متابعات ثقافية و فنية

«بيروت للكتاب» في دورته الستّين.. إشكالية القراءة/ الكتابة سنويّاً

حسن نصّور

لا تغيب إصدارات عديدة ومتنوّعة عن معرض الكتاب العربيّ في دورته الستّين هذا العام. ثمّة، كما في كلّ عام، احتفاء ملحوظ بتواقيع كثيرة تحيل بالضرورة إلى قدرة هذا المعرض على التنفّس. قدرة متجدّدة كأنّها تحدث بمعزل عن المناخ النفسي/ الثقافيّ البائس المحيط الذي تثقله مشاكل بنيويّة معروفة تنعكس في الحدّ الأدنى على مجمل تفكير فرديّ أو جماعي بالإبداع أو بالنشر أو باستقطاب فعاليات من هذا القبيل، إذ من نافل القول، إن المناخات الثقافية عموماً ليست فضاءات أو بنيات فوقية معزولة عن تأسيسات سوسيو- اقتصادية عموماً.
والإشارة إلى أن قدرة هذا المعرض على التنفس قد يمكن إحالتها إلى عوامل عديدة أيضاً، منها بالضرورة وبالحدّ الأدنى ما لبيروت من صيت في كونها بقيت في مدى عقود مآلاً للطباعة، متفلتاً بقدر من مقص الرقيب الذي قد يفتك بسوق النشر في عواصم عربية عديدة. ومنها الرهان المتواصل على كونها مساحة ثقافية متوسّطية تُغري الناشرين والكتاب بعرض منتجهم والحرص على إقامة أسمائهم في هذا المعرض. وإلى ذلك فإن معرض الكتاب في بيروت تحديداً وفي غير عاصمة عربية كفعالية قد لا يمكن عزله ومنذ أعوام عما يحدث في مواقع التواصل الاجتماعيّ لناحية هذا التشبيك بين الأسماء العربية وتدوير العناوين وإن شابت هذا الفعل مبالغات في الشق الاجتماعيّ. على أنها، في العمق، تبقى صلات تصب في الخلاصة في مصلحة هذه الفعالية الثقافية وتخدم بشكل أو بآخر النشرَ والكتابة.
شعراً
في العموم، يبقى الأدب شعراً ونثراً ثيمة داهمة في الرؤية إلى المعرض. وإذ نذكر الشعر فإنه لا يسعنا إغفال مساهمات دور بيروتية عريقة في هذا الشقّ ومجازفتها عاماً بعد عاماً في إنتاج تجارب شعر الوزن أو النثر الخالص. منها كمثال وليس حصراً، دار النهضة العربية التي صار يرتبط اسمها، منذ فترة بأسماء يرتكز شغلها الشعري الأساسي على محاولة بناء خصوصية في القصيدة الحديثة لا تفترق بالضرورة عن شروط التجارب الفارقة المكرّسة السابقة، ولكنها تحيل إلى مستويات جدية من الوعي بتراث هذه القصيدة الحديثة وتنوّعاتها وتفاوتاتها بين نثر مقطعيّ خالص وهايكو وشعر وزن (محمد ناصر الدين/ ربيع الأتات، ربيع شلهوب..). في هذا الحيّز قد تكون قصيدة النثر العربية مدينة بالضرورة لهذه الدار في العقد الأخير وتحديداً لناحية عشرات الإصدارات التي يطول الحديث عنها، والتي مرّت خلال سنوات هذا العقد، وتحديداً خلال فعالية مدينة بيروت للثقافة العربية السابقة.
يقيم الإنتاج الروائي في العالم العربي راهناً في مناخ يتيح لهذا الإنتاج أن يشيع وأن يكون متقدماً على غيره من الأنواع الكتابية لعوامل عدة، ليس أهمها بالتأكيد الاهتمام المتزايد بالرواية كتعبير نثري مُتاح عن التصدعات الموضوعية والذاتية في البناء النفسيّ العربي العام، على حساب ثيمة الشعر التي ليست أزمتها بالمناسبة أزمةً عربية على وجه التحديد، بل إن النتاج الشعري بناء لإحصاءات عديدة هو في انحسار ووضعية تقنين، لو صح التعبير، في غير بقعة من العالم. زد على ذلك طفرة الجوائز التي خصصت لهذا النوع الكتابي تحديداً والتي تعتبر محفّزاً وجاذباً للإقدام والتحوّل، بشروط، إلى هذه النوع من الكتابة. على أن الرواية أو القصة القصيرة في بيروت هذا العام لم تسجل تصاعداً من جهة كم الإصدارات وإن كان من غير الممكن إغفال أسماء صارت مكرسة لناحية خصوصية نبرها السردي روايةً (هلال شومان/ كان غداً: الساقي، ومازن معروف/ الجرذان التي لحست أذنَيْ بطل الكاراتيه/ دار المتوسط، مثالاً لا حصراً).
فكر/ تراث
تتطلّب الرؤية إلى ما يصدر فكرياً ويُعرض سنوياً عن دور النشر في المعارض نظرة أكثر تفصحاً بسبب كون هذا المنتج الكتابيّ يتّكئ في الأساس على تأسيسات وتشبيكات ثقافية تتصل في العمق بواقع الحالة المعرفية العربية أكاديمياً وبالتالي يصير بالإمكان تقدير ما يمكن أن يفرزه هذا الواقع بحدود بعيدة. إنه واقع يتراوح بين ثبات المنتج الموروث والمكرور المعروض في الأجنحة والذي لا يجذب، للأسف، إلا قلة من الأكاديميين أو المهتمّين بالدراسات الدينية وبين المنتج الجديد من إفرازات الحداثة والذي يقع في خضم إشكالية الواقع الديني/ المذهبي المعروفة. ومن العلامات الواضحة لتلك الإشكالية، مثالاً، شبه اختفاء لكتب المفكر الماركسي السوري عن المعرض هذا العام إلا لماماً! (طبعات جديدة). على أنّ دراسات جدية في التاريخ الديني والاجتماع يسجلها معرض هذا العام منها الدراسة الصادرة عن دار الفارابي للأكاديميّ وجيه قانصو (الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ: دراسة في مراحل التكوين الأولى، مثالاً لا حصراً).
في الخلاصة، يبقى لنا أن نفترض أن هذه الفعالية، فوق كونها حاجة تتفاوت بين فرد وآخر وتتداخل تأثيراتها مع تفاوتات الواقع الفرديّ أو الجماعي في مساحة متنوعة مثل لبنان، فإنها فعالية تُعيد في كل عام تخصيب الإشكالية الأساسية في ما يتصل بجدوى ومعنى هذا الفعل القرائي/ الكتابي على مستوى الفرد أولاً وتالياً مسارات تأثيراته في الجماعات من ضمن التنوّع الفردي ذاته. القراءة والكتابة إما كتتويج سنويّ لهويةٍ مركبة نسعى جميعنا لتعريفها أو كملاذ دوريّ من بؤس الواقع الموضوعيّ.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق