشاكل” كما صرح في محاضرة ألقاها في المتحف الملكي للفنون الجميلة بأنفرس عام 1938، ثم بدأت الفلسفة تحتل مكانا جوهريا في تأملاته وفي حياته، منذ مطلع الخمسينات من القرن الماضي، غذتها مراسلات مع الفيلسوف ألفونس دو فالنس ولقاءات مع شئيم بيرلمان، ومراسلات أخرى تلتها مع ميشيل فوكو، خاصة بعد صدور كتابه “الكلمات والأشياء” عام 1966، فالكلمات عنده غدَتْ صورًا والفكرة باتت رمزية.

وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك في تصوره الفني، فالخارطة لديه ليست هي الأرض، والصورة ليست الشخص ولا الشيء، وهو ما فصّل القول فيه ميشيل فوكو في كتاب صدر عام 1973 كتحية لروح صديقه الفنان الفيلسوف ماغريت عنوانه “هذا ليس غليونا”. من أشهر لوحات الفنان البلجيكي “العاشقان” التي تبين كيف أن الحب الأعمى يقرّب الحبيبين، وكيف يهيئ اللاوعي بالمعنى الفرويدي “ذكريات حاجزة” لتخفي عن الشخص نفسه مخاوفه أو أوهامه، و”الاغتصاب” التي لا نتبين هل هي وجه أم جسد، و”بالكونة مانيه” عن غياب الأحياء، و”غولكوندا” حيث السماء تمطر بشَرا يشبه بعضهم بعضا كقطرات المطر، و”هذا ليس غليونا” عن خيانة الصورة، وفيها يقول “لو كتبتُ هذا غليون لكذبت”.

ولعل خير من يعبّر عن ذلك، ما كتبه الشاعر الفرنسي الكبير لوتريامون عن أعمال ماغريت “جميلة مثل لقاء عن طريق الصدفة بين مطرية وماكنة خياطة على طاولة تشريح”. لا يمكن أن ننظر إلى ماغريت خارج الظرف الذي عاش فيه، هذا الفنان “التصوري” بالمعنى الفلسفي، كان حريصا على وضع الصورة في المحل الثاني، رغم أنه أبدع أيقونات كلاسيكية، على غرار نساء هنري ماتيس المقصوصة، التي كانت ترصع جدران الطلبة قبل أن تتحول إلى بطاقات بريدية رائجة.

لوحة “عطلة هيغل” مثلا تبين إلى أي حد كان ماغريت يعتني بما لا يظهر للعيان، ومما يروى أن شخصا سأله مرة عمّا تخفيه الصور من معان، فأجاب: لا شيء، خلف الألوان قُماشة. وخلف القماشة جدار، وخلف الجدار… إلخ، الأشياء المرئية تخفي دائما أشياء أخرى مرئية. ولكن صورة مرئية لا تخفي شيئا”، وهو ما يؤكده الناقد البريطاني ديفيد سلفستر حين كتب أن أعمال ماغريت كلها كانت مخفية عنا ومألوفة منا، مرئية ولا مرئية في الوقت ذاته.

يضم معرض “خيانة الصور” المقام حاليا في مركز بومبيدو الباريسي، والذي يحتفي بتجربة روني ماغريت الفنية -تم إعداده بالتعاون مع بلجيكا- ما يزيد عن مئتي عمل فني، من لوحات ورسوم ومنحوتات، وخاصة ما يرجع عهدها إلى سنتي 1927 و1928، وهما السنتان الحاسمتان في مسيرة ماغريت الفنية، بعد اكتشافه أعمال ورج ودي كيريكو، كما أسلفنا. وتحوم ثيماتها حول صور خمس شكلت مرجعية إبداعه، ونعني بها النار، والظل والستائر والكلمات والجسد المتشظي، غايته كما يقول المفوض ديدييه أوتّانجي الكشف عن التأمل الذي أخضع له ماغريت نفسه حول مسائل تَشابهٍ وواقعية، وجهوده حول التمثلات الخاطئة للعالم.

انطلاقا من ابتكار الرسوم الفنية كما رواه بلينيوس القديم (23-79 ميلادية) في موسوعته “التاريخ الطبيعي”، احتفظ ماغريت بثلاثة عناصر شكلت خطابه: الشمعة، الظل، الطيف، وأنكر على الفن التشكيلي القدرة على التعبير عن الواقع، ومن ثَمّ، حرص المعرض على تقريب لوحات ماغريت من الصور القديمة، التي توضح السرديات الميثولوجية لذلك الابتكار، ومفهوم الرسم الفني.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة