إضاءات

أطروحات مضادة عن صادق جلال العظم

منذ بواكيره تخطى صادق جلال العظم السقف الأكاديمي، وأسوار الجامعة ليكون طرفا في عدة معادلات منها السياسية والاجتماعية والإيديولوجية، لهذا لم تكن أطروحاته داجنة إلى الحد الذي يضمن له البقاء في مأمن من المساءلات، وربما كانت كتابه النقد الذاتي بعد الهزيمة خروجا عن السرب فلم يصفق للهزيمة باعتبارها لم تحقق هدفها كما قال الإعلام الذي احترف التزوير والتبرير، ولم يذرف الدموع على أطلال ما قبل حزيران/يونيو، لأن ما قبل الهزيمة كان حاضنة نموذجية لإفرازها، وقد سمي صادق العظم الأشياء باسمائها فالهزيمة هزيمة ولا شيء آخر. أما النكسة أو مرادفاتها من الصفات المستعارة من معجم المرضى فلم تكن بالنسبة إليه نافذة للهرب.
افتضح الخرافة والفهلوة واللامبالاة وأعطى للاستبداد والبطريركية نصيبهما من أسباب الهزيمة، لكنه لم يفعل ذلك تلبية لهاجس ماسوشي كما فعل آخرون تلذذوا بتقريع الذات واستمرأوا أوجاع الانهيار.
وكان كتاباه «نقد الفكر الديني» و«نقد فكر المقاومة» بمثابة تدشين لمرحلة سوف يستعيد فيها النقد جدواه وضرورته ودفع ثمن ذلك مرّتين، مرة في مساءلة قضائية وأخرى في مساءلة وطنية شعبوية، وحاولت إسرائيل كعادتها استثمار كتابه نقد المقاومة على نحو مضاد لأهدافه، فأذاعت فقرات منه منزوعة من سياقاتها .
وأذكر أنني قلت له إن أخطر مؤلفاته ذلك الكتاب الصغير الذي لم يستوقف أحدا، لأنه في ظاهره غير سياسي وهو كتابه عن الحب العذري، فقد خرج فيه أيضا عن السرب ولم يقرأ الظاهرة العذرية من المنظور الرومانسي الموروث وتوصل إلى أن الحب العذري هو مجرد حيلة لإدامة التوتر، وباستثناء ما كتبه صادق العظم وطاهر لبيب عن الحب العذري، فإن معظم ما تداوله النقد المدرسي كان أفقيا وشارحا ويمارس إسقاطات جنسوية مغطاة بطُهرانية مُفتعلة.
أما المفارقة الأخرى فهي أن كتابه نقد الفكر الديني الذي عرّضه للمساءلة كان قد نشر أخطر فصوله عن مأساة إبليس في مجلة لبنانية قبل صدور الكتاب بأعوام، لكنه لم يستوقف أحدا، وهذا شجن ثقافي عربي يطول الكلام فيه، وحين اقترب صادق العظم من ثنائية المقدّس والمدنّس والتحريم والتحليل، لم يدّخر احتياطيا دفاعيا يتيح له الفرار، وحاول وضع حدّ فاصل بين التأويل والتقويل في ثقافة العنعنة والإحالات وتعذيب النصوص كي تعترف بما لم تقترف. ورغم اختلافي معه إلى حدّ ما في كتابه «الاستشراق معكوسا» والذي ردّ فيه بأسلوب سجالي على كتاب «الاستشراق» لأدوارد سعيد إلا أن منطلقه المنهجي الذي قاده إلى توصيف كتاب سعيد بأنه ميتافيزيقي من حيث التعميم والمصادرة يستحق المناقشة، وبرأيه أن إدوارد وضع الاستشراق كله في سلة واحدة، ولم يلتفت إلى نماذج استشراقية خارج المجالين الأنجلوساكسوني والفرانكفوني لأنها لا تلبي موقفه الراديكالي.
لكن ما اتهم به صادق العظم لم يسلم منه إدوارد سعيد، فقد اصطبغت بعض أحكامه على الكتاب براديكالية تقارب الميتافيزيقا، وبالعودة إلى واحدة من أطروحات صادق المضادة للسائد وهي الحب العذري نجد أنه يلتقي مع دنيس دورجمون مؤلف كتاب «الحب والغرب» ويفارقه أيضا، وكان دورجمون قد رد على الشائع لدى المستشرقين حول تأثير العذرية العربية على شعراء البروفانس في الغرب، ومنهم دوزي ورينان، ووصف دورجمون ما يقول هؤلاء وسواهم بالجهل المزدوج.
ولم تقتصر مطارحات صادق جلال العظم على مجال ثقافي محدد، واستجاب لهاجس معرفي يقارب الموسوعية فكتب في السياسة وبالتحديد في الأيديولوجيا وفي علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع أيضا، لكن بأسلوب لا ينقل المعلومات بقدر ما يشحن بها مقارباته وأحيانا تكون من بين مرجعياته.
واختزال صادق العظم إلى موقف سياسي يحذف منه الكثير مما يستحق أن يناقش معرفيا وبعيدا عن أدبيات الإقصاء والثأرية، فالرجل له إرث يتيح له البقاء في ذاكرتنا الثقافية، ووصفه بالإشكالي أو السجالي قد يكون بسبب حيوية مقارباته والجرأة على الاقتراب من المحظور والمسكوت عنه في ثقافتنا، وهو ينتمي إلى جيل عربي شهد الدراما القومية في أشد فصولها توترا، ولم يقل كسواه من الأكاديميين الذين امتثلوا للموعظة الخرقاء التي تتلخص في المشي بمحاذاة الجدار، والانكفاء داخل شرنقة التخصص. ولأنه في معظم أطروحاته حاول السباحة ضد التيار والخروج من السرب فإن منجزه المعرفي يقبل الاختلاف، وهو شأن بعض أبناء جيله عُرف بكتاب أو اثنين، أثارا ردود أفعال واسعة، سواء في الدين أو الجنس، وتلك مسؤولية النقد الذي يؤثر السلامة، فتحجب الشجرة أمامه الغابة.
من قرأوا «نقد الفكر الديني» أو سمعوا به أضعاف من استوقفهم كتابه عن الحب العذري، رغم أن ما قدمه في هذا الكتاب حرر ظاهرة الحب العذري من الطهرانية والإسقاطات وتحويل الحرمان إلى مطلب بماسوشية ساهم في إنتاجها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهذا ما قدمه في السياق ذاته طاهر لبيب في كتابه عن الحب العذري.
أخيرا، بل أولا لا يوجد مثقف جدير بهذه الصفة يبحث عن بوليصة تأمين اجتماعية أو سياسية قبل المباشرة في تقديم رؤاه وصادق العظم اقترب من خطوط حمر وتخطى بعضها ودفع ثمن ما يراه الداجنون مجازفة غير مأمونة العاقبة.

(خيري منصور)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة