سينما و تلفزيون

الشخصية النسائية في السيناريو السينمائي العربي

من حميد عقبي
من الملاحظ أن الشخصية النسائية في العديد من الأفلام العربية ضعيفة وسطحية، وأحيانا يتم حشو الفيلم بالكثير من الأغاني الاستعراضية والرقصات دون تبريرات مقتعة أو يكون لها دور في العمل، سوف أحاول تناول نماذج عديدة نختارها من السينما المصرية، وسنحاول في مناسبة أخرى التحليق مع السينما المغربية والتونسية وكذلك الفلسطينية والسورية كون المرأة تظل مركز اهتمامات الفن السينمائي وكل الفنون، ولكن عندما تعالج الأفكار الكبيرة بشكل مستعجل أو يحدث الخلل في الوسائل تكون النتائج كارثية.

عند قراءة التراث الثقافي الشعري والروائي العربي نجد حضورا واهتماما بالشخصية النسائية، وكذلك لو تصفحنا الأساطير العربية والحكايات الشعبية نجد أن المرأة كرمز للجمال والخصوبة والعطاء في الكثير من المخطوطات والرسوم القديمة نجد أحيانا رسومات تظهر مفاتن المرأة وجمالها كرمز للأرض والخير والأنوثة والجنس، فهي تلعب دورا مهما كعنصر أساسي وديناميكي وليست مجرد هامشي أو ثانوي، حكايات شعبية قديمة مثل قصة “ألف ليلة وليلة” مثلا البطلة الرئيسية والراوي هي شهرزاد وتحتوي هذه القصة على أحداث عديدة غريبة وجنسية في أسلوب شيق وأفكار عديدة تغوص بنا لعالم الحلم والأسطورة وتدخلنا في عوالم عديدة غرائبية مدهشة.

يمكننا الاحساس في بعض المشاهد والحكايات بقوة المرأة وذكائها وإنسانيتها ونزعتها للتحرر وحلها لمشاكل كثيرة كعنصر وعامل خير، وأحيانا نجد شخصيات متمردة وشريرة، فقد يكون هذا الشر بسبب ظروف وسيطرة وقهر الرجل لها وقد يكون انتقامها بشعا ومخيفا.

نزار قباني الشاعر العربي الأكثر شهرة حيث خصص شعره حول المرأة، فهو مدرسة شعرية وفنية وإنسانية رائعة ولم تكن قصائده مجرد تغنٍّ شهواني بجسد المراة، بل كان الجسد في العديد من الأحيان استعارات سياسية وفلسفية وقراءة متعمقة لواقع المرأة العربية.

الكاتب الكبير الراحل نجيب محفوظ في أغلب أعماله خصص مساحات واسعة لشخصيات نسائية كي تقودنا لعمق المجتمع وتكشف زيفه.

في روايته “زقاق المدق” نجد حميدة الشابة المغرية المتمردة والتواقة للحلم هي عنصر ديناميكي، نجد شخصيات أخرى مثل الفرانه التي تضرب زوجها بالصباح، وفي الليل تستمتع بجسده، والمعلم كرشة يسخر من زوجته ويسميها شجرة الدر ويتمنى نهاية تعيسة لها كونه يحب الصبيان. كل شخصية نسائية لها حضورها وتأثيرها ولا يمكن الاستغناء عنها، يرسم محفوظ بدقة في رواياته تفاصيل الجسد وملامح الوجه وحركات الشخصية بحيث نحس أننا نسمع تنهداتها وأنفاسها وغنجها وبكاءها وحزنها ومآسيها.

في العديد من الأفلام العربية نجد أن الشخصية النسائية الأكثر حضورا هي الراقصة أو المغنية، وقد تكون فتاة فقيرة تلتقي بقواد أو صاحب كباريه يغريها بالمجد والشهرة فتنطلق لهذا العالم لتمتعنا بالرقص والغناء، وقد تكون فتاة من أسرة غنية تحلم بالفن وتتخلى عن عائلتها في سبيل الفن والغرض هو إعطاء مساحة من الرقص و الغناء كون هذا الأسلوب الجيد لجذب المتفرج.

عالجت بعض الأفلام مشكلة تسلط الأب أو الأخ الكبير واستغلاله للمرأة لتزويجها لشخص ثري أو صاحب سلطة رغم أنها تحب شخصا فقيرا أو يكون هو غني ويحب فقيرة وهكذا يتم خلق حبكة الفيلم، ورغم أي ملاحظات على الأعمال إلى فترة التسعينيات وتلك التقاليد وعكس صورة نمطية تكرس الواقع والهيمنة الذكورية، رغم أي سلبيات إلا أن ما يحدث اليوم في غالبية الأفلام المصرية يمكن وصفه بالكارثة، فالسيناريو يمكن صناعته في جلسة صغيرة والشخصيات بلطجي وراقصة أو عاهرة وضابط وهكذا يصاغ بالسريع، قليلة جدا الأعمال التي تعتمد على سيناريو مهني ومحترف له أهداف وأسلوب .

بعض الأفلام العربية تم كتابتها وتفصيلها على شخصيات نسائية مثل أفلام نادية الجندي فتم تقديمها معلمه وجاسوسة وتاجرة مخدرات وراقصة، وأحيانا نجد في بعض الأفلام أن ملامح وتعابير الوجه والرقصات وطريقة الكلام متشابهة كون الأسلوب في التعامل معها مكررا، والسيناريو مكتوب ليظهر نجوميتها وجمالها المغري والفتان، نحن لا ننتقص من هذه الفنانة لكنها فرضت شروطها فضعف أداؤها أحيانا بسبب التكرر، في بعض الافلام غير مقنعة.

نبيلة عبيد مثلا برزت كنجمة لعدد كبير من الأفلام وهي ممثلة رائعة مقنعة ومغرية، لنأخذ مثالا فيلم “كشف المستور” سيناريو وحيد حامد وإخراج عاطف الطيب، يحكي الفيلم قصة امرأة عملت في المخابرات ووظفت جسدها لخدمة الوطن ضمن خلية نسائية وبعد ذلك تترك الخدمة وتتزوج وتستقر، لكن يعود الماضي ويتم استدعاؤها للعمل من جديد ولا يتاح لها فرصة للرفض، تحاول التحرر من الماضي، لكن النهاية تكون مأساوية. من خلال هذا الفيلم يتم الكشف عن قضايا ليس فقط تاريخية لحقبة معينة من السياسة ولكن الفيلم حاول التعمق في الشخصية ونجح السيناريو في اظهار القلق والخوف الداخلي للشخصية النسائية .

قد يحمل الممثل أو الممثلة روحا آخر يقوي السيناريو ويكون سببا في نجاح الفيلم ولكن كل هذا ينطلق من سيناريو قوي به مساحة للتحرك. هناك ممثلات مصريات قديرات على سبيل المثال لا الحصر: أمينة رزق، شويكار، سعاد حسني، نجلاء فتحي، مديحة كامل، شريهان، يسرا، لبلبة، ليلى علوي، سماح أنور، معالي زايد، دلال عبدالعزيز، الهام شاهين، عايدة رياض، بوسي، سهير رمزي وغيرهن.

توجد شكاوي من ممثلات بعدم وجود السيناريو المناسب أو المخرج الذي يمكنه أن يكتشف الموهبة ويظهرها بشكل فني متميز، المشاركات الكثيرة لا يمكن أن تصنع الممثل وخاصة إذا كانت الأعمال سندوتشية خفيفة وتافهة، الجمال والأنوثة ومشاهد الإغراء الرخيصة لا تلتصق بذاكرة المتفرج.

في فيلم “الباحثات عن الحرية” يمكننا أن نلمس جوانب إنسانية مؤثرة كون ايناس الدغيدي كمخرجه تختار الممثلات بنوع من الحرص فقد حاولت في الكثير من أعمالها عكس بعض القضايا الاجتماعية بشكل فيه الكثير من الجراءة مثل فيلم ” أسرار بنات” و”تعال نرقص” وغيرها، فنجد أنها تحرص وتشتغل على الجسد الأنثوي دون التحسب للرقيب ورغم كثرة الجدل حولها والتهم بالإباحية أو التطرف في الحديث عن حرية المراة ومشاكلها الجنسية، وكوننا نعيش في مجتمع ذكوري متسلط فربما أصبح لدينا نوع من التبلد بخصوص هموم المرأة وتطلعاتها في ظل ثورة وحرية لا محدودة تعيشها النساء في دول متقدمة كثيرة، عندما تتحدث أي مخرجة أو مخرج عن الرغبة واللذة الجنسية لدى المراة نشعر بأن هذا مقزز ومرفوض.

يمكننا أن نبيح للرجل أي رغبة وأن يمارس أي نوع من النشاط الجنسي، لكن لا يمكن أن نسمح للمرأة مجرد التفكير في هويتها الجنسية وغيرها من القضايا، النظرة الدونية للمرأة وكبتها تجعل الافصاح عن أحلامها و رغباتها ومخاوفها نوعا من الجرم.

قياس العمل الفني وفق قوانين العادات و التقاليد البالية أو ضمن وجهة نظر بعض رجال الدين والموجات المتطرفة يجعل المخاواف تزداد فيخلق السيناريست على نفسه وعمله الكثير من الرقابة وهكذا تضعف الشخصية النسائية وتتحول إلى ظل هامشي، وهنالك من يخترق الخطوط الحمراء ويتهور في عرض الجنس لغرض الجنس وليس لخلق مساحات جمالية أو الغوص في مداخلات فكرية وفلسفية، هذا التوجه أيضا يقدم لنا الشخصية النسائية كجسد شهواني فتفقد الشخصية روحها.

عندما تود كتابة سيناريو فأنت تتخيل شخصيتك شكلها وهيئتها وملامح الوجه وأسلوب الحركات وطريقة الكلام وملابسها وطريقة تسريح الشعر وما يعجبها في الأكل والشرب ولكن هذه تظل مظاهر خارجية والذكاء في توظيف الظاهري لكشف الباطن والغوص في الداخل وإفساح مجال للحلم والرغبة والخوف والألم فلا تتوقف في صناعة شخصية من جماد لا تمتلك روحا أو حلما، التعبير عن هذا لا يتم بزج الشخصية بمشهد درامي أو منولوج بكائي، فالعويل قد لا يكشف حجم الحزن، عليك الإنتباه إلى نظرات الشخصية وملامح الوجه وجماليات الجسد وتعابير كل حركة ونَفَس وخلق مساحة للتحرك، فأي ممثلة تريد سيناريو يحفزها للتخييل كي تؤدي دورها وتعيش الشخصية بكل مكوناتها لنفسية والروحية وليس فقط الفيزيائية، هناك عناصر ووسائل معينة قد تساعد الشخصية في إبراز انفعالاتها والتعبير عن دواخلها مثل الأشياء التي ممكن أن تتعامل معها والمكان والزمان والشخصيات الأخرى.

توجد نماذج سينمائية مصرية رائعة بنيت على سيناريوهات جيدة مثلا فيلم “دعاء الكروان” وفيلم “أفواه وأرانب” للمخرج بركات وبعض أفلام المخرج صلاح أبوسيف حيث ناقشت بموضوعية وشجاعة نظرة المجتمع للمرأة، وفيلم “احكي يا شهر زاد” للمخرج يسري نصر الله، كما سنجد في بعض أفلام خالد يوسف نقاشات جريئة كفيلم “حين ميسرة “.

نختم هذا المقال بملاحظة مهمة وهي إن الأفلام التي تتناول بصدق قضايا المرأة وما تعانيه من ظلم وتحرش وتهميش داخل مجتمعاتنا الذكورية، هذه الأفلام قد تصل إلى مهرجانات دولية يتم الترحيب بعرضها في كل مكان، ويكون سبب نجاحها أنها انطلقت من سيناريو محترف ووجدت مخرجا ذكيا، من النماذج التي يمكن ذكرها فيلم “هي فوضى” ليوسف شاهين عن موضوع الفساد في مصر وتجاوزات الشرطة المصرية، فيلم “أسماء” للمخرج عمرو سلامة عن الإيدز، فيلم “678” للمخرج محمد دياب عن التحرش الجنسي وفيلم “فتاة المصنع” للمخرج محمد خان الذي تعمق في حكاية فتاة تتهم في شرفها وجريمتها الحلم بالحب.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق