حوارات

روائي سوداني يعترف بأن الكاتب شخص مخادع جدا وكاذب

رانيا بخاري

محمود حسين روائى وقاص سودانى ولد بمدينة القضارف بشرق السودان حازت قصته القصيرة “ظل” على الجائزة الاولى فى مسابقة الطيب صالح للابداع الكتابي في العام 2014 صدرت له رواية “سحرة الضفاف” ومن ثم هوج النيازك. وله تحت الطبع رواية “السرايا الصخرية”. عمل مديرا للقسم الثقافى بصحيفة التيار السودانية، وشارك بتقديم عدة محاضرات وورش حول الكتابة بعدد من الجامعات السودانية. سألناه:

• ترى مدرسة فرويد أنَّ النصوص تحمل فى داخلها بعضاً من إسقاطات الكاتب الشخصية ما مدى صحة ذلك السؤال؟

ـ علم النفس يُعرِّف الإسقاط بأنه حالة دفاعية. لذلك نلتمس الصدق في الأعمال الروائية كلما كان الكاتب صادقاً بغض النظر عن الحكايات، فماركيز جعلنا نُصدق أن “ريميدس” الجميلة طارت كعصفورٍ أليف لجأ إلى سماءٍ صافية بحثاً عن مكان ما. من الصعب تقصي إسقاط الكاتب في المكتوب وإن وُجِدَّ.

• أنتَ كسارد إلا أنك لم تسطع البقاء خارج النص فصوت الرواي العليم كان ذاتك.

ـ جميعناً رواةٌ عليمون.. أمهاتنا وجداتنا كذلك، يختلسون الأسرار الصغيرة ويخبروننا بها في الحكايات العادية كل يوم، بقصد أو بدونه. والعمل الأدبي لا يختلف عن المعايشة اليومية للحياة إلا في جوانب مُعينة. لذلك دائماً نجد راويا عليما وإن استتر خلف إحدى الشخصيات.

• الكاتب عندما يمارس فعل الكتابة يأتي بكل محولاته الثقافية والايديولوجية أَى انه لا يكون في حل من إنتمائه. الخلفية اليسارية التي حكت به متن السرد هل إنتماؤك داخل النص يطابق خارجه؟

ـ عندما أجلس لأكتُب لا أكون أنا من يكتب بل تكون الشخصيات هي من تحكي قصصها وتفاصيلها، فمثلاً شخصية د. محمود حسين في رواية “سحرة الضفاف” كانت تعيش في فضاء مكاني وزماني مختلف عن جيلنا لكن حكى كل شيء عنه بنفسه مستغلاً جسديَّ في إحدى الساعات.. متناولاً همومه في تلك الحقبة وآماله التي تتعارض ربما مع أفكاري ولكن عندما يغادرني محمود أو أيًّ من شخوصي أجدني أتعارض مع أفكارهم أو أوافقها وذلك لإبتعادي الكامل عن إستغلال العمل الروائي في إيصال أفكاري الشخصية التي من المحتمل أن تتوافق مع إحدى الشخصيات. ولكن صدقيني يا رانيا في أن الكاتب الروائي هو شخص “مُخادع” جداً وكاذب. لذلك لن تتمكني من معرفة حقيقته أبداً.. أبداً.

• “هوج النيازك” هل هي إضاءة لموتى مجهولين في سجل الحكومات والمنظمات الإنسانية؟ ماهي الرسالة وإلى من؟ أم هى دليل تحرش على واقع معلوم ولكن تتعذر الكتابة عنه؟

ـ هَوْج النيازك عمل مقدم للإنسان في كل مكان، الشمال البارد أو الشرق الأقصى كلنا ذات يوم نتحول لنيزكٍ صغير وجميل سنظهر لأحبائنا في جزء من الثانية لن يفوتوا مشاهدته أبداً وسيذكرونا ما حملناهُ معنا من ألم. لذلك كنت الرواية لتُذَّكِر الأجيال بأنه ذات يوم كان هناك شباب أقوياء وفتيات جميلات والأطفال الذين لم يذهبوا إلى مدارسهم ولم يعودوا إلى قراهم يجتمعون حول أسرهم السعيدة. بل إحتموا بالبحر والخطر أملاً في الهروب من الموت إلى موتٍ أكثر راحة.. فكأنهم كانوا موتى في شهودنا وهم يمضون إلى هلاكهم هرباً من ظلم الحكومات وقمع الجمهوريات وعنصرية الآخر وجهوية الفريق. وهي إدانة لنا جميعاً فالأطفال لن يعودوا إلى مكانٍ مُضاء بكوب حليب مرة أخرى.

كما يقول الشاعر تشارلز سيميك: علينا جميعاً أن نعترف بأننا كنا سبباً بصمتنا أو بتجاهلنا لضياع الآخر والذي هو في النهاية أنا.. لذلك كانت هوج النيازك إحتراماً لمن اتخذ قرارا غير صائب لكنه نجا رغم ذلك!

• التاريخ لا يزال مادة خام لم تستفد منه الرواية بعد، فما أثر البِنية الفكرية للكاتب في اختيار مادته التاريخية التي يوظفها في السرد؟

ـ لطالما استفادت الرواية من التاريخ ولو لم تتخذ التاريخ كمادة أساسية للحكاية، فالعمل الروائي في حد ذاته عمل تاريخي منذ ميغل دي ثيرفانتيس وحتى اليوم بإختلاف المواضيع، ولكن الأثر المباشر في اختيار أعمال تستلهم مواضيعها من أحداث تاريخية يعود إلى الموضوع. فمع مرور كل يوم يندرج يوم جديد تحت ما يُسمى بالـ “تاريخ” لذلك نجد أن الكثير والعديد من الأعمال الخالدة تم استلاهمها من التاريخ والبنية النفسية أولاً ثم المعرفية للكاتب لها دور التفكير والبحث عن أسلوب جديد لسرد حدث تاريخي أو توظيف حدث معين لخدمة العمل الروائي فمثلاً إمبرتو إيكو ودان براون كان باحثين أولاً ثم كاتبين. لذلك نجد أن أغلب أعمالهم تمر عبر ثقب التاريخ الخفي للمُدن والأحداث والكاتب العربي المعاصر أصبح بعيداً حتى من تاريخ مدينته فما بالك بالتاريخ الكوني للعالم. رغم أن ذلك لا يهم ولكن يؤثر فما تبعثه البنية الفكرية والوعي لشخص مثقف ومهتم وناضج يختلف تماماً عن ذلك الكاتب الذي يبحث عن قائمة “أكثر الكتب مبيعاً”.

• ماذا عن فاعلية الرواية في ظل تكريس القطرية الثقافية إذ أن الأدب يتجه الآن إلى تشكيل عالم من الجُزر كل جزيرةٍ فيه تنشد خلاصها الشخصي والفردي؟

ـ إنه أرخبيل جميل سيعيد للعالم إلفته الغائبة وحميميته المفقودة وألقه الخافي. وهي تجربة إنسانية كونية وستظل خلالها الأسئلة الوجودية وستعم النزعات العدمية. وبإكتمالها سيختفي القبح من العالم.

• الأدب هل يمكن أن يكون دليل إدانة وخلاص من خلال تسليط الضوء على الدور المظلمة؟

ـ نعم. فعندما كتبَ فيكتور هوجو روايته “آخر يوم لمحكوم بالإعدام” حدثَ تغيير كبير في فرنسا وتمَّ أخذ التحوطات والشروع في إيقاف المشانق والمقاصل، كما أن رواية السير الذاتية والتراجم أصبحت تضيء حقبات ودياجي وتحولها إلى قناديل مضيئة. فمثلاً عندنا في السودان لا يتم تناول تلك المواضيع. والروايات التي أسندت أحداثها إلى حقائق تاريخية لا تتعدى الخمسة أعمال ولا مجال لتناول التاريخ وتحبيبه إلى القراء دون تداخله مع واقع سردي. نعم أنا مؤمن بأن الأدب يمكنه أن يفعل أي شيء خصوصاً النبش والإحياء وإعادة صياغة التاريخ.

• الكتابة تحتاج إلى فترة زمنية للأعمال المُخيَّلة والتفكير بعيداً عن راهنية الحدث وانفعاله كي تخرج الكتابة من أسر الذات إلى ما هو أعمق وأقدر على أن يكون مرآة حقيقية لواقع الحال الإجتماعي، كيف جاء مخاض “هوج النيازك” وأخواتها؟

ـ الأشياء تتداعى والتابوهات تسقط. وقد فرضت الأنظمة الشمولية والعسكرية تابو جديدا لا يستطيع البعض هدمه – كما في السودان- أو تجاوزه لذلك يكون الخيار الأفضل هو الهروب، و”هوج النيازك” كان من المقرر له أن يصدر تحت اسم آخر لكن شاءت الظروف أن يخرج مختلفاً. والكتابة كفعل إنساني لا تختلف كثيراً عن بقية الأحداث العظيمة كالولادة والموت. إذ أنك عندما توهب آخرون حياة وحكاية ونهاية كأنك تنفخ من روحك في رفاتهم البالية ليحيوا خالدين. لذا؛ كان لا بد للرواية وأن تصدر حتى لا ينسى العالم بأن هناك مَنْ انطفأت روحه على سطح البحر طائعاً. راضياً مطمئناً في جوف الأسماك الجائعة. مرتاحاً بعيداً عن وطنه، الذي لم يعد ملاذاً آمناً كالبحر الذي يهربون منه وإليه كسفرٍ للتصالح اللانهائي مع الواقع المرير.

• الأدب السوداني لم ينجح فى توسيع رقعة الرؤيا مقدماً شهادة عن عالمنا السوداني ولم يراكم مُنجزا قادرا على تخطي حدوده الجغرافية والإقليمية، متى تصبح الرواية السودانية اسم مكان فى خارطة الأدب العربى والافريقي؟

ـ عندما كتب الروائي العظيم “جون فانتي” روايته “اسأل الغبار” لم يكن يدري بأن الفشل سيكون نصيبه لأكثر من نصف قرن، ومات حزيناً بائساً، وبعد 30 عاماً من وفاته تُرجمت الرواية إلى أكثر من 30 لغة، العمل الجيّد لا بد له وأن يطفو ويحلِّق ولو بعد حين، والأدب السوداني مستقبل الحكايات في العالم من حيث التفاصيل والمعالم، ولكن لا تتضح الرؤية نسبةً للتحديات العظيمة التي يواجهها الكاتب السوداني داخل الحصن. كيف لكاتب يُعتقل ويُحَاربْ بآليات يمكنها أن تقضي على الفساد في دولة صغيرة أن يكتب مطمئناً ليقرأه العالم؟ وكيف لحكومة تصادر الكتب وتمنع نشرها أن ترتقي بمجتمعها وأدبها؟

الرؤية ضبابية والحريات مُقيَّدة والأديب السوداني أصبح كذلك القس في القرن السادس عشر حيث كانت محاكم التفتيش تستطيع أن تقضي عليه بكل سهولة كما تلقي الحسناء منديلٌ به بقايا أحمر شفاه.. بلا أدنى إكتراث. كما أن عرّاب الرواية العربية “الطيب صالح” لو قُدر له أن يعيش في السودان في ظل ما يحدث هذه الأيام لما تمكن من الكتابة ولما عرفه العالم أجمع. والحديث عن مشاكل الرواية السودانية وآدابه طويل. يتوجب في البدء النظر في إتحاد الكُتاب السودانيين الذي كاد العنكبوت أن يقضي على داره بعد إغلاقه!

• سحرة الضفاف كفكرة وكمشروع كتابة هل هي مؤشر لحالات النسيان التي أهملنا فيها أجزاء أساسية من ذاكرتنا الثقافية والتاريخية والوطنية؟

ـ بعيداً عن المعنى الشعائري والطقوسي للتسمية فإن العمل كان مرهقاً تطلب الكثير من الكتابة وإعادتها والتحضير لها، والعمل يحتمل الكثير من التأويل ويطرح الأسئلة الوجودية التي لا تستقيم إلا بالعودة والذهاب حول الخط الزمني للحيوات التي مرّت من خلال تلك الضفاف، لنكتشف كم تغير الواقع منذ 27 عاماً. كيف اختلف السودان والعالم من حولنا وكيف ضاعت الهُوية. المفارقة بين السودان في الثمانينيات والآن. بين شارع “كونت ميخالوس” الذي أصبح الآن شارع “البرلمان”، كم أسقطنا من ثقافتنا؟ ماذا فُرضَ علينا خلال كل تلك الفترة؟ فيما تغيرنا؟ وهل ندري ما صرنا إليه؟ هل نعلم من نحن؟ هل نستطيع إجابة عن الأسئلة السابقة؟ كل ذلك يحتاج إلى تعرية وكشف دقيق. عندما تتحول قيمة الوطن ورمزيته إلى مجرد كلمة ندندن بها عندما نشعر بالنوستالجيا إلى أشخاص معينين قضوا منذ زمن علينا أن نُدرك أننا لم نتعرف على آدميتنا التي جُبلت على الحب والخير وفداء الأوطان. وأن ما ضاع مِنا لن يعود ولكننا نكتبه ليبقى خالداً، وليعرف القادمون بأنه قد كان لنا وطناً ذات يوم، ولو كان لا يعجبنا ما يحدث به.

• ألم تجد صعوبة في السرد كَوّن شخصياتك لها وجود سابق على النص ولها وجود تاريخي معين يعرفه القراء أو بعضهم؟ فأنت تعمل على سيرة بيوغرافية لتؤكد على احتمالية المُتخيّل السردي الذي تبتدعه لتقنع القارئ بواقعية ما تحكي؟

ـ تخييل المُتخيَّل أمر مهلك، كفكرة الحلم داخل حلم آخر. فمثلاً البعض يعتقد أنني أستمد شخصياتي من نماذج موجودة في أماكن بعيدة، وآخرون يجدون ضالتهم في روايتيَّ. ذات مرة أخبرني رجل بأنه التقى بدكتور محمود حسين! كل قارئ ينظر إلى الشخصيات حسب عوالمه ويوائم الأفكار والتفاصيل بحسب بيئته ومحيطه ويتجلى ما أقصد في شخصية “مصطفى سعيد” بطل موسم الهجرة إلى الشمال، الذي وجده الناس في عدة أمكنة، مجدّف في سفينة وحانوتي في بلاد فاس..

هذا لم يحاول الكاتب أن يصنعه بل هو ما تجود به مخيلة القارئ وتفرضه عليه. أنا لا أفكر بالقارئ عندما أكتب، ولا أهتم إن كان سيعجبه ويقنعه العمل أم لا، وصعوبة السرد أمر جميل وممتع كالسقوط من طائرة على إرتفاع عالٍ دون أن تكون هناك أرضاً لتصطدم بها!

• شخصية “سارة” كذات أُنثوية بلسان سارد رجل كيف استطعت رسم الخط البيانى لشخصيتها مع إثارة المتعة التي يثيرها العمل الأدبي؟ كسارد متقمص “سَحرةْ الضِفّاف” اغتالت الأنثى في أنوثتها؟

ـ إن الخلق لأمر عجيب، وعملية البناء النفسي للشخصية كمحاولة صنع نصل حاد من الهواء، لا يحتاج إلى مجهود مجرد بل إلى فكرة، ثم إلى موقف وأخيراً إلى نتيجة لذلك كانت سارة ذلك النصل الحاد اللامع. لا يراه أحد ولا يعرف سره لكنه يُحدث النتيجة تماماً. لأنها كانت تحكي نفسها عبري. فبأي حال لم أكن مهندا وأنا أكتبها. وجميع شخوصي كذلك. كانوني وكنتهم أجمعين كأننا نشترك في ذات الروح!

“سَحَرةْ الضِفّاف” لم تغتال الأنثى أبداً، بل وَقفتْ بجانبها لتعكس خيباتها وأحلامها، طقوسها وتضحياتها، فشلها المنطقي والمجتمعي وسبر أغوار ذلك الكائن الجميل. جميع الشخصيات كانت لها تفاصيل سوداوية وكنت أتخيلهم في نهاية العمل كذلك الرجل المذعور الذي يتصدر لوحة “إدفارت مونيك” (الصرخة).

• “سحرة الضفاف” في جوهرها هل هي تشخيص لصراع الفرد ضد المجتمع والنظام والمعتقد بحثا عن توازن متعذر في غالب الاحيان. هل استطاعت أن تكون نصَّا مُوازياً ومُعارضا للخطابات الرسمية؟

ـ في البدء كان اسمها “ومَن لا يوحي؟” ومن ثم بدأت المشاكل والرقابة والصدام، نصحني صديق يعمل في مجال النشر بتغيير الاسم. كل شيء يبدأ وينتهي في أول جملة في الرواية: “أتدركُ يا فتاي أنَّ أشدَّ ما يَفتِك بالإنسان هو المعرفة”، ومن خلال تشابك الأحداث أخذتُ في سرد المتوقع ومحاولة طرح الخفي والغامض والتوصل إلى حقيقة فلسفة الإيحاء التي كانت تربط جميع أبطالي وليس الأحداث.

حاولت الكتابة عبر تعرية الحدث وتأويله وتشخيص الصراع. أمر يلازم المخيلة القرائية والمعاضل الأزلية لا تزال موجودة فمنذ هوميروس وحتى الآن يصارع الفرد المجتمع ويناضل الرجل ضد النظام وتبحث المرأة عن حريتها. وستكون تلك الساقية هكذا تدور بنفس الطريقة التي تدور بها الشمس أو ندور بها نَحنْ. النص الموازي هو الذي يلتقطه القارئ ويجده بين السطور الملغزة. هناك الكثير ينتظر بداخل الرواية.

• “حواء” هل هي رمز لجسد الوطن الذي تشظى إلى نصفين أم هي سيرةْ امرأة من الميلاد إلى الفناء راسمة فينا الحزن والأسى؟

ـ حواء، ويا له من اسم، حواء هي كل شيء الوطن والحبيبة، الأغنية واللحن، رعشات البرد القارس والطيور التي لا تهاجر من أجل البقاء، حواء هي الحروف الضائعة من الإنسانية وهي الأديم النادم على مواجهة السماء وهي البحار الدافئة التي لا تستمع إلى سيمفونيات الحيتان التي أصابها الضجرّ. هي ما أخفقنا في حقه وما انزوينا خلف جدار سميك من أنظار المجتمع لنتوارى عن ما ظننا بأنه عيب أو حرام. حواء هي النار لمن هم في الثلوج وهي الغزال لمن يبحث عن صيّد. فهل يُلام الصيّاد لأنه جائع؟ حواء هي اللغز الذي نحاول دائماً كشفه.

• هل موت محمود هو ثمنا دفعه من قبل رواد التنوير كـ “محمود محمد طه ونجيب محفوظ ومحمود أبوزيد”؟

ـ “مجد الكاتب يبدأ بموته”.

• يُقال إن الإنسان يعرف ذاته أكثر مما يعرف ذوات الآخرين، فكيف تقمصت كل تلك الذوات؟

ـ إذا عرف الإنسان ذاته جيداً أصابته الذاتوية وأصبح متوحداً كلاسيكياً. لا يمكن تقمص الذات ولا الروح، بل الشخصية فهي المدخل الرئيسي لأفكار الآخرين ودرس طرق تفكيرهم وردود أفعالهم في التوقيت والمكان والظرف المُعيّن، إن الروائي يا صديقتي رانيا لهو ربٌ صغير.. يعرف جيداً ماهية كائناته وأساليبهم وطرائقهم، وهو من يعطيهم الروح والجسد وينشئهم أول مرّة، ثم يقرر لهم متي يولدون وماذا يفعلون ومن يحبون وكيف موتون.. هل تعتقدين بأن مثل ذلك الخلاق يَصعُب عليه أن يعرف شخصياته؟

• ما المتاعب المعرفية التي تكبدتها لتنجز تلك الرواية؟

ـ “أبشع الأحلام هي تلك التي نرى فيها أنفسنا عاجزين”.. لدائماً ما كانت المتاعب معرفية، ثم تولدت الحلول ثم ضاقت الحلقات، ثم أمطرت السماء ثم خسف القمر، ثم هز الأرضَ الموت. ثم اختفى الجميع ولم يعد هناك مكان لحكاية، لأن الجميع ببساطة قد انتقل إلى مكان أكثر إشراقاً كالمستقبل. ذلك ما كان يخيفني.. أن أعجز عن الكتابة وأن يختفي العالم وأن أكون مُجبراً لأذهب إلى المستقبل. المتاعب الحقيقية هي التي لم تحدث ولم نتخطاها وكل شيء سواها ليس بمتاعب.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق