فن تشكيلي

«وجوه» ريما سلمون.. الحرب الذاتية

محمد شرف

أطلقت ريما سلمون على معرضها، المقام لدى غاليري «تجليات»، تسمية «وجوه». التسمية تنطبق، ومن دون مواربة، على محتويات المعرض، التي تدور موضوعاتها في شكل كلّي على تيمة البورتريه، علماً أن الأعمال المعروضة لا تمثّل أشخاصاً في عينهم، ما يجعل كلمة البورتريه، التي أوردناها، غير صالحة في هذا الموقع، وخصوصاً أن الفنانة لم تتعمّد تسمية تلك الوجوه، على ما نعتقد، إيغالاً في منح تلك الأعمال معانيَ تتعدّى المفهوم العام للكلمة. ريما سلمون، السورية المولد والمنشأ، كان عليها أن تعيش حقبة شائكة من تاريخ بلدها بدأت منذ سنوات عدة، وما زالت تتفاعل مجرياتها حتى هذه اللحظة. ولكن، شأنها شأن فنانين سوريين آخرين كنا رأينا نتاجهم في العاصمة اللبنانية، لم تعمد إلى تصوير الأزمة المستفحلة في شكلها المباشر، بحسب الأسلوب الذي عهدناه في تيارات واقعية خلال القرن المنصرم. أيقن الفنانون السوريون، ونخصّهم بالذكر هنا نظراً لوضع سورية الاستثنائي، إذ لا ينطبق الأمر عليهم حصراً، أن تصوير الحدث الدرامي يخضع، في وقتنا الحاضر، لقرار ذاتي يحدد الصانع من خلاله كيفية تعامله مع موضوعاته. وإذ نخمّن أن ريما سلمون كانت تأثّرت، بشكل أو بآخر، بالوضع المذكور، فإن «وجوهها» تحمل ذاك الهم المتعدد الجوانب والصفات، الذي يُخيّل إلينا أنه ذو طابع شمولي لديها، أكثر من التصاقه بهذا المكان أو ذاك، وبهذا الظرف دون سواه.
لذا، فإن «التغيير الحاصل في شكل الزمان والمكان»، على ما تقول سلمون في كلمتها الواردة في كاتالوغ المعرض، وهو التغيير المرتبط بالإنسان وبالإنسانية في شكل شمولي، هو الذي أملى على الفنانة كيفية التعامل مع أدواتها. وإذ استبدلت سلمون الفرشاة الملوّنة بفرشاة أقرب إلى الأسلوب المونوكرومي، فإن هذه الفرشاة كانت لعبت دوراً تمهيدياً حيناً، من أجل تحديد وزن المساحة الملوّنة، أو أدّت وظيفة مكمّلة طوراّ، من أجل إقامة التوازن بين الحجم والفراغ. لجأت الفنانة إلى الحبر، المستعمل عادة من أجل الكتابة، كبديل للون، مع ما يمكن أن تحمله هذه المادة من إمكانات إنسيابية نظراً لطبيعتها السائلة. لكن العامل الأكثر تأثيراً، على ما لاحظنا، يتمثّل في الأهمية التي أولتها سلمون للخط، الذي جاء كي يضفي على الموضوع صفته التعبيرية، وإذا شئنا توخّي الدقة لقلنا من أجل تكريس هذه الصفة القائمة أصلاً، والتي تقع في صلب الأعمال المعروضة، مع ما يعنيه هذا الحكم من نسب هذه الأعمال إلى التعبيرية كتيّار فني كان له في التاريخ الفني التشكيلي مكانة واضحة ومتراوحة في ثقلها وتأثيراتها، تبعاً للفترات الزمنية المتعاقبة.
هذا التعبير، المتجسّد في الوجوه المعروضة، كان ارتكز أساساً على معرفة بأصول الرسم وحيثياته، أما التحوير الحاصل في شكل الوجه الإنساني فيعتبر أمراً طبيعياً قياساً إلى التيّار المذكور، ومن بديهياته المعروفة، علماً أن عملية الإبداع الفني، هنا، لا تتم خارج نطاق الحقيقة الحية، أو بعيداً منها، ومن دون ارتباط بواقع اجتماعي، كما هي الحال لدى سلمون. هكذا، واستناداً إلى التحوير المذكور، فإن الرصد الدقيق للحالة الإنسانية، ومحاولة عكسها في تفاصيل الوجه، لن يؤدي بالضرورة إلى أحكام أو استنتاجات واضحة، ما يفترض اللجوء أحياناً إلى التأويل. لكن الانطباع الصادر عن الوجوه، في مجملها، لا يشير إلى حالات استقرار أو استرخاء، أو ثبات سيكولوجي، وهو ما كانت أشارت إليه سلمون في كلمتها حول التغيير الحاصل في الزمان والمكان، الذي نستبعد أن تسير وجهته صوب تحسّن إيجابي يطاول حالات إنسانية معينة، كالشعور بـ «فرح» عارم أو سعادة أو هناء، مع الأخذ في الاعتبار أن «كل الاحتمالات واردة»، أكان في الواقع الموضوعي أم لدى الفنانة، إذ نعيش جميعاً في عالم من المتغيرات والمتناقضات.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة