متابعات ثقافية و فنية

شعراء مصريون وعرب يقاطعون ملتقى القاهرة

سلوى عبد الحليم

اختتمت أمس الدورة الرابعة لـ «ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي»، وعنوانها «ضرورة الشعر». وكان الملتقى كرَّس على مدى أربعة أيام علامات الاستفهام ذاتها التي أحاطت بالدورات الثلاث السابقة، والتي منح المصري أحمد عبدالمعطي حجازي نفسَه جائزةَ إحداها، من دون أن يعبأ بأي اعتراض على «نتائج تتحدد سلفاً».
توقف الملتقى لمدة خمس سنوات، ثم عاد، بعد ثورتين، بالآليات عينها، ما جعل السؤال عن «ضرورته» ملحّاً، حتى على صعيد القيمة المادية لجائزته، التي كان محمود درويش أول الفائزين بها. والمعلوم أنّ قيمة الجائزة هي مئة ألف جنيه، بما يعادل نحو خمسة آلاف دولار، ينالها الفائز تتويجاً لمسيرة ممتدة على مدار عقود.

قد لا تكون الدورة الأخيرة على مستوى التوقعات، العجلة كانت سمة الملتقى الذي بدا كأنما أقيم على عجل، علماً أنّ التحضير لمثل هذا الحدث يبدأ قبل أشهر من الافتتاح. الحضور أيضاً ضعيف؛ معظم المقاعد التي كان مقرراً أن يملأها الشعراء والنقاد شاغرة، فكأنّ غيابهم نوع من «المقاطعة». وفي هذا السياق، قال الناقد محمد عبدالمطلب، مقرر الملتقى ورئيس لجنة الشعر في المجلس الأعلى المصري للثقافة، لـ «الحياة»: «الذين لم يحضروا، خسروا؛ لأنهم ظلموا جمهورهم الذي كان يريد أن يستمع إليهم».
حالةٌ من الارتباك خيَّمت على كواليس حفلة الافتتاح، لأنّ وزير الثقافة حلمي النمنم اختار ذلك التوقيت بالذات لينهي انتداب الأمين العام للمجلس الأعلى المصري للثقافة أمل الصبان، ويعهد إلى رئيس «هيئة الكتاب»؛ هيثم الحاج علي بمهماتها موقتاً. وطالَب الفلسطيني عز الدين المناصرة، في الجلسة نفسها بتدريس «أدب التهجين»، وأبدى دهشته من عدم تدريس شعر العامية في الجامعات. واستحوذت مقولة الناقد جابر عصفور: «زمن الرواية»، على مناقشات جلسة العمل الأولى. وأشار إليها وزير الثقافة المصري حلمي النمنم في كلمته في الافتتاح قائلاً: «أشعَلَت حريقاً، والجدل حولَها لا يتوقف ولا يهدأ»! وعلَّق عصفور بقوله: «الشعر من ضرورات الحياة ومن لا يتذوقه، لا يمكن أن يتذوق الرواية أو يفهمها. ما حدث هو أنه بعدما كان الشعر هو الفن الأول، أصبح في الترتيب الثاني. هي ليست إرادة نقدية أو إرادة مجموعة من الناس وإنما هي حركة اجتماعية سياسية ثقافية. الحركة الآن تصبّ في مصلحة الرواية. وهذا ما تؤكده المبيعات». واستطرد قائلاً: «لا أحد يمكنه أن يقول بموت الشعر. نحن لا نتمنى موته، لكنه في أزمة حقيقية؛ وعندما نتحدث عن ضرورته فإننا نؤدي واجباً محتماً علينا دفاعاً عن الشعر وتأكيداً لحضوره».
وفي السياق نفسه، علّق محمد عبدالمطلب بقوله: «رواج جنس أدبي لا يعني موت جنس آخر. الإحصاءات في مصلحة القصيدة وليس الرواية. رواج الرواية غير صحيح؛ فالناشرون يقدمون بيانات كاذبة». أما التونسي عبدالسلام المسدي فقال في كلمته حول «الهوية الشعرية وسؤال التاريخ»: «من السائل عن ضرورة الشعر؛ هل القارئ أم مؤسسة رسمية؟»، معتبراً أن الشاعر في المشهد الجديد، «إن لم يكن متمرداً، انتفت عنه سمة الشعر».
وتحدث المصري أحمد درويش عن «أزمة التلقي الحديث للنص الشعري أمام غلبة الوسائل على الغايات»، فذهب إلى أن ضرورة شيء ما؛ تقتضي أن يكون مشتملاً على الإمتاع والفائدة. وفي ما يشبه الرفض لسجال الرواية والشعر؛ قال الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين: «كأني بالشعر اليوم عروس متوَّجة، وأنتم بحديثكم هذا نزَعتم التاج من فوق رأسها».
في الأمسية الشعرية الأولى، تجدَّد السجال، إذ قال المصري محمد إبراهيم أبوسنة: «تحية للشعر والشعراء على رغم كل ما يقال عن موت الشعر. الرواية في العالم العربي عمرها مئة عام فقط، فهي طفلة مدلَّلة، وهكذا نحن نتبسم دائماً في وجوه أطفالنا الصغار حتى وإن عبَسوا في وجوهنا». وانتهز المصري محمد أبودومة، الفرصة في أمسية أخرى ليشكو قائلاً: «أنا عضو في لجنة الشعر لكني لا أعرف شيئاً عنها وعن الملتقى الذي لم أُدعَ إليه على رغم أنني، والله العظيم، مصري»؛ في إشارة، ربما، إلى «الإصرار المُعلَن» على منح جائزة الملتقى في هذه الدورة إلى «شاعر مصري»، ما دفع كثيرين إلى الاعتذار عن عدم المشاركة، ومنهم اللبناني عباس بيضون، وكان مِن أعضاء «اللجنة الحكم».
اعتبر الشاعر شعبان يوسف، أن أبودومة «خرَج عن السياق»؛ «نحن الآن في ندوة لإلقاء الشعر، يمكنك أن تصدر بياناً تُعبر فيه عن رأيك»، علماً أن المصرية غادة نبيل تعمدت عدم حضور تلك الأمسية، احتجاجاً على تعمد إقصاء غالبية شعراء قصيدة النثر ونقادها. ولوحظ أن عدد الأمسيات الشعرية، فاقَ عدد الجلسات البحثية، بمقدار الضِعف. ومن بين الأبحاث التي صدرت على هامش الملتقى «صرة الحرمان» لخيري دومة «التي شكلت مركزاً دالاً وصورة مفصلية وجامعة للخيوط المركبة التي تألف منها عالم الشاعر محمود حسن إسماعيل (1910 – 1977)، وتناولت زنيب العسال «الأفق الجمالي لقصيدة النثر: محمد الماغوط نموذجاً»؛ متسائلة: لماذا تألق شعر الماغوط وعلا صوته الشعري على أصوات أخرى زاملته أو سبقته، في كتابة قصيدة النثر؟. وعرض العراقي علي جعفر العلَّاق في بحثه «مرثية الفتى الغريق»، قدرة محمد عفيفي مطر في ديوانه الأخير «ملكوت عبدالله»، على تكييف الموروث الديني في التعبير، والانخراط في دوامة اللحظة الراهنة.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق