.

خبز وشاي وسيرة أبو وئام الكركي لأحمد الطراونة

أحمد فضل شيلول

يصعب على النفس أن يرى أخين أو شقيقين يتقاتلان دون أن يكون لهما إرادة في ذلك أو دون أن يقررا ذلك. وهو ما رأيناه في فيلم “العاصفة” (تأليف وإخراج خالد يوسف 2001) عندما ذهب الشقيقان؛ واحد إلى العراق (ناجي = محمد نجاتي) للعمل ومن ثم التجنيد في صفوف الجيش العراقي، والآخر إلى الكويت (علي = هاني سلامة) ضمن القوات المصرية التي اشتركت في حرب تحرير الكويت، وذلك بعد اندلاع الحرب في المنطقة إثر دخول صدام حسين الكويت، فتُجن أمهما (هدى = يسرا) من كون الشقيقان يتقاتلان ضد بعضهما البعض رغما عنهما، أو تنفيذا للأوامر.

وهذا ما حدث أيضا في رواية “خبز وشاي” للروائي الأردني أحمد الطراونة حيث يكون الشقيقان أحمد وخالد في مواجهة واحدة، ولكن هذه المرة على الأرض نفسها أو في البلد نفسه.

أحمد – ابن الثامنة عشرة – الذي أصبح عضوا في تنظيم إرهابي أو جهادي، ويكني بـ “أبوالوئام الكركي” دون أن يعرف هو نفسه بهذه الكنية والتي ورد ذكرها في الرواية مرة واحدة فقط قرب النهاية (ص 201)، وخالد الذي انتظم جنديا في سلك “الدرك” (أو الشرطة أو البوليس)، ريما يسعد بتناول وجبة غير “الشاي والخبز”، وما يدعو للدهشة أن أخاه أحمد هو الذي أخذه من البيت وسلّمه إلى معسكر “الدرك” ليصبح واحدا من هؤلاء العساكر الذين ينفذون أوامر رؤسائهم بدون أدنى نقاش كما هي العادة، حتى لو اضطر إلى قتل أخيه.

على أن أهم ما في رواية الطراونة ليست هذه المواجهة التي وقعت في آخرها، ولكن تحليل الأسباب التي أدت إلى أن ينتمي أحمد إلى التنظيم الإرهابي، من خلال تصوير حال الأسرة الفقيرة التي تكتفي في معظم الأحيان بوجبة “الخبز والشاي” والتي يعمل عائلها في نبش القبور للحصول على محتوياتها من بقايا جثث أو جماجم أو بقايا آثار. إنها بيئة صالحة لإنبات الإرهاب خاصة بعد رحيل الأب (أبو أحمد) وسرقة عمه (أبو خليل – النقيب المتقاعد) لقطعة زجاجية أثرية عبارة عن إبريق أثري نبطي عثر عليها أبوأحمد أثناء نبش القبور ونهب ما فيها.

“يصعق أبو خليل أخاه وينهي معه ما تبقى من علاقة الأخوة التي تجاوزت العقود الستة وأكثر من العناء والبؤس، ويطرده شر طردة بعد أن يؤكد له أن الإبريق قد كُسر” (ص 128).

هنا تتبخر كل وشائج الأخوة بين أبو أحمد وأبو خليل، وتتغلغل شهوة الانتقام داخل أحمد من عمه، وخاصة بعد رحيل أبيه. وكأن الدنيا كلها في كفة وشهوة الانتقام من عمه في كفة أخرى. فكان من السهل الانقياد إلى أحد الشيوخ الذي حدثه عن الجهاد وعن الحرب في سوريا وأهمية دعم المجاهدين لإعلاء كلمة الله في الأرض وتحت كل سماء.

ويصور لنا السارد كيفية إتقان هذا الشيخ لدوره في تجنيد الشباب البائس فيقول “ذرفت دمعة من عين الشيخ التي تتوارى وراء نظرة خفية تختلس جسد أحمد، وهو يتمتم ببعض الكلمات التي تذوب في حشرجات مفتعلة موجها خطابه لأحمد قائلا:

“سيقيض الله لهذا الدين رجالا ينصرونه، وإني أراك منهم، فهذا العزم وهذه الطاقة لا بد لها أن تستوي في مكانها”.

إن الشخصيتين تبحثان عن بعضها البعض، أحمد الذي استعرت في صدره جذوة الانتقام من عمه، فرأى في الشيخ المحاط بالغموض وسيلة تستطيع أن تكون سندا له “أحمد قرر أن يستغل سلطان الشيخ وقدراته الخفية لصالحه، تمنى ان يكون سندا له، بعدما لمعت في صدره جذوة الانتقام من عمه”.

والشيخ وجد في أحمد مبتغاه في تجنيد عضو جديد في منظمة إرهابية (غالبا ما تكون الطرف الثالث في مواجهات المتظاهرين والدرك، جنودها يعودون للعصور الوسطى يقتلعون البوابات يبحثون عن كنوزها ويدمرون وجهها الجميل)، فأخذ يدس السم في العسل حتى نهض أحمد واقفا مرددا: “أريد ان أذهب للتدريب والجهاد في سوريا”.

يقول السارد: “رقص قلب الشيخ الذي بان واثقا من حديثه، وهو يلقن ضحيته درسا في الاتزان والهدوء واتخاذ القرار السليم”. ولكن فورة الشباب وحماسه واندفاعه تزين لصاحبه أنه على صواب فيتوسل أحمد للشيخ: “أرجوك ساعدني، أريد أن أذهب إلى الجهاد”.

هنا تكون الضحية قد استسلمت بكامل وعيها وإرادتها بعد عميلة غسيل المخ للجلاد، ويبدأ تجنيد أحمد على مراحل وينتقل من مكان إلى آخر ويأخذ اسما أو لقبا كوديا بين أفراد التنظيم. ويفرح عندما يقول له شيخه: “سنجربك في الأيام القادمة في مهمة كبيرة لا تخلو من الجهاد، كن مستعدا عسى أن يباركك الله”. ويأخذه في جولة لمشاهدة سيارات الأمن ويوغر صدر الفتى عليها وهو يلتهم الهريسة بشراهة.

لكن الفتى يتساءل بعد عملية إرهابية شاهدها انفجر فيها المكان ليسوَّى بالأرض، ويصبح أثرا بعد عين وسط تكبيرات تكاد تشق السماء: مَنْ يدمِّر مَنْ؟

ويتضح من خلال هذا السؤال المركزي عدم اتضاح الرؤية أمام أحمد وأمثاله من الصبية المغرَّر بهم.

وعلى الرغم من ذلك لا نعدم من يوجه لهم النصيحة ويحاول ردهم عما يفعلون، مثل الرجل الذين يلبس معطفا عسكريا قديما يخلو من الأزرار يعتمر منديلا أحمر من غير عقال قائلا: “سيجتمعون هنا، إذا أردت فانفذ بجلدك، اليوم سيكونون أكثر قسوة”، ناصحا إياه: “إياك أن تجعل منك شهوة الانتقام بطلا. اترك هذا المكان”.

إن أهم لقطة إنسانية في الرواية هي تلك اللقطة التي التقى فيها الشقيقان خالد وأحمد أثناء أحداث العنف حيث كان أحمد يستنجد بأخيه، بينما يرفع خالد يده كي يودع أخيه، وأصدقاؤه يرفعون هراواتهم لتسقط على جسد أخيه، بينما يشعر رجل الدرك الذي يخفي وجهه بوشاح أسود بالانتصار حين أجهز على أحمد كما يجهز الأسد الهصور على غزال جريح. ويخاطب أحمد شقيقه بقوله: نحن نلتقي كأعداء وأمنا تموت من قهرها علينا، و”أبو خليل” يتلذذ بعذابها. من فعل بنا ذلك”. (ص 218) ويتساءل خالد في الوقت نفسه قائلا: “هل أحمد أخي عدوي؟” (ص 219).

ولعلنا على المستوى الرمزي نستطيع أن نقول إن الأم هنا رمز للوطن الذي يتباكى على ما وصل إليه حال الأشقاء.

إنهم شباب – مغرر بهم كما قلت من قبل – لا يفهمون شيئا ولا يعرفون ما يُراد بهم، هم مجرد أداة في يد القوى المتعادية. وعندما يدرك هؤلاء الشباب حقيقة الأمر وينكشف لهم “الملعوب” يكون قد فات الأوان، أو يكونون في طريقهم نحو الموت، فذاكرة أحمد بعد أن قبض عليه، ودخل السجن، غابت في القيود وأجهشت بالنزف، وكانت عيناه تقتربان من الانطفاء، حيث تساوت الظلمة وأصبح كل شيء غير قادر على الحياة، إنه أدرك في النهاية عبثية ما حدث وأدرك أنه كان أداة تم استخدامها بنجاح، ولكنه أدرك ذلك بعد فوات الأوان.

وهذه هي الرسالة التحذيرية التي يريد الكاتب إيصالها إلى الشباب – إن كان ثمة رسالة اجتماعية للعمل الأدبي.

احتوت الرواية على 31 فصلا وعتبتين، يؤكد الكاتب في العتبة الثانية أن أحمد هو الذي كتب هذه الرواية “أحمد هو الذي كتب روايتي وسيكتب روايتكم حين تجف الأرض، وتُطفأ الأنوار، وتستوي الظلمة، وتُسدل الستائر على ما تبقى من القبور، حينها سيقف أحمد في وجه يوسف، ليس لأنه عرف بزيف نبوءته، بل لأنه علمه الإيمان الزائف”.

أما عن يوسف فهو مدرس التاريخ في مدرسة أحمد الثانوية “رجم الصخري” يقول عنه أحمد إنه يلعب على الحبلين، فهو يتحدث عن مفهوم الدولة الوطنية وجذورها ورجالات الدولة الوطنية والذين يتخذهم مثلا أعلى له، وفي الوقت نفسه يشارك في المتاجرة بآثار بلاده وتهريبها، إنه رمز المثقف الخائن العميل عن وعي وإدراك، ويحلم أن يصبح وزيرا للسياحة والآثار.

من خلال صفحات الرواية سنرى أن الدولة نفسها تتاجر بالآثار أو تيسر اكتشاف الآثار وبيعها، وليس الأفراد فحسب، وذلك من خلال بعثات حفريات يرافقها أمريكان كلهم يهود يبحثون عن شيء اسمه الأثر اليهودي في شرق الأردن. ويتضح أن هناك من يسرق التاريخ بحماية من الدولة.

الرواية – التي بلغت 224 صفحة والصادرة عن دار “الآن” ناشرون وموزعون بالعاصمة الأردنية عمَّان 2016- ليست شخصياتها بالكثيرة، ومن هنا فإن القارئ لن يتوه في غابة الأسماء، كما يحدث في بعض الروايات. ومع ذلك توجد شخصيات رئيسية مؤثرة في سير الأحداث وتقدمها للأمام مثل: أبو أحمد وأبو خليل وأحمد وشقيقه خالد ومدرس التاريخ يوسف، وشيخ المسجد مجهول الاسم الذي جنَّد أحمد في التشكيل الجهادي الإرهابي، وأم أحمد.

ثم الشخصيات الثانوية: جمال (عدو يوسف، يعمل في حقل الآثار وسيسافر للعمل في استراليا) وخليل ووزوجة يوسف وأخت أحمد وعدد آخر قليل بالرواية.

أما زمنها فهو ما بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي (إنه الآن)، وتحديدا بعد موت القذافي (20 أكتوبر/تشرين الأول 2011) حيث يقول أبو خليل لأخيه أبو أحمد: “لقد سمعت أخبار السادسة مساء وقالوا إن القذافي قد مات” (ص 32). مع تسلل نداءات وشعارات تشبه نداءات وشعارات تلك الثورات مثل “الشعب يريد إصلاح النظام” (ص 80)، مع وجود ارتجاعات زمنية (فلاش باك) تصل إلى الثورة العربية الكبرى عام 1916.

على أن الشخصية الرئيسية المتنامية على طول الرواية هي شخصية الشاب أحمد الذي جرت تحولات على مسيرتها سواء بإرادته أو بدون إرادته. ثم شخصية يوسف مدرس التاريخ الذي كشفت الأحداث عن معدنه الرخيص المنافي للوطنية التي يتشدق بها أمام تلاميذه بالمدرسة ومنهم أحمد.

ولعل وصف الشخصيات يعد سمة من أهم سمات “خبز وشاي”، وهو يبدأ استهلاله للرواية بوصف إحدى الشخصيات الرئيسية فيقول في الاستهلال: “لحيته الصغيرة ترتجف عندما يمضغ الحديث، شعره الأشعث يتناثر على حواف رأسه الصغير الذي يبدو مبلولا، يتخلله ضوء تشرد من جنبات خربة، فيعكس عليه مسارات غامضة توحي بسيرة غريبة الأطوار”.

إنه وصف من أوصاف أبو أحمد يبدأ به السارد ليشوقنا إلى ما سوف تقدمه تلك الشخصية الغامضة التي توحي بسيرة غريبة الأطوار، فيقدم لنا حافزا لمواصلة القراءة.

لا نستطيع أن نقول إن المكان هو البطل في رواية “خبز وشاي”، كما كان موجودا في “زقاق المدق” لنجيب محفوظ على سبيل المثال، فقد خرج السارد إلى أكثر من مكان وأكثر من فضاء، كان أهم تلك الفضاءات هو فضاء المقابر الذي احتل حيزا أكبر من غيره في الرواية، فكان أزقة ضيقة أو كما جاء على الغلاف الخلفي من الرواية “هذه الحكاية أو الأزقة الضيقة التي تختنق فيها روحي وتلهث خلف جنونها لم تعد لي. إنها سؤالكم الذي يحشرج في أقفاصكم، وأنتم تخرجون من قبوركم لتعزفوا الموسيقى على جثثكم

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق