سينما و تلفزيون

طواف فرنسا’ .. الصدام بين جيلين وفشل المعرفة مع الآخر

حميد عقبي

بدأ فيلم “طواف فرنسا” مع فاروق الذي يعيش في ضواحي باريس ويعشق غناء الراب، لكن مشكلة مع مغني آخر تدفعه للهروب فيجد نفسه مع العجوز سيرج هاوي الرسم والذي يريد للقيام بجولة في موانئ فرنسا لرسم روائع الفنان العالمي (جوزيف فيرنيه)، يضطر لمرافقة سيرج وتكون الفوارق واسعة بينهما فلا تفاهم ولا لغة واحدة رغم أنهما في بلد واحدة هي فرنسا، فماذا سيحدث وكيف ستكون هذه الرحلة؟

جيرار دوبارديو يرى أن الفيلم يناقش الصدام بين جيلين وكذلك فشل المعرفة مع الآخر وهو ينطلق من قضايا موجودة، لكننا نتجنب الحديث عنها ويتم تغيبها وخاصة عن الفوارق الثقافية وكذلك الخوف الذي يكبر مع كل حادثة إرهابية ثم الإسلام والضواحي المهمشة والعنصرية هي الجهل بصورته البشعة.

سيرج (جيرار دوبارديو) هنا يطوف فرنسا ليعيد رسم روائع الفنان الفرنسي جوزيف فيرنيه، يجد نفسه مع الشاب فاروق مغني الراب، سيرج لا يعرف الكثير عن الإسلام رغم أن ولده الوحيد اعتنقه منذ سنوات طويله وهجر والده، وكان سيرج قد خطط لخوض هذه الرحلة مع ولده، ولكن الصدفة تحمل إليه هذا الشاب المسلم والذي يضطر للهروب من باريس بسبب صراعه مع مغني راب منافس يهدده بالقتل.

وتبدأ الرحلة في مناخات مشحونة بالحذر وسوء الفهم والانطباعات الموروثة من تباعد ثقافي واجتماعي، كل شخص محتاج إلى الآخر في هذه الرحلة وكان من الممكن أن تكون العلاقة جامدة ورسمية فصادق مجرد سائق أجير ولكن روح الفن قادر أن يجمع بينهما ولعل هذه النقطة هي الرصيف المناسب ليحدث النقاش والجدل والتنافر ثم الفهم والتقارب والصداقة.

التحدي المتمثل في الفيلم يوجد من أول إلى آخر دقيقة من الفيلم، فمقارنته مع فيلم آخر يعني خسارة للمتفرج الذي قد يترك صالة العرض فورا يحاول المخرج أن يمسك بنا لنرى طرحه المختلف ويدخلنا في نقاشات حول الواقع والأجانب وفرنسا والإسلام ثم يكشف بهدوء العلاقة الحامضة بين الأب (المسيحي) والابن (المسلم) هذه مشكلة تعاني منها بعض العوائل الفرنسية حين يعتنق أحد أفرادها الإسلام قد تدخل في صراعات مربكة وهذا يأتي من رفض طرف للآخر أو السخرية من المعتقد وغياب أرضية ورغبة للفهم.

فاروق الشاب المسلم وليس عضو جماعة إسلامية وكذلك بلال ابن سيرج، فالإسلام هنا مجرد دين مثل أي دين، وهنا بلال منتج فني وليس حامل سلاح ولا داعية متطرف، التقريب بين الابن والأب سيأتي بالتدريج في حال نجاح هذه الرحلة وهذا يتم طرحه بشكل مبكر في الفيلم، هذا العنصر والتحدي هو أحد العناصر المهمة والقوية في الفيلم، يتحول فاروق الشاب العادي غير المتدين لتمثيل دين يتبعه أكثر من مليار شخص حول العالم، هنا فاروق ظهر عفويا ولسنا مع الخير والشر، نحن مع نماذج بشرية تبحث عن جسر التواصل وهدم الفجوة المفروضة التي تفصل وتعرقل التعايش المبني على السلام.

رشيد جعيداني، خاض في فيلمه “طواف فرنسا” عدة معتركات فكرية واجتماعية وفنية وتناولها ببساطة دون مبالغات معقدة، لعله هنا يخاطب جيل الحاضر بشكل عام ولم يتورط في فرض وجهة نظر واحدة، أو دعم شخص ضد الآخر.

رغم حساسية المواضيع المطروحة في الفيلم، إلا أنه حاول عبور كل الحواجز، وقد ساعده في العبور قلة الشروط ومعالجتها وفق كيمياء ذكية تتضح بالتدريج كما يلعب الممثل صاحب الخبرة الطويلة (جيرار دوبارديو) دورا مهما ليبني أسس قاعدة ضخمة، يعرف كيف يستخدم ما لديه من الخفة والوقاحة الرائعة لعرض شريكه، وأيضا صادق، صحيح نراه كبهلوان مغني الراب يعيشه ويتنفسه في كل حركة، والراب هنا نجده لصيقا به في كل لقطة تقريبا فهو هوية وسلوك وثقافة وأداة التعبير الوحيدة التي يمتلكها ويتقنها بحرفية ماهرة.

ونجد الراب أيضا وسيلة للتواصل الاجتماعي ليس في ضاحية أو منطقة بل في فرنسا وغيرها أي أنه لغة شبابية عالمية فيها الكثير من السحر والصدق في التعبير عن الذات والعمق.

هناك من يطرح أن الفيلم مرتبك رغم النوايا الطيبة والحوارات تفتقر إلى العمق، ونحن لا نعلق في أي شخصية قدمت لنا. وهناك بعض الصور النمطية والغوص في المؤامرات الفرعية لمجرد إضافة التشويق، وأحيانا يعرض تصاميم تجريبية دون أي مبرر (ربما لأنها جميلة فقط )، بعض الجهات تفتقر إلى الدقة في اللعبة، وخصوصا شخصية بلال (ابن سيرج) فقد ظلت مجهولة.

من الناحية التقنية حاول المخرج نقل رؤية سيرج ليحضر اللون الأزرق بقوة، كما يضعنا مع لوحات فيرنيه والطبيعة وضجيج البحر وهناك رؤية فاروق الذي يمسك هاتفه ليصور هزات روحه وقلقه ونرى الصور المجزئة لتفاصيل مهملة فتتحول إلى مرئية وتعرض بعفوية.

(الحياة)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق