مسرح موسيقى

روجيه عساف في «الملك لير» لشكسبير.. مصير الخرف وتعذيب الذات

صفوان حيدر

تعتبر مسرحية «الملك لير» لشكسبير واحدة من أكثر من مسرحياته كآبة ومأساوية. كتب شكسبير هذه المسرحية في عام 1605، بعد عامين من وفاة الملكة إليزابيت التي لم تنجب أطفالاً…
المخرج والممثل المسرحي روجيه عساف الحامل تاريخاً عريقاً للمسرح اللبناني على كتفه، وافق على لعب دور «الملك لير» وهو من أصعب الأدوار التراجيدية، في هذه المسرحية التي هي من إخراج سحر عساف وراشيل سميث والتي كان افتتاح عرضها الأول مساء الخميس الماضي في مسرح المدينة.
تبدأ المسرحية بدخول الملك لير (روجيه عساف) إلى مقدمة المسرح وقد اتخذ قراراً مشؤوماً بالتنازل عن عرشه وتقسيم ملكه بين بناته الثلاث، لأنه بسبب تقدمه في العمر أصيب بالخرف، وهو مصير يتهدد كل إنسان حاكماً كان أو محكوماً. لعبت دور (كورديليا) ابنة لير (الثالثة)، سحر عساف، ودور (غونريل)، الابنة زينب عساف، ودوز (ريغان) الابنة الثالثة، ماريليز عاد ودور (غلوستر) رفعت طربيه ودور (الباني) باسل ماضي ودور (كورنويل) هادي دعيبس ودور (فرانس) رامي سعيدي ودور (كنت) بشاره عطالله ودور (برغندي) عبد الوهاب قصير وادوار ثانوية أخرى، وقد لعبوا جميعهم أدوارهم ببراعة وإتقان أدائي منضبط ومدروس نجحت المخرجتان عساف وسميث في نسجه وإدارة تحركاته بعناية ودراية متمكنة وقادرة على تقديم المشهدية الأدائية ـ اللبنانية الحديثة. وبدت العلاقة الهزلية السوداء بين (لير) و(بهلولة) (سني عبد الباقي) تجلياً للعلاقة بين التراجيديا والكوميديا المتداخلتين في جميع مسرحيات شكسبير، في أوضاع معينة، ضمن السياق الدرامي العام. هذا العمل يبدو ملبنناً بامتياز، لغة محكية لبنانية، ناجحة جداً على المستوى المسرحي، وأداء تمثيلياً تحريكياً متوفقاً ومتفاعلاً مع سلوكيات المواطنين اللبنانيين، كهولة وشبيبة لبنانية، ومواقف وأحداثا وجدانية صادمة ومثيرة للحزن والإشفاق، وللغضب ثم للتسامح التأملي، الذي يكاد يعانيه كل مواطن ومواطنة لبنانية يعيشان في دوامة الأسئلة الوجودية الكبرى التي عالجها شكسبير. فالملك لير ملحمة درامية تبحث في علاقة السلطة السياسية بمصيرها وتخليها عن نفسها وعن الآخرين. انها تراجيديا تعذيب الذات تحت عبء التقدم في العمر والإصابة بالخرف والانحلال، وهو المصير الذي يتهدد الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان بعد عشرين عاماً أو أكثر من الزمن الآتي إلينا، بلا استئذان، في المواعيد الواعدة والراعدة من الأيام.
لعب روجيه عساف ببراعة وإتقان أدق التفاصيل لشخصية الملك لير المصاب بالخرف، وبراحته العسافية على المسرح. وأظهر ببراعة مأساة عدم التفاهم الدائم بين الجيلين: جيل الآباء وجيل الأبناء. خلاصة المسرحية التي يجسدها روجيه عساف أنه عندما يدخل الخرف طوره في الناس ولا يمكننا أن نعيد هذا الخرف إلى رشده علينا أن نبحث عن من يوجه أمور المملكة (الدولة) والشعب.
هذا هو المعنى المهيمن والناجح في دور روجيه. كذلك نجح رفعت طربيه في دور غلوستر. لقد غضب لير من ابنته كورديليا لأنها رفضت أن تأخذ ثمن حبها له. الخلاصة أن كورديليا التي تؤمن بالحب المطلق وبالوفاء لزوجها الملك الفرنسي فقدت عطف الأب وعطف الزوج. فكان مصيرها الموت مهملة في البراري الموحشة. كان يفترض بالمسرحية أن تجعل مصير الملك لير يتجه نحو المرح والفكاهة. وبينما تأويل النص المكتوب بالمحكية اللبنانية يركز على أوضاع الناس المحكومين والخاضعين للسلطة السياسية، برز روجيه في دوره كجبل فسوحي تهزّه رياح الخرف ولكنه لا يسقط إلا كملك. وبدا روجيه في صعوبة هذا الدور كأنه يتسلق جبل الخرف بنجاح وصولاً إلى القمة. بدا الديكور عالماً مينيمالياً (تصغيرياً، تكثيفياً للعالم الأكبر). وهناك تشابه بين الفضاء الشكسبيري وفضاء المخرج الثنائي اللبناني. واستناداً إلى التركيز الذي نعرفه في المسرح الشكسبيري على الممثل، بدا التمثيل واقعياً وعفوياً ولكن في بعض الأحداث تنكسر الواقعية ويظهر جسد الممثل ليقدم معنى معينا مضمرا ومستترا. وقد قامت بلبننة النص الشكسبيري ندى صعب ورافي فغالي وسحر عساف، في سبيل تقريب لغة شكسبير من الجمهور اللبناني. هي محكية جديدة وقريبة من أهالي بيروت. وتبقى في هذه اللغة غرابة آتية من شاعرية لغة شكسبير. ومن المعروف أن شكسبير له مسرح عالمي يتناول تغيرات الأزمنة والأماكن في عالمنا في الماضي والحاضر والمستقبل.
لقد أظهر لنا روجيه كيف أن الملك لير، عندما خسر كل شيء كان يملكه ويتمتع به، تحول إلى فقير مسكين. وعندئذ، يكتشف لير أنه إنسان عادي، وهذه هي أهم وأغنى ثروة يكتشفها الإنسان. ولأن الأداء التمثيلي الجسدي مغاير لمدرسة غروتوفسكي ولمدرسة ستانلافسكي، فإنه أداء ينسجم مع سلوكيات شخصيات المجتمع اللبناني ومع تطلعاتها وآمالها ومخاوفها وانتقاداتها وتلميحاتها الخجولة حيناً والفاضحة أحياناً. لقد لعب روجيه عساف الذي كان دليلاً ومطوراً للمسرح السياسي اللبناني، وبجدارة مميزة، هذا الدور الشكسبيري الصعب، فأبكانا وأشفقنا بأداء متوتر استمر مدة ساعتين، لكنه لم يسمح بإضحاكنا وهي حالة نحتاج إليها، رغم هذا الكمّ الهائل من تعذيب الذات.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق