مسرح موسيقى

الأنثى نواة الفن و..«بلاد العرب أوطاني»

ربما لا مهرب لك من قضاء عطلة نهاية الأسبوع، إلا في رحاب المعرض. تحاول أن تخترع لك أشياء كثيرة لتلهيك عنه، وأن تقضي هذين اليومين في انشغالات أخرى، إلا أنك ـ في النهاية ـ تجد نفسك متجها إلى قاعاته لتلتقي أصدقاء ولتبحث عن عنوان ربما أفلت من تحت ناظريك خلال العام المنصرم. المعرض في النهاية، ربما، هو هذه الاحتفالية التي لا تزال بإمكانها أن تدعوك إلى ولائم متعددة، وفق ما تشتهي ووفق ما ترغب. هو أيضا نوع من حنين، قد تجده فجأة ويشدك إليه مجددا.
من أنواع هذا الحنين، أن تستعيد في ذاكرتك الكثير من أغاني الماضي التي بقيت حاضرة على مرّ السنين الطويلة، وكأنها كتبت الآن، إذ تبدو أكثر راهنية ـ وأجمل بالطبع ـ من أغاني وأناشيد عديدة، جديدة، تفتك بروحك وعقلك. هذا الحنين استعاده «كورال» مؤلف من ثلاثين طالبا وطالبة من تلامذة «جمعية المقاصد الخيرية ومن ثانوية خالد بن الوليد بقيادة مدربهم طارق قاطرجي ليأخذوننا برحلة متنوعة، بدءا من استعادة الأخوين فيلفل «بلاد العرب أوطاني»، مرورا بزكي ناصيف والأخوين رحباني وفيروز وصولا إلى أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش.
ثمة لحظة تقف في الزمن وأنت تستمع إلى هؤلاء اليافعين، لحظة تبدو مساحتها «تفوق مساحة العالم» فيما لو استعدنا كلام الفنانة أسيمة درويش التي قدمت الحفل.

الأنثى والفن
وعلى الطرف الآخر من الحنين، أطلت الأنثى باعتبارها «نواة الفن الأولى»، هذا ما يقترحه الباحث علي العلي في كتابه الذي يحمل العنوان عينه، حيث أقيمت ندوة لمناقشته (نظمتها دار سائر المشرق) وضمت الهام كلاب البساط والياس ديب وقدمها أنطوان سعد الذي اعتبر أن الكتاب «لوحة فنية بحدّ ذاته ولوحة فلسفية».
الكتاب بحث فلسفي معمّق عن جسد الأنثى كرمز وموضوع فني. «وبأسلوب علمي منهجي، يعرّفنا الكاتب ـ عبره ـ على تطوّر النظرة إلى المرأة في المجتمعات وفي الأعمال التشكيلية، فيتناول المرأة في الإطار الميوتولوجي وفي الفكر الفلسفي من أفلاطون إلى أرسطو، وروسو، وجون ستيوارت ميل، إلى ابن عربي… وغيرهم، ليتناول بعدها المرأة في الفنون القديمة وفي الأعمال التشكيلية الحديثة، ويختم كتابه بـ «رحلة الأنوثة تشكيلياً في لبنان».
لم تراوغ الهام كلاب البساط في كلمتها، إذ أعلنت في بداية كلمتها إلى أنها «منحازة الى هذا الكتاب وإلى عنوانه: (الانثى نواة الفن الأولى)، قدر انحيازي الى المرأة، والى رموز الأنوثة والخصوبة، المنجدلة وثيقا بتاريخ الفن والمخصبة له.. منذ بدايات التاريخ حتى اليوم. وقاربت المُحاضرة في كلمتها «تمثلات الجسد الأنثوي في الابداع الفني» وطريقة المؤلف في حديثه عن «الخشية التاريخية في العالم العربي وبؤس النظرات والتباسها التي تحتل هذه الصورة الى الركن القصي الخفي من الابداع الإنساني المتنوع… وليست الصورة فقط بل هو الجسد الانثوي في كل تجلياته الإنسانية الصادقة… موقع للخطيئة أو موقع للخلاص.
من جهته أشار الفنان الياس ديب في مداخلته إلى اعتبار المؤلف أن الأنثى «نواة هي فكرة خلاقة تقودنا الى الأنثى الحياة والتي بها تستقيم الحياة… الأنثى هي النواة والنواة عندما تخصب تنتج وتعطي، لذا فنحن أبناء الخصوبة، هذا من جهة أما من جهة أخرى، فانه يقدم صورة الأنثى في الفنون والآداب وفي المجتمع بالمعنى الفكري وليس بمعناه المادي، فهو يدرس الأنثى وتحولاتها وتشكلها في كلّ مراحل حياتها».

فاجعة حب
استعادة أخرى شهدتها عطلة نهاية الأسبوع في معرض الكتاب: قصة الزعيم أنطون سعادة «فاجعة حب» عبر الكتاب الصادر حديثا لريما داغر أبي خير «فاجعة حب لأنطون سعادة»، إذ دار حوله ندوة نظمتها «دار التراث الأدبي»، اشترك فيها كل من الوزير الأسبق بشارة مرهج وربيعة ابي فاضل ونبيل الملاح، والمؤلفة وقد رافقهم عزفا وغناء الفنان مارسيل نصر، وقدمتها خلود الدمشقي كلشكو، التي رأت أن سعادة لم يكتب «فاجعة حب» ليشارك في استعراض فكري أو لغوي أو لتنظير سياسي أو اجتماعي فهو لم يكن قاضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة بل كان صاحب نظرة في الحياة والكون والفن». أما مرهج فاعتبر أن مراجعة المؤلفة لكتاب «فاجعة حب» فريدة من نوعها، غنية بمحتواها، واضحة في مراميها، ويمكن اعتبارها عملاً أدبياً رائداً اعتمد مقاربة نقدية معاصرة في الكشف عن مضمون كتاب مهم لم يأخذ حقه من الاهتمام سابقاً… وبصرف النظر عن السردية الإنسيابية التي أتسمت بها الرواية والحبكة القصصية المشوقة التي توجتها والخاتمة الواقعية التي آلت إليها، إلا أن موضوع الرواية الأول يبقى برأي أبي خير هو الكاتب نفسه ـ سعادة ـ الذي كتب ليبث أفكاره الاجتماعية والسياسية، ويقدم رؤيته النهضوية. بدوره اعتبر أبي فاضل أنه لم يكن مستغرباً أن يختار أنطون سعادة بطله سليماً، في قصة «فاجعة حب» عام 1931، شخصية تعشق الموسيقى، وتنتحلها طريقاً الى رقي ذاتي، وإنساني كوني، فقد قرأ، وهو المثقف المتنور، هيغل ونيتشه وآخرين، وأدرك كيف رأى هيغل جوهر الموسيقى في مدى احتضان الأصوات، وتنوعها الخلّاق، مشاعر حرّة، وأفكاراً حقّة بنّاءة.
ومن ناحيتها اعتبرت داغر أن لأنطون سعادة في كتابه علاقة بالجذور والأعماق، بالحب والعلاقات الانسانية. واذا كانت القصة في بعض معانيها، مرآة الواقع، فهي في معان أخرى، تشدنا الى أسرار النفس والكون والوجود. كتبها سعادة عام 1931، في وقت لم يكن الفن القصصي قد تطور بعد… يبدو سعادة سابق لأوانه بعقد من السنين في تمكّنه من القبض على التقنية القصصية الحديثة، وفي نضج فكره واستقلاليته واجتهاده الذاتي في تصوير حياتنا الشعبية واستخراج دروس قومية واجتماعية منها، فظهرت شخصياته طبيعية، واقعية، لا تكلف فيها ولا خيال. وقد شهدت الندوة القاء الملاح لقصيدة شعرية نظّمها باسم «فاجعة حب».

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة