إضاءات

بضعة أسطر من الدم

عباس بيضون

لا نأمل أن يكون معرض هذا العام غيره في السنوات الماضية، لا يعني هذا أننا نتوقع تراجعاً، ربما يعني عكس ذلك فالمعرض كافح عبر السنين واهتدى عاماً بعد عام إلى وسائط حفظته صامداً فيما كان كل شيء يتهاوى أو يتقهقر. لم يصبح كمعرض فرنكفورت ولا حتى كمعرض القاهرة، لكن في بلد يتنازع أركانه على كل شيء ويتجاذبون كل شيء ويختلفون في كل شيء على القسمة وعلى الحصص، في بلد كهذا نعجب من أن يظل المعرض واقفاً، ونعجب من أنه لم يتطيّن ولم تأخذه نعرة ولم ينقسم أو يتشظى. هذا المعرض الواقع بين البيروتين بانعطاف أكبر إلى احداهما، كان يمكن أن يبتعد أكثر في منطقته وان يتكلم بصوتها ولسانها. لن يلومه أحد حينذاك فكل ما في البلد يتحول منصّة لمنطقته، وكل ما في البلد يجاهر بانتمائه إلى منطقته ولا يخجل من أن يزاحم المناطق المواجهة، لا يستحي من ان يتطيف علانية وان يتسابق مع غيره في هذا التطيف ويزايد عليه.
هذا المعرض قد يكون وحده خزانة لبنان. لبنان المتعدد يكاد يكون في الثقافة وأساليب العيش وانماط السلوك واحداً. هو واحد في حقوق الأفراد وحرياتهم كما هو واحد في الفساد والنعرات الرخيصة والصراع الأهلي، لا ينجو من ذلك أحد ولا مؤسسة ولا ساحة أو منطقة. لربما يكون حلماً، حلماً فحسب، أن لا يمتد هذا إلى المعرض المحصور بين قسمي العاصمة، لربما يكون حلماً ان يبقى المعرض مع ذلك مكاناً يتلهى فيه الجميع ويتسلون كما هي الحال في المشارب والبارات والملاهي.
لسنا دعاة ولا واعظين، ولا نبشر بمحبة اللبنانيين بعضهم لبعض، ولا ندعوهم لأن يتعانقوا أو يتصادقوا فنحن نعرف ان أموراً كهذه لا توجد في الكتب، ولا تتحقق في المعارض ولا النوادي. لكننا نريد أماكن محايدة، أماكن لم تسفح فيها دماء ولم يعتد فيها أحد على أحد، أماكن ليس لها ذاكرة موبوءة ولا تاريخ من الكراهية والحقد، ولا نعرات وعصبيات قاتلة. أماكن محايدة لا يكون فيها الواحد مرتاباً محتدماً مستفزاً متأهباً. أمكنة من يدخلها يدخل بدون ان يكون الآخر المضاد همه الأول، وبدون ان يصحب معه إلاهه وبيعته وسلالته وقومه، وبدون ان يكون فيها غريباً أو كالغريب، تائهاً أو كالتائه.
في هذا البلد حيث لا يقرأ الواحد سوى بضعة أسطر في العام، لا نطمح في أن يقرأ أكثر وأن يزيد أسطراً أخرى على قراءته. لا نطمح في أن يقرأ السادة أولو الأمر والقيمون على البلاد فهذا بلد لم تصنعه الكتب والقراءات، بل صنعته الكراهية والحروب وهذه لا تحتاج إلى كتب ولا تقوم بالكتب. وكلما مر عام آخر تحققنا من ان الكتب لا تشفي ولا تنفع.
كلما مر عام انخفضت نسبة قراءتنا سطوراً جديدة، وزاد ما بيننا وبين القراءة من ود مفقود. لا يقرأ زعماؤنا ويريدون ان يحكمونا برؤوسهم الفارغة، لا يقرؤون ويريدون ان يحكمونا بذاكراتهم التي يصنعها الدم، جميعهم او جلهم، على الأقل، تجار كراهية وتشهٍ للدم. من لم يقتل يتهيأ للقتل. من لم يحرّض علانية يحرض من بين السطور وما تحت الكلام. لماذا إذن القراءة ما دام الميزان هكذا والمقاييس هكذا. لعلنا نخاف من القراءة ومن التنوير، من يقرؤون ينسون عند الضغينة ما عرفوه.. من يقرؤون يحكّمون عصبيتهم ساعة المجابهة. من يقرؤون لا يعلّمون سوى العصبيات، هكذا لا صلة بين الحكم والثقافة. السياسة تعتمد على الأحابيل والخدع والتحريض والكتب هي السطور القليلة التي ننساها عند الحسم.
أهلا بالمعرض. انه عيد بكل المعاني. لنتفق على أن لا ننطق في أيامه بكلمة مؤذية، كلمة فاجرة. طبعاً لن يصغي أحد، سيفتح المعرض ولن يتنازل أحد عن سطر من اسطورته الدموية. سيفتح المعرض والشجار مستمر لكن هذا لن يمنعنا من حب الكتب، من حب الأمكنة التي تحويها فهناك يستحي الناس وهناك يخافون ان تسمع الكتب ألفاظهم المسمومة. وهناك لن يكون معنا صنمنا ولا كهّانه، هناك قد نخاف من أنفسنا وقد تحاسبنا أنفسنا. ستكون الكتب شهوداً علينا وسنخشى أن تسجِّل لزمن طويل أخطاءنا وخبايانا.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة