متابعات ثقافية و فنية

مراجعة للعلاقة بين الراوي والمروي له والقارئ

حسن سرحان

يتفق منظرو السرد، من كلاسيكيين وبنيويين إلى شعريين وسيميائيين، على أن السارد لا يروي الحكاية لنفسه إذ لا معنى خلف هذا الفعل العبثي المطلق الذي سيضع، لو تمّ فعلا، جوهرَ الحكاية موضع التساؤل، لأنّ الحكاية بالأسـاس «موقفٌ اتصالي» بامتياز وفق المعنى الذي أراده ياكوبسون من هذا المصطلح الأخير.
يمثل الحكي في هذا «الموقف» الرسالةَ المشفرة التي يريد مرسِلٌ ما إيصالها عن طريق قناة خاصة ،إلى مرسَل إليه معيّن أو غير معين، بقصد «التأثير» عليه. سرديا، يعني هذا الكلام، من جهة، أن السارد/المرسِل ليس بحاجة لأن يسرد لنفسه معلومات هو يعرفها أصلا. كما يعني من جهة أخرى، أن السارد لا يستطيع، في أي حال من الأحوال، أن يستغني عن المسرود له/المرسَل إليه الاّ إذا كان يريد لحكايته أن تكون بلا «أثر»، وهو أمرٌ مستبعد لمخالفته الصريحة لسبب وجود الرسالة/النص. يستحيل، إذن، تصورُ ساردٍ بلا مسرود له يستمع إليه ويتلقى منه حكايته أو مجموع حكاياته ويضمن له إنجاح عملية التواصل. بيد أن هذا الإقرار لا يحل المشكلة لأنه يفضي إلى أسئلة أخرى أكثر تعقيدا من قبيل: من هو المسرود له في حالة «الموقف السردي»؟ وأين يتموضع؟ خارج النص أم داخله؟ إن قلنا بتواجده داخل النص، وجَبَ علينا، حينئذ، تحديد العلامات النصية التي تشير إليه وتؤكد حضوره وتسهل التعرف عليه، وهو أمر ممكنٌ على العموم وإنْ لم يكن يسير المنال بالمطلق. أما إذا ذهبنا إلى افتراض أن المروي له حاضرٌ خارج النص الروائي وإنه ليس سوى القارئ الحقيقي، فستكون مهمتنا أصعب من سابقتها.
تكمن الصعوبة في هذه الحالة، بلزوم توفير الإجابة الدقيقة المقنعة للسؤالين التاليين: في حالة فرض أن المروي له هو القارئ الخارجي نفسه، فكيف يمكن للسارد، بصفته كائنا تخييليا ينتمي إلى عالم مفترَض لا كينونة حقيقية له، أن يتوجه بخطابه السردي إلى القارئ الموجود خارج النص الذي يعيش في عالم واقعي قابل للاختبار وله قوانينه التي تختلف، بدرجة أو بدرجات، عن قوانين العالم التخييلي؟ ألا يتجاوز السارد، إن صحتْ فرضيةُ توجهه بالخطاب بشكل مباشر إلى القارئ خارج النص، حدودَ عالمه وطبيعةَ «جنسه» فيخرق بذلك، ميثاق القراءة الذي توقِّعه الروايةُ ضمنا مع قارئها والذي بحسبه تقدم هذه الأخيرة نفسَها على أنها عملٌ عماده الخيال المحض وأساسه الكذب الصريح وحدوده لا تتجاوز النص الذي يستوعبه ويحويه؟
واضح من هذه المقدمة أن التحديد الدقيق لمفهوم المروي له لا بد أن يمر أولا عبر تقييد وحصر دلالات وأبعاد مفهوم السارد، لأنّ ما سيسري على الثاني سيصح بالضرورة سريانُه على الأوّل. السبب في ذلك أن المروي له لا يمكن له، في مطلق الأحوال، أن يخرج عن طبيعة السارد «التكوينية» لأنه غير مستقل عنه من هذه الناحية تحديدا، فالاثنان ينبثقان من عالم مرجعي واحد ويشكلان ثنائية علائقية شديدة التماسك يستحيل بدونها تصور وجود أحدهما دون الآخر. مع ذلك فإن اعتماد أحدهما على الآخر لا يمنع من كونهما كيانين متمايزين تماما. إذا توافقنا، ولو لغرض النقاش، على مفهوم السارد وطبيعة علاقته بالمسرود له، سيصبح ممكنا تحديد مدى ارتباط هذا الأخير بالقارئ الخارجي.
السارد في الرواية عبارة عن «وجود» تخييلي تتضافر الكلماتُ وتتآزر العلاماتُ على نسجه وإعطائه «صورة» ما. يجب التشديد على أن هذه الصورة خاصة بالعمل الأدبي وحده ولا وجود لها خارج النص، لذا لا ينبغي الخلطُ بينها وبين صورة المؤلف ذي الكينونة المادية التاريخية الحقيقية. للسارد أن يكون شخصية مصنوعة وفق مقاسات الشخصية المرجعية مثلما له أن يكون غير ذلك: كيانا مجردا أو شخصية بمواصفات «بشرية» تبتعد قليلا أو كثيرا عن معايير عالمنا أو حيوانا أو جمادا أو أي شيء آخر يقبل به ويقرّه المنطقُ الداخلي للعمل الأدبي.
بطبيعة الحال، ليس منوطا بالأدب الخضوع الكامل لمنطق العالم الواقعي طالما أنّا قبلنا باستقلال العالميْن وبإمكانية جريان الأحداث ونمو الشخصيات بطريقة مختلفة في كليهما. يأخذ السارد على عاتقه، بشكل رئيس، مهمة تمرير الإرساليات السردية داخل الكون الروائي، وفق شيفرات ومرموزات تحددها قوانينُ ذلك العالم المفترَض التي تختلف وتتعارض أكثر مما تتطابق وتتماثل مع قوانين عالمنا بسبب اختلاف الطبيعة البنيوية لكلا العالمين. يستحيل على السارد، وفق هذا الإقرار، مخاطبة القارئ مباشرة لأنه إن فعل سيتخطى حدودَ عالمه وينتهك ميثاقَ «وجوده» ويتجاوز على طبيعة «خلقه» التخييلية اللغوية البحتة. لا تكفي الكلمات، وإنْ توافرت على مقدرة عظيمة تتيح لها، غالبا، تحويل اللفظ المجرد إلى صورة ذهنية، أقول ليس بمستطاع الكلمات وحدها تغيير «حقيقة» السارد. في نهاية الأمر، ليس هذا الأخير سوى مجموعة علامات وإشارات لغوية محضة من المحال أن تكتسب وجودا حقيقيا إلا إذا اختار القارئ الخارجي التواطؤ مع تلك العلامات ورفض التخلي عن عادات القراءة الكلاسيكية والتنازل عن مبدأ «الإيهام بالواقع» الذي يحاول سحبه إليه مؤلفُ النص الروائي. إن لم يكن السارد غير خيال صرف ووجود موهوم، أصبح لزاما عليه، والحال هذه، أن يتوجه بخطابه السردي إلى كيان من «جنسه» نفسه، أي متخيّل ونصي وبلا إحالات تتعدى حدود الخطاب المكتوب أو قلْ مطلق الخطاب على رأي جيرالد برنس.
وفق هذا الفهم الذي يستحيل بموجبه أن يكون السارد صنوَ المؤلف أو وكيله أو صورته المتضاعفة داخل العمل الأدبي، سيمتنع على المتلقي النصي، ما دام يشارك السارد القبولَ بشروط العالم التخييلي نفسها، أن يصبح عديلا موضوعيا مساويا من حيث البناء والدلالة للقارئ الخارجي الحقيقي صاحب الوجود المادي الصريح. أليس في الموافقة على هذا الاختلاف الواضح بين المسرود له والقارئ ما يرفع عنا، متلقين عاديين ونقادا، الحرجَ من قبول ظواهر سردية إن طبقنا عليها قوانين عالمنا لما وجدنا سبيلا لغير رفضها وعدم التفاعل معها كونها تتعارض مع بديهيات وجودنا؟ ألا تحمل هذه الظواهر السردية دليلا ساندا يعزز قناعة القارئ بأن ما يروى في الحكاية من أحداث غير موجه له أصلا، بل يستهدف المسرود له النصي الذي يمتلك لوحده، وفق ما يفرضه عليه الديالكتيك الداخلي للعمل الذي يحوي وجوده، الحق في تصديق أو عدم تصديق ما يستلم من حكايات السارد؟ لتوضيح هذه الفكرة أكثر، نضرب أمثلة تُري القارئ بجلاء انه غير معني البتة بتقرير إمكانية وقوع حدث روائي من عدمها طالما أنه ليس المقصود الأول بخطاب الحكاية. في رواية «اسمي أحمر» لأورهان باموق، يقبل المسرود له الاستماع لراوٍ ميت يقص عليه حكايةَ موته بعد وقوعها. الشيء نفسه يحدث في قصة «رجل كثير الأسفار» للقاص العراقي لؤي حمزة عباس، حيث يعيد الساردُ قصَّ حكاية مقتله على المروي له النصي. يتكرر الإنصات لسرد الموتى في رواية «امرأة بلا قبر» لآسيا جبار حيث يستمع المسرود له لصوت يأتيه من وراء القبر يقص عليه واقعة موته. بطبيعة الحال، يتعذر على القارئ الخارجي الانصياع لأمر كهذا في العالم الحقيقي لعلمه باستحالته وعدم إمكانية تحققه، في ظل شروط وعيه المادي الذي يعتقد، دون مجانبة الصواب كثيرا، أن الموتى لا يتكلمون. هناك أمثلة أخرى من هذا النوع أو قريبة منه في روايات يُسند سرد حكاياتها أو جزء منها إلى شخصيات يستحيل على بعضها الإتيان بمطلق السرد كالمغمى عليهم وفاقدي القدرة على النطق. يعمد روائيون آخرون (كالروائي العراقي محمد علوان في روايته «ذاكرة أرانجا» والروائي العراقي الآخر سلام عبود في روايته «زهرة الرازقي») إلى إناطة مهمة القص بشخصيات يصعب عليها، في الواقع، إنتاج سرد متماسك شكلا وموضوعا كالمصابين بالأمراض العقلية والمجانين والأميين أو الأطفال الصغار. هذه النماذج من الشخصيات وغيرها ممن لم نذكر لا تملك، في العادة، ما يؤهلها لسرد حكاية بلغة قصصية عالية قد تشتمل، أحيانا، على مضامين يتعسر فعلا، على من هم بوضعهم الإحاطة التامة بها والتعبير عنها، فضلا عن الانشغال بها أصلا. أليس في هذه الظواهر ما يدل على أن المقبول وغير المقبول في العمل السردي لا يحدده وعيُنا الخارجي الحر كقراء ونقاد بل يحدده مستوى «وعي» و»ادراك» المسرود له القابع داخل الكون السردي بصفته المعني الأول بتلقي الحكاية من السارد؟

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق