متابعات ثقافية و فنية

سماوات سعد القرش السبع

د. محمد فتحي فرج
حلق الكاتب الروائي سعد القرش في عدة سماوات معظمها عربية وبعضها أوروبية وبعضها الآخر آسيوية، ليخرج علينا بكتابه الرائع «سبع سماوات: رحلات في الجزائر والعراق والهند والمغرب وهولندا ومصر»، الصادر عن دار العين للنشر بالقاهرة، والحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة من المركز العربي للأدب الجغرافي.

وقد آثر مؤلف الكتاب أن يشركنا معه في هذه الأسفار من خلال لون جديد من أدب الرحلات ممزوجا بنكهة روائية وقصصية عالية الجودة، من ناحية تقنيات السرد التي انتهجها الكاتب، تتميز بالتلقائية والسلاسة والبكارة، بلا افتعال أو تصنُّع؛ وإنما طوّف بنا عبر هذه السماوات كطائر محلق في سماوات مفتوحة الآفاق بعين فاحصة مدققة، وعينُ الروائي «كاميرا» ذات حساسية مفرطة، تلتقط ما لا يستطيع الآخرون رؤيته.

وقد صاغ الرجل أفكاره، وعبّر عن مشاهداته في عبارات متدفقة سلسة تتسم بالصدق والحيوية، فانطلقت فصول الكتاب منسابة كنهر عذب يجرى بسهولة في مجراه الطبيعى الذي يعرفه جيدا، ولا ينبو عنه بحال، وتلك موهبة فذة لا تتوافر بهذا السخاء لكثير من الكتاب والمؤلفين.

ولا ننسى أن الرجل كاتب روائي، وصحفي لم يُعرف عنه يوما أن انضم إلى جماعات المهللين والمصفقين والمسبحين بحمد السلطة في أي وقت من الأوقات، فهو المثقف الذي يعرف دوره ومكانه على يسار السلطة، وهذا هو الدور الحقيقي للمثقف الجاد، المنحاز لبلده، فهو الباقي أبدا، والماثل دوما في مخيلته، حتى في كتبه الأخيرة ذات الصبغة السياسية، حينما كتب «الثورة الآن.. يوميات من ميدان التحرير»، و«أيام الفيسبوك.. مسائل واقعية في عالم افتراضي»، و«سنة أولى إخوان.. وقائع وشهادة على 369 يوما قبل اختفاء التنظيم»، حتى حينما سجل خواطره حول رحلاته ـ التي نعرض لها في هذا المقال ـ فقد كانت مصر ماثلة في وجدانه وملء فؤاده وبصره، الذي كان يوجهه لرؤية مزدوجة، فعين على مشاهداته على أرض هذه السماوات وعينه الأخرى على مصر؛ ليقارن بين ما عليه تلك البلاد التي زارها وما ينبغي أن تكون عليه محبوبته مصر، والقاهرة منها في القلب بوجه خاص.

ولا أدل على هذا من قوله في مفتتح كتابه تحت عنوان لافت للنظر: في السفر أبحث عن مصر التي أحلم بها. من حق أى إنسان أن يرى بلده الأجمل. لا أبالغ إن قلت إن مصر هي الأبهى. دائما أقول لأصدقائي ـ من غير المصريين ـ إن القاهرة، بصرف النظر عن أي اسم تحمله عبر العصور، خلقها الله على مَهَلٍ، في هذا المكان، ثم خلق مصر بحدودها التي لم تتغيَّر منذ عام 3100 ق. م، ثم خلق الدنيا.

ثم يقول: أقسو على مصر لأنني أغار عليها، وقسوة المحب واجبة دائما.. إذ إن أدب الرحلة ـ من وجهة نظره ـ هو فائض محبة؛ ولذا فإنه لم يضبط نفسه مضطرا لقول ما لا يريد.

تنبثق أهمية العنوان ـ في العمل الأدبي ـ بشكل خاص من كونه مُكوِّنا نصيا لا يقل أهمية عن المكونات النصية الأخرى، فالعنوان يشكل سلطة النص وواجهته الإعلامية.

وهذه السلطة تمارس على المتلقي إكراها أدبيا، كما أنه ـ أيْ العنوان ـ الجزء الدال من النص، وهذا ما يؤهله للكشف عن طبيعة النص والمساهمة في فك غموضه، وتعيين دلالة إظهار معناه، فالعنوان مرآة النسيج النصي، والدافع للقراءة، والشَّرَك الذي ينصبه الكاتب لاقتناص المتلقي؛ ومن ثمَّ فإن الأهمية التي يحظى بها العنوان نابعة من اعتباره مفتاحا في التعامل مع النص في بُعْدَيْه الدلالي والرمزي، بحيث لا يمكن لأيّ قارئ أن يلج عوالم النص، ويفكك بنياته التركيبية والدلالية، ويستكشف مدلولاته ومقاصده التداولية، دون امتلاك المفتاح الأول وهو: العنوان.

العنوان إذن هو الذي يضيء فضاء النص، ويساعد على استكشاف أغواره؛ ليكون بكل ذلك ضرورة كتابية تساعد على اقتحام عوالمه؛ لأن المتلقي يدخل إلى «العمل» من بوابة «العنوان» مُتأولا له، وموظِّفا خلفيته المعرفية في استنطاق دواله الفقيرة عددا، وقواعد تركيبه وسياقه، وكثيرا ما كانت دلالية العمل وفهمه هي ناتج تأويل عنوانه، أو يمكن اعتبارها كذلك دون إطلاق، كما يأخذ العنوان أهميته من كونه علامة كاملة تحمل دالا ومدلولا. (محمد الجزار: العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي. الهيئة المصرية للكتاب، 2006).

وقد استطاع سعد القرش أن يكثف في عنوان كتابه دلالات فنية ترتبط بشكل مباشر وأيضا غير مباشر بموضوع الكتاب، الذي يندرج أساسا تحت أدب الرحلات، رغم أنه يرقى إلى مرتبة السرد الفني الذي يضمر بين ثناياه فنون «الرواية» و«القصة» و«القصة القصيرة جدا» أيضا.

وإذا رحنا نحلل المدلول اللغوي لعنوان الكتاب من الناحية السيميوطيقية قلنا: على الرغم من قِصَر العنوان الرئيس المكون من كلمتين فحسب هما «سبع سماوات» إلا أنه عنوانٌ دالّ، قد كثف كثيرا من المعاني في كلمتين اثنتين لِما يريد الكاتب أن يبسط القول في ما يزيد على مائتين من الصفحات.

فأما الكلمة الأولى والتي تدل على عدد، وهي: «سبع»، فإنها قد لا تدل دلالة حسابية دقيقة عن عدد تلك الرحلات بقدر ما تدل على تعددها وتنوعها وكثرتها وهذا بعض ما يشير إليه هذا الرقم في العربية بل في معظم اللغات. هذا، فضلا عن أن لهذا الرقم دلالة خاصة سواء من الناحية اللغوية أو من ناحية «الحس الشعبي العام»، وحتى في الموروث الديني الذي يشير إلى السماوات السبع والأراضين السبع؛ ولهذه المكانة الخاصة في الحسّين الديني والشعبي كثيرا ما يُسْتَخدَم بدلا من الأرقام الأخرى.

ونظرا لفتنة وسحر هذا الرقم (7) فقد أطلقه روائي واعد ـ محمد صادق ـ عنوانا لروايته التي تحولت مؤخرا إلى فيلم سينمائي، والرواية والفيلم بالعنوان نفسه «هيبتا»، والذي يعني رقم سبعة باللغة اليونانية، وهو ويعني به هنا «مراحل الحب السبع» كما أوضح ذلك في روايته.

أما الدلالة التي تمثلها الكلمة الثانية، وهى: «سماوات»، والتي تعمد الكاتب اختيارها دون سواها ليتمثل نفسه طائرا فوق هذه السماوات؛ يرى ويتأمل بلدانها وحركة الحياة فيها بعين طائر مُحلق، لتصبح رؤيته رؤية شاملة مُستوعبة، رؤية بانورامية، أو لنقل: «رؤية بعين طائر» كما كان يفضل أن يدعوها مفكرنا الراحل الدكتور زكى نجيب محمود، ترجمة للمعنى الإنجليزي bird’s eye view؛ إذ كلما بَعُدَ أفق الرؤية استوعب الرائي المشهد بشكل عام، واستطاع أن يكوِّن رؤية شاملة لما يراه وتحتضنه عيناه.

• اطلاع يُثرى ولا يُذيب الهُويَّة

ويستطيع القارئ أن يدرك بسهولة سعة اطلاع الكاتب على كتابات ومؤلفات كثيرة متنوعة، استطاع أن يهضمها ويتمثلها جيدا؛ ليستدعيها في الوقت المناسب، لاسيما حينما يجد أنها تتقاطع مع أفكاره وملحوظاته، فتتداخل في بنية النص بطريقة ذكية لتثري العمل، ويستولد منها أفكارا جديدة، وربما ينتقدها أو يعلق عليها موضحا وجهة نظره بأسلوبه المتميز ولمحاته الذكية، وإضافاته الخاصة به. نلمح هذا حينما يستشهد بفقرة من كتاب الكواكبي الشهير «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ليعاتب الرجل فيما ذكره حول كيفية ظهور المستبد في شعب من الشعوب!

وعلى هذا فعبر النص نستطيع أن نعدِّد الكثير من أسماء الكتب والمؤلفين، وأسماء الأصدقاء من الشعراء، والكتاب، والأدباء، والسينمائيين، والفنانين التشكيليين، وحتى أسماء بعض المستشرقين الذين صادفهم المؤلف في رحلاته، وحرص على مناقشتهم والحوار معهم؛ لندرك جيدا أن الارتحال ليس فقط في المكان، ولكن أيضا هو تحليق في سماوات الفكر، عبر أزمان مختلفة، وأفكار متنوعة، وأشخاص مختلفين؛ ليثري كل هذا تجربة الإنسان في حياته، وفي رحلاته أيضا.

يتجاوز المؤلف القشور الخارجية ليلتبس بالروح الداخلي للإنسان والمكان، من خلال تجواله ورحلاته هذه، وكأني به يطل من «نافذة على أرواح». والنص ـ بعد هذا ـ نسيج متماسك مغزول بخيوط حريرية ناعمة.. مُوَشّى بمنمنمات رقيقة ودقيقة للغاية تصنعها دوائر ذات أحجام متباينة، متجاورة ومتماسَّة ومتقاطعة، تنطق كل صفحة فيه بحِرفية صاحبها العالية، ومهارته الإبداعية الفائقة، كما أن فيها من التدفق والتلقائية والبكارة التي حرص المؤلف على استبقائها بحالتها حتى إنه رفض إعادة كتابتها حينما قرر نشرها في كتاب كى تظل الرحلة هي الرحلة، ولا يصبح الكتاب بمثابة كتاب عن الرحلة!

وحينما يسبح بنا القرش في السماوات التي حلق فيها يسلط عينيه مثل كاميرا زوم حساسة جدا، قادرة على التقاط الأبعاد الروحية والنفسية قبل التقاط ملامحها المادية وأبعادها المكانية، بحيث ينقلك في قلب الأحداث زمانا ومكانا فتكاد ترى وتسمع وتشم وتعايش الأحداث من بين السطور التي تقفز عليها أو تقفز بك قفزا لتلاحق كل هذا الزخم والثراء من الأشخاص الذين التحم بهم، والأفكار التي تفاعل معها، والأحداث التي شارك فيها، أو شاهدها ووصفها، أو علق عليها، والأبعاد الإنسانية التي أبرزها وركز عليها بهذا الإحساس المفرط.

الرحلة هنا ليست ارتحالا مكانيا فحسب، وإنما هي أيضا سياحة إنسانية ونفسية وزمانية داخل النفس وخارجها على حدّ سواء، في تفاعل وتناغم وانسجام مع كل مفردات الحياة التي يعيشها الإنسان وتنغرس في تلافيف دماغه مُخلِّفة ذكريات حية نابضة لا تنمحي مع الزمن بل ترفد صاحبها بطاقة إيجابية هائلة تساعده على الاستمرار والتحدي، والقدرة على المواجهة التي تسعى حثيثا في أن تجعل الحياة في صورة أفضل وأبهى وأجمل.

• الرحلة بأسلوب روائي قصصي

تطغى على الإنسان طبيعته دون أن يدري، وهذا ما يسمى بالتصرف على السجيّة، وفي حالة الإبداع يعرف هذا بـ «الصدق الفني»؛ إذا لا يستطيع المرء إلا أن يكون نفسه في كل الأحوال. وهذا ما حدث «للقرش» حينما سجل مشاهداته وانطباعاته حول هذه الرحلات، فلم يستطع أن ينسلخ عن طبيعته الروائية القصصية. فالنسيج العام لهذا الكتاب يصنع منه رواية ذات مذاق خاص لا تختلف كثيرا في طبيعتها الفنية السردية عن الرواية بكل مقوماتها الفنية وأبعادها الدرامية الدامية أحيانا، ومواقفها الحميمية الدافئة في بعضها الآخر والتي قد تصل حد السخونة في بعض الأحيان.

ويُضَمِّن السرد العام لهذه الرحلات في ثناياه مجموعة غير قليلة من «القصص القصيرة جدا» من أروع ما يكون من هذا النوع الأدبى، وإليك على سبيل المثال واحدة منها في الجزء المُمَهِّد للرحلات، وليكن عنوانها «لا أصدق»، يقول الكاتب فيها: «أتأمل ذلك الطفل الذي كنته، وهو يقبض على عصا يقود بها الحمار، وتتيبس يده من شدة البرد، فينفخ فيها ليدفئها حتى يتمكن من القبض على الشقرف (المنجل) لحشِّ البرسيم للبهائم، ويؤخره شغل الغيط عن حضور طابور المدرسة.. كيف تعلم مصادفة، من دون أن يبالي به أحد، رغم حرص أمه، التي لا تقرأ، على أن يستمر في الدراسة. أتذكره في بداية المرحلة الثانوية، وكان الحضور إلى معرض القاهرة للكتاب حُلما يتحقق بجنيه واحد، وتأجل الحلم. أتأمل ذلك الطفل، وأنظر ورائي وأتنهد بعمق، كأننى عشت مئة عام، ولا أصدق أن ذلك الطفل الذي عاش حياة كالدراما، سيكون له عبر القارات أصدقاء من الأماكن والبشر» (ص 15).

• بعض الملحوظات حول الكتاب

صدر الكتاب في طبعة أنيقة، وورق جيد، وحرف مريح للعين. وقد أخرجت الغلاف الفنانة صابرين مهران التي زينت الغلاف الأمامي للكتاب بلوحة فنية تميزت بشفافيتها وألوانها المتناغمة المنسجمة، حتى إنها وإن بدأت العنوان بكلمة «سبع» باللون البرتقالي فقد حرصت أن تأتى كلمة «سماوات» باللون الأزرق، كما تميزت اللوحة المصاحبة بقدر كبير من التقنية الفنية التي نطقت مفرداتها بالشفافية وكأن الرائي لها لا يراها فحسب من خارجها ولكنه يستطيع أن ينفذ ويستقرئ ما بداخل عناصرها التكوينية. هذا، مع طابع عام يتجاوز المحلية ليعطي في روع المتأمل لهذه اللوحة أنها يمكن أن تجسد مجتمعات عديدة متباينة، وليس مجتمعا بذاته؛ مما يوقر في نفس القارئ طبيعة الكتاب الذي يرتحل فيه المؤلف، ويتنقل بين هذه المجتمعات المختلفة.

وعلى الرغم من هذا التميز شكلا وموضوعا، وصياغة أدبية راقية، إلا أني وجدت بعض الملحوظات والأخطاء المطبعية القليلة التي لا تغض من قيمة الكتاب، ويستطيع القارئ أن يستدركها بسهولة، ولكني أشير إليها الآن لتأكدي من إعادة طباعة الكتاب مرات ومرات؛ ولهذا فآمل أن تكون الإشارة إليها دافعا إلى تلاشيها في طبعات الكتاب القادمة. ولن أشير إلا إلى واحدة منها فقط، أستميح «أبا ملك» العذر في ذكرها، فقد وردت كلمة «ملاك» في نهاية الصفحة رقم 9 (وقد تكررت بعد ذلك أكثر من مرة في الصفحة رقم 10) التي أضاف إليها المؤلف في الصفحة التالية كلمة «الموت» ليدل بها على «ملاك الموت»، والواقع أنه لو قال: «ملك الموت» لكان ذلك أفصح وأصح!

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق