.

الريادة المسرحية تنحسر في المغرب وتنتقل إلى المشرق

عماد المي

البداية كانت بتقديمه لذاته، حيث يرى المسرحي التونسي أنور الشعافي أن السؤال عن النفس وتقديمها كذات واحدة واضحة ودقيقة يبدو صعبا جدا، وهو سؤال يومي وجوهري في رأيه. ففي العلاقة بالأنا الكائنة والمفكرة والمطورة لأفكارها تتعدد الزوايا والمداخل لفهم الذات لذاتها وتتعقد الأمور أكثر وتصعب إذا ما كانت الذات مبدعة.
خطر التجريب

يقول ضيفنا “أنا أحبذ أن أقدم نفسي بكل بساطة على أنني إنسان مبدع في الفن المسرحي العظيم، هذا من جهة، ومن جهة أكاديمية وحرفية أنا متخرج من المعهد العالي للفن المسرحي بتونس، قمت بالعديد من التربصات في مجال الإخراج وصناعة العرض الفني المسرحي بفرنسا وألمانيا. أسست فرقة مسرح التجريب بمحافظة مدنين في الجنوب التونسي سنة 1990، كما أسست المهرجان الوطني لمسرح التجريب بمدنين 1992. وأنا أيضا مدير/مؤسس لمركز الفنون الدرامية والركحية بمدنين (2011-2012) ومدير عام للمسرح الوطني التونسي (2012-2014)، وقمت بإخراج العديد من المسرحيات ذات المنحى التجريبي خاصة”. وعن انطلاقته الإبداعية والفنية، يقول أنور الشعافي “كانت الانطلاقة في أقصى الجنوب التونسي حيث أسست فرقة ومهرجانا بعيدا عن صخب العاصمة وضجيجها وضيقها”.

وهنا نسأل ضيفنا عن أعماله الأولى بما تحتويه من محمول فكري وجمالي آنذاك، ليوضح أن بدايته كانت سنة 1990، حيث كان أول عمل له بعنوان “ليلة 27”، وكان منذ البداية وفيّا لمنهجه التجريبي، انطلاقا من رسالة تخرجه “المسرح بين التجربة والتجريب” سنة 1988. وعن سؤالنا لماذا مسرح التجريب بالذات؟ يجيب الشعافي بالقول “لأنني ضد السائد والمعتاد ومسكون بالإضافة والتجاوز. لا أريد أن أشبه غيري أو أشبه نفسي، ومسرح التجريب هو بحث دائم ومتجدد عن سياقات ونماذج جمالية مغايرة ومختلفة ونوعية بعيدا عن الشكل الواحد والرؤية الواحدة والنمطية”.

وحول الإمكانيات التي يمنحها المنهج التجريبي للمبدع المسرحي وعن شروطه ومنطلقاته وإشكالياته الدقيقة، يرى ضيفنا أن “التجريب لا ينطلق من فراغ، بل يتأسس انطلاقا من ثقافة ووعي فكري وقراءات عميقة ومشاهدة واطلاع ميدانيين على المسرح العالمي، وهذا المسار يجب أن ترافقه، برأيه، جرأة وإرادة وقدرة على تجاوز المألوف دون الاستكانة إلى القواعد المسرحية الجامدة والمجازفة يصاحبها الخطر وهي بمثابة الرقص على حبل المخاطرة”.

التجريب لا ينطلق من فراغ بل يتأسس انطلاقا من ثقافة ووعي فكري وقراءات عميقة ومشاهدة واطلاع ميدانيين
ويتابع “كنت أول من قدم ميلودراما في تونس بعنوان “بعد حينو” وكان ذلك سنة 2004 وقدمت سنة 2011 مسرحية “ترى ما رأيت” واشتغلت فيها ولأول مرة على تقنية الممثل عن بعد، أي على ممثلين يوجدون على الركح في تونس، وفي نفس لحظة العرض توجد ممثلة في مدينة مونبيليي الفرنسية، بطريقة فيها الكثير من الإيهام عبر تقنية السكايب، فتظهر كأنها موجودة الآن وهنا. وهذه السنة قدمت مسرحية هوائية بتقنية القماش الهوائي الذي يستعمل في السيرك”. ويركز أنور الشعافي في كل تجاربه التي ذكرها سابقا على الجانب التقني، فالتقنية بالنسبة إليه هي جمال وجمالية ولا معنى للمسرح إن لم يكن ملتصقا بواقعه.
الاتجاه إلى الهواء

يقودنا الحديث مع أنور الشعافي إلى مسرحيته الأخيرة “أو لا تكون” التي قدمت في عرضين خلال الدورة الـ18 لأيام قرطاج المسرحية، ليقول “أنا أسميتها مسرحية هوائية بمشاهدة عمودية، وقد انطلقت الفكرة أثناء إدارتي للمسرح الوطني، وكانت مدرسة السرك الفني حينها ضمن مشمولاتي، فأردت أن أقدم مسرحية ضد الجاذبية الأرضية تحررنا من سلطة المكان، لكن بطريقة مسرحية تستند إلى السرك، لا مجرد تجليات سركية، لذلك كان اعتمادي على ممثلين خضعوا لتمارين قاسية وتدريبات شاقة لمدة خمسة أشهر، حتى أتقنوا تقنية القماش الهوائي ولك أن تتصور حجم الجهد الذي يبذله الممثلون في هذا العمل بالإضافة إلى التركيز والحوارات الهوائية وتقمص الشخصيات، فهم مطالبون بتركيز تام وقدرات وليونة جسدية عالية وحضور ذهني”.
مسرحية تحررنا من سلطة المكان
وإذا كان الشعافي يرى أن الأرض اليوم أصبحت لا تطاق ولا تصلح للعيش وهذا ما دفعه إلى الارتفاع بالإنسان نحو أفق رحب وتخليصه من الجاذبية، فإن المسرحي التونسي يؤكد أيضا أن ما نعيشه الآن هنا أو هناك يدفعنا إلى اليأس والبؤس والإحباط والأزمات النفسية. فنحن نعيش، برأيه، عالما عبثيا مليئا بالعنف والإرهاب، وهو عالم انحدر فيه الإنسان إلى الحضيض من إنسانيته.

وفي حديثنا معه عن دور المسرحي اليوم في أفقنا الصغير تونس وفي الأفق الكبير الكون، فإن الشعافي يطرح غالبا مسألة الكينونة من خلال عنوان مشروعه المسرحي الحديث “أو لا تكن”، حيث يقول “قدر الفنان أن يكون رائدا ومستشرفا. وعليه أن يكون أولا في مستوى إنسانيته، وأن يكون معبرا عن هموم ومشاغل محيطه الصغير، الذي هو جزء من محيطه الكبير. والعالم اليوم أصبح بفضل ما توصل له العقل البشري من تطور تكنولوجي وعلمي قرية ولا يمكن الوصول إلى عالمية التعبير دون الانطلاق من العالمية”.

ونسأل المخرج كيف يرى المسرح التونسي اليوم مقارنة بالمسرح العربي والعالمي؟ فيجيبنا “يقال إن المسرح التونسي متطور جماليا في محيطه، قد يكون ذلك صحيحا في فترة ما، لكن توجد اليوم تجارب أخرى في محيطنا وقد تجاوزتنا في أطروحاتها الجمالية المستحدثة. إن مشكلة المسرح التونسي اليوم هي أن جيل الرواد يكررون أنفسهم وأغلب الجيل الجديد يستنسخ جيل الرواد الذين هم الآن بمثابة الشجرة التي تخفي الغابة”.

ويتطرق ضيفنا للحديث عن المشهد الثقافي التونسي والعربي، إذ يراه في تونس واقعا تحت سيطرة ثقافة سطحية تكرسها بعض القنوات التلفزيونية المبتذلة، مقابل تراجع الثقافة الحقيقية الجادة والصادقة. ويرى أن الريادة المسرحية التي كانت تتميز بها بلدان شمال أفريقيا تسير نحو الانتقال إلى المشرق العربي، بينما يسيطر المسرح التجاري في مصر والذي يخفي التجارب الجديدة والجادة للمسرحيين الشباب كمجموعة “مسرح الورشة” مثلا. فالمبدعون اليوم، برأيه، مطالبون بالعمل والاجتهاد واحترام عقول الناس وعدم الاستخفاف بهم. ونختم مع أنور الشعافي بحديثنا حول رؤيته للإنسان اليوم، ليقول “إن مقولة هوبز بأن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” تتجلى اليوم أكثر من أي وقت مضى، انظر ما يحدث في سوريا والعراق وما حصل في تونس أيضا.. هي الوحشية في أبشع مظاهرها.. نحن في زمن فقد فيه الإنسان ثقته بالإنسان”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق