متابعات ثقافية و فنية

«صديقتي المذهلة».. الفقر والعبقرية

عباس بيضون

هذه الرواية «صديقتي المذهلة» لأيلينا فيرانتي الصادرة عن دار الآداب ترجمة معاوية عبد المجيد قد تكون مدينة تتمثل في مدرسة. الطلاب هم أبناء أهل الحي بما امتاز به هؤلاء أو عاشوه. أن يتمثل في حي مدرسة. في الرواية الصادرة عن دار الجمل يبدو هذا ممكناً. المدرسة لا تشمل الحي الفقير بأهله وكهنهم وعائلاتهم فقط ولكنها تضيء على مجتمع كامل. قصة هذه المدرسة هي قصة مجتمع قد يتعدّى الحي إلى مناطق في إيطاليا. مع ذلك تبقى الرواية سيرة مدرسة بمعلميها ونظارها وطلابها وصفوفها ومناهجها. يحدث ذلك من دون أي تعنت أو جهد. يخرج المجتمع من المدرسة بسلاسة وطواعية فلا نشعر بأن الروائية تعسفت في ذلك أو اصطنعته. المدرسة تحوي أبناء الشغيلة والمعوزين الذين بلغ بهم الفقر إلى حد أنهم لا يعرفون محيط المدينة ومعالمها. إنهم محابيس حيّهم قلّما يخرجون منه. أما زمان الرواية فهو في الأغلب ليس اليوم. إنه الزمن الذي لا تسود فيه السلطة الأبوية وحدها، بل تضاف إليها سلطة الأخوة الذكورية. أي أنه الزمن البطريركي الذي يعود في إيطاليا إلى نصف قرن على الأقل.
الرواية هي كما قلنا قصة مدرسة وقصة حي وقصة مجتمع. هذه الحيزات الثلاثة تتداخل بل تتطابق، لكنها أيضاً فرصتنا لنرى نحن المشرقيين أنــــنا نعيش اليوم في زمن ليس بعيداً جداً وأن الغرب مر فيه من عهــــد ليس ببعــــيد، فهناك أيضاً كان الأب سيداً مطلقاً وكانت التقاليد تسمح للأخ الذكر بأن يشــتم أخته بل ويؤدّبها بيده إذا خرج عن طوره. ثم أن نفوذ المعلم ونفوذ الكــــاهن كانا ما يزالان سائدين. كنا حينذاك في زمـــن الفاشــية التي يومــــذاك كانت بدأت تبسط قوتها وتجتذب المجتمع إليها.
رغم ذلك لا نستطيع القول إن الرواية تاريخية أو سياسية. الرواية لا تتوقف قليلاً أو كثيراً عند صعود الفاشية من لاحظوا ذلك وربما أيّدوه هم الصاعدون طبقياً في الحي: اللحام والمقاول. الآخرون فاتهم ما يحدث، لم يفهموا الكلمة. كل هذا يبدو من هوامش الرواية، فالرواية قلّما تعرض له، إنه يبدو وكأنه يدور خارجها أنه معرفة تتفشّى في الخارج وتكاد تصل إلى العارفين في الحي. هناك شيوعي في الحي والده قتل الدون انجيل غني الحــــي، لكننا قلــــّما نشــهد صراعاً حوله. لا تزال السياسة بعيدة وإن كانت تتسلّل إلى الحي.
موضوع الرواية الأساسي في «صديقتي المذهلة» هو ما يحمله العنوان. صداقة حتى الافتنان بين الراوية وليلا، زميلتان في المدرسة، ليلا التي تملك عقلاً نفاذاً أو قدرة فائقة على الاستيعاب هي التي تفتن الراوية بحيث تغدو ضيافتها قضيتها. إنها تتساءل إذا كانت تستطيع أن تعيش بدون هذه الصداقة، تجرب ذاك ولا تنجح. تبتعد وتتجنّب لكنها تعود إليها، كذلك هي ليلا لا تجد أمامها سوى صديقتها تلك متى احتاجت صديقاً. ليست صداقة جوفاء على كل حال. إنها صداقة حول العلم يوم كانت ليلا في المدرسة ثم حول المعرفة عندما صارت ليلا خارج المدرسة ودخلت صديقتها في التكميلية فالثانوية. يبدو بين الصديقتين خيط سري. ليلا تركت المدرسة وانشغلت بأعمال البيت ومهنة العائلة الاسكافية بل تحاول وأخيها تجديد هذه المهنة والاختراع فيها. مع ذلك بقيت ليلا تتابع عن طريق القراءة من المكتبة ما تدرسه صديقتها بل وتسبقها إليه وحين تلتقيان تبدأ بتعليمها إياه. ليست الراوية وحدها المفتتنة بصديقتها «المذهل» الصديقة أيضاً وعلى طريقتها تتبع شؤون صديقتها وتسبقها إليها. بين الصديقتين سباق خفي. كل مرتبطة بالأخرى. لكن الراوية هي التي تتكلم بينما ليلا تكبر وتشتد وتزداد جمالاً. وهذا بحد ذاته موضع سباق خفي. ليلا العبقرية التي تتعلم وحدها الاغريقية واللاتينية تصبح أيضاً جميلة الحي. هكذا ينتقل السباق إلى مجال آخر. ثريّا الحي يتقدمان إليها لكنها تختار من بينهما الجاد والمهذب والذي يتعهّد مشروعها للأحذية. لقد وظفت ذكاءها وجمالها الفائقان في استثمار اقتصادي بينما تستمر صديقتها الأقل ذكاء وجمالاً. الأقل إذهالاً من غير حماس في مشروع آخر هو المثابرة للعملية من دون ليلا لا طعم للدراسة. مع ذلك فإن الصديقة المذهلة التي تعلمت الاغريقية واليونانية على نفسها، الجسورة التي تهدد الابن الثري بسكينها، لا تسمح لها حياتها في الحي بأن تطمح أكثر، فقط لحام الحي هو من يلبي طموحها بعد ذلك تترك الاغريقية واللاتينية، في الرواية التي هي تدور حول بساطة الحياة الفقيرة في الحي تغدو من، محل خفيّ خفيّ، أقرب إلى مأساة. الفقر مقتل العبقرية والصديقتان، كل من ناحيتها، تنتهي إلى جنبه معكوسة. الحياة هنا لا تسعف العبقرية.
عباس بيضون

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق