متابعات ثقافية و فنية

«التنافس» الروائي العربي هل يمهد لنشوء مرحلة جديدة؟

سمير قسيمي

بعيداً من الأحكام الجاهزة حول علاقة الجوائز بانتعاش الساحة الروائية العربية، يعيش السرد العربي خلال السنوات الخمس الأخيرة، حالة تشبه الانفجار مقارنة بسنوات خلت. لقد أصبحت الساحة الروائية العربية- بفعل هذا الكم من الروايات الصادرة سنوياً- غامضة على ما وصفها الروائي الجزائري بشير مفتي الذي هاله مشهد التضّخم الروائي في الجزائر، التي صدر فيها أكثر من سبعين رواية جديدة هذه السنة، معظمها لأسماء شابة، لا يزيد معدل عمرها عن الثلاثة والعشرين سنة.
الملاحظ في الوافدين الجدد إلى ساحة الرواية الجزائرية صداميتهم غير المبررة مع الأسماء المكرسة، من خلال تصريحاتهم وكتاباتهم في مواقع التواصل الاجتماعية. سلوك قد تبرره الرغبة في الظهور بأي طريقة، لاسيما أن قناعة النقد الجزائري بلغت درجة اعتبار ما يكتب محلياً خلال الفترة الأخيرة مجرد «محاكاة مغشوشة» لما يمكن أن يكتب.

يعتبر الناقد الجزائري محمد الأمين بحري، أن إشكالات الكتابة تتلخص في ثلاث، أهمها: أزمة المحاكاة المغشوشة، وهي متعلقة أكثر بالأقلام الصاعدة التي تريد أن تسجل لها اسماً في محافل الرواية العربية. لكنّ سُبل بلوغ هذا الهدف انزاحت نحو تقليد الأسماء الكبيرة في الرواية العربية التي باتت تلعب دور «الوسيط المضلل». وهي أقلام بذلت جهداً مكيناً في بدايات مسيرتها، ولكن بعد تكريس أسمائها أضحت تبرهن في كل مرة على انتهاء صلاحيتها بتكرار تيماتها (التي ساقتها يوماً إلى الشهرة والذيوع)، وتلوك صورها ومشاهدها مع تغيير في العناوين من دون تجديد المضامين، متمسكة ببندول اللغة الشعرية المتأرجحة بين هلاوس النفس وتيارات وعيها وتيمات تاريخية وعاطفية نمطية التشكيل والخطاب.
ركز الكتّاب الجدد على محاكاة هذا النموذج مأخوذة بسحر اللغة واستغوار العواطف (أحلام مستغانمي أو واسيني الأعرج مثلاً لا حصراً)، وراحت تنسج كتاباتها على ذلك المنوال، معتقدة بأن السرد هو حكي عواطف وبوح شجن لاغير (وهو إشكال وعي ومعرفة بهوية السرد قبل أن يكون إشكال ممارسة وإنتاج أدبي). هذا النهج أنتج أكواماً نصية من سرد الهلاوس الذي لا موضوع له برأس مال شعري اللغة، استبطاني الخطاب لا تتمايز فيه أية هوية نوعية للسرد.
أما الروائي العراقي برهان شاوي، فلا يرى أننا بلغنا ذلك الكم الهائل من الإصدارات الذي يسمح بوصف المنتوج السردي العربي بـ «الانفجار».
ويُضيف قائلاً: «إنّ أي تطور كمّي هو تطور صحي غالباً، لأنه وفق قوانين الجدل لا بد من أن يؤدي إلى تطور نوعي مهما طال الزمن. ولا يمكننا أن نفسر هذا التراكم الكمي بأنه نتاج طبيعي لظاهرة الجوائز والطمع فيها. قد يكون هذا صحيحاً الى حد ما وينطبق على نسبة ممن يكتبون الرواية ولكن ليس على الجميع طبعاً. ثمّة كتاب لا يفكرون بها بتاتاً، على الأقل في لحظة الكتابة».
وفي ما يخص هذا الكم من الروايات التي تنشر سنوياً أو أضعافها المضاعفة التي تشترك في الجوائز التي تُمنح للروايات غير المنشورة، فإنها لا تعني في نظر برهان شاوي طفرة إبداعية وفنية، وإنما هي تؤدي وضيفتها التراكمية العددية. «يمكننا أن نقارن هنا ما تنتجه البلدان الأوروبية بكل لغاتها من رواياتٍ تسمى «روايات محطات القطار»، لكونها تؤدي غرض قضاء الوقت أثناء السفر بالقطارات، وتتصدر محلات بيع الكتب والجرائد في محطات القطار. حينها سنجد أن عدد ما يطبع منها في أية لغة أوروبية وحدها هو أضعاف ما ينتج من روايات باللغة العربية سنوياً في كل البلدان العربية… وعلى رغم ذلك فإنّنا نلتمس بين هذا الكم من الروايات بعض الأعمال الجيدة والمواهب المتميزة وروايات تحقق في ما بعد حضوراً في المشهد الأدبي والروائي وتحول إلى أفلام ومسلسلات.
في السياق ذاته، يعتبر الروائي السوري خليل صويلح أن ما يسمى انفجارا روائياً هو في حقيقة الأمر ليس إلا قنابل صوتية. ويقول في هذا الإطار: «ما إن يخفت الصوت قليلاً، حتى يتكشّف المشهد عن مزحة ما، ذلك أن حصيلة السنوات الأخيرة روائياً، بعد غربلتها، بالكاد تفرز بعض الأصوات النافرة لجهة المغامرة، فيما يغطي الغبار عشرات الروايات التي أتت في الأصل من الشوارع الخلفية للكتابة، نظراً لاستباحة الكتابة أولاً، وسهولة النشر ثانياً، وإذا بنا حيال سوق للبضائع المستعملة. إغراء جوائز الرواية ساهم باقتحام الهواة حقل السرد. وبعض هؤلاء تمكّن فعلاً من قطف بعض الثمار ثم اندثر».

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق