متابعات ثقافية و فنية

تنهيدة المدينة ذات الألف ابتسامة

مي فاروق
على خشبةٍ صغيرةٍ بدت رؤوسهم منحنية، يضمون أجسادا على هيئة آلالات، أياديهم ترتعد مع كل لحنٍ، موسيقى فوق تقاطعات الزمن، حزنٌ شفيفٌ يملأ هذا الفضاء المفتوح. تتقدم بثوبها الذهبي لتقف وسط المسرح، تنظر للسماء البنفسجية، في حالة من الوجد ترتسم على وجهها ابتسامة ناعمة، تهيم بالغناء، لم يكن صوتها وحده من يروي حنين القلب، كانت أصابعها مرةً ترتفع وتنحدر، ومرةً تنصهر وتتجمد، وفي النهاية تخفض رأسها معلنةً انتهاء أغنيتها، تضاء الأنوار فإذا بدموع الجماهير تفيض رغم ابتسامات الرضا على وجوههن.

هكذا كانت (dulce pontes) المغنية البرتغالية وهي تغني أغنية البحر، صوتها الذي احتضن الجمال كله، كان مفتوحا على فضاء تلك المدينة التي لم تخلع ماضيها يوما.

كانت تلك المدينة (لشبونة) وكانت تلك موسيقى (ألفادو) موسيقى الألحان الحزينة التي تحكي المعاناة وحكايات البحر، والفقر، أغاني القدر، والطبقات المهمشة، مزيج من ألحان الزنوج الأفارقة بتأثير عربي أندلسي كبير.

لا أدري لماذا تذكرت هذه الأغنية بعدما تابعنا كيف انفتحت العلاقات بين البرتغال ومصر، بعد انقطاع دام أكثر من عشرين عاما، عندما زار مبارك (لشبونة) للتشاور في عملية السلام ١٩٩٢، تلتها زيارته ٢٠٠٧ للمشاركة في قمة أفريقيا وأوروبا لدعم العلاقات الدبلوماسية والسياسية.

وها هي تتجدد العلاقات مرة أخرى بعد الزيارة الرسمية للرئيس المصري (عبدالفتاح السيسي) لتأصيل العلاقات بين مصر والبرتغال، خاصة أنها تعد الأولى بعد تنصيب الرئيس البرتغالي الجديد (مارسيليو ريبيل ذي سوزا)، أم أن لجنسية الأمين العام للأمم المتحدة الجديد البرتغالي والذي خلف بان كي مون، سببا لتلك الزيارة لتعزيز موقف مصر في الأمم المتحدة؟

ثم هل هناك علاقة ما بين زيارة السيسي للبرتغال وأن يعقبها زيارة (لغينيا الإستوائية)، لحضور القمة العربية الافريقية، خاصة وأن مصر بوابة للصادرات البرتغالية للدول الافريقية عقب إطلاق منظمة التجارة الحرة للتكتلات الافريقية (الكوميسا والسادك وتجمع شرق افريقيا) وهي مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي وشرق افريقيا، والذي يعد مشروعا تجاريا بين ٢٦ دولة أفريقية تسمح بانتقال التجارة دون إجراءات جمركية معقدة متزامنا بذلك مع قناة السويس الجديدة والتي ستمثل قيمة مضافة لتلك المنطقة.

كل هذه الخلفيات السياسية والتي أعجز أحيانا عن تفسيرها أجدني أتجاوزها لمساحة أكثر رحابة وصدقا ووضوحا، وهي التاريخ، لهذا رأيت أن نعيد قراءته مرة أخرى.

علينا أن نستدعي ما تبقى من الأزمنة الغابرة، نعم البرتغال حاضنة لآثار الحضارة العربية والاسلامية في الأندلس، فما بين لشبونة القديمة، وحي الفايما الفقير، ومن بين ثنايا الأزقة الضيقة، ومع كل لفحة ريحٍ هبت من المحيط الأطلسي، ورقة المياه المنسابة من نهر تاجة، وما بين المئات العاطلين الباحثين عن كنز غارق في الطين، وهو المحار الذي يبيعونه بطريقة غير شرعية لتأمين لقمة العيش تأتي البرتغال أصالة الحضارة العتيقة وحداثة أوروبا.

كيف استطاعت البرتغال الصمود ومواصلة المسير والمقاومة بنضال فني عظيم ضد النظام الفاشي (سالازار) الذي حكمها لمدة نصف قرن، محاولا التهكم مما وصفه بالآفات الثلاثة (أسطورة فاطيما القرية ذات الأسرار السماوية، كرة القدم، موسيقى الفادو)؟

الأمر الذي يجعلني أسأل ما سر هذا الصمت النبيل المهذب؟ وما سر ذاك الحزن المتغلغل في الروح؟ حتى ثوراتهم التي أطاحت بحكم الطغاة الفاشيين ١٩٧٤ كانت سلمية، حيث غرس الشعب زهور القرنفل في فوهات بنادق الجنود حتى عُرفت بثورة القرنفل.

وبرغم أنها فقدت المركزية الكونية التي انتعشت في عصر الاكتشافات الجغرافية خلال القرنين ١٥، ١٦ وإخضاعها لمناطق شاسعة من العالم في آسيا وافريقيا وأميركا، ذاك الماضي الإمبراطوري العظيم للتاج الذي كانت سيطرته تجارية وليست عسكرية مستمدة من روح الاستكشاف لديهم الأمر الذي جعلهم يستولون على سبته شمال المغرب، وبدأوا التجارة مع البحر المتوسط وبحر الشمال، كما بدأوا البحث عن التوابل والذهب في غينيا الاستوائية غرب افريقيا وخاصة سلعة التوابل.

رغم هذا الماضي الإمبراطوري البائد الا ان محاولاتهم مستمرة وإصرارهم ما زال حيّا وبنفس الطابع الهاديء وطموحهم مازال متمثلا بالنشاطات التجارية، وحركتهم يمكن وصفها بحركة الاعتصام بالهوية. هذا ما يجب علينا استيعابه من دروس. فلخاصرة القارة العجوز الغربية (البرتغال) خواصٌ فريدة، وإصرار شديد، فهي حقا أرض الحواس الخمس ذات ألف ابتسامة رغم الشجن المتغلغل في الروح.

هكذا أردت الإشادة بترانيم الفادو البرتغالي، وقصة النضال الفني والإنساني لشعب اختار هويته سبيلا للكفاح.

في البرتغال

في كازا دي ماتيوس

لا حاجةَ إلى ذاكرةٍ تعود بكَ

سيلهيك الليل والمطرُ والنهر والأصدقاء

لن تفكرَ في الحرب القديمة

فقط ستفكر الآن في الشعر

في قصيدتك

في الكلمات التي لم تستعمل من قبل.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق