متابعات ثقافية و فنية

مليكة أو فقير في رواية «السجينة» تفضح أيّام الحرية «الوهميّة»

نسربن بلوط

لم يكن السجن يوماً رمزاً لانقباض الحريّة، أو تكوِّرها على نفسها وتسربلها بالهلع المفضي لليل الطويل، بل العكس هو الصحيح.. فهو حافز للأمل بانشقاق الحزن على فسحة من نور وهبَّة من هواء الفصول التي تردّ الحياة للأرواح المعذّبة.
مليكة أوفقير في رواية «السجينة» فصّلت لنا أيّام الحرية «الوهميّة»، التي قضتها قبل أن تُزجَّ في غيابات السجن مع أمّها وأخوتها، واعتبرت حياة البذخ التي عاشتها بعد تبنّي الملك الحسن الخامس لها عندما كانت طفلة في السابعة من عمرها معتركاً هائلاً، يكويها بحرقة الحرمان من أمها، واحتراقها في آتون السلطة التي تظلم حتى من تحبّهم.
سافرت، جابت الدنيا، وتمرّغت أصابعها بالمال حتى الملل.. ثمّ غرقت في طين السجون حتى الثمالة وهي لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها بعد.
هي ابنة الجنرال محمد أوفقير الذي فتح له الملك باب المجد على مصراعيه وعيّنه وزير الدفاع، ووزير الداخلية في المملكة المغربية وأصبح اليد اليمنى له. وأولاه الثقة العمياء فطعن بها وقام بانقلاب مفاجئ على الملك الحسن الثاني، كان مصيره الفشل. أعدم اوفقير رمياً بالرصاص، ودُسّت عائلته في معتقلات الملك الحسن الثاني في سجون أقرب منها للقبور، وأحط دركاَ من حياة الحيوانات، حيث كانت تُرمى اليهم قاذورات الطعام ويقدّم لهم اللحم الأسود والبيض المعفّن على طبق الموت الذي لم يشأ أن يختطف أنفاسهم ويرحمهم.. لقد تربّص بهم القدر فتأرجحوا بين اللحد وحافته في سكرات الوجع القاتل… كم لبثوا؟
لقد مكثوا في جحيم السجون عشرين عاما حاولوا فيها الانتحار فلم ينجحوا، أو ربما هم مّيتون أساساً بأحاسيسهم، خائفون من سجّانهم الذي لم يعط أذناً لنداءات الرحمة.. و»الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة» كما ذكر نجيب محفوظ، وهم يحيون بآلامهم التي غصّت بها جدران السجن.. وحدها مليكة أوفقير تمالكت رباط جأشها لتكون قدوة لإخوتها وأمّها على التحمّل… فأخوها عبد اللطيف دخل السجن وهو في الثانية من عمره ولم ير شيئاً غيره في الحياة، لم يبصر الطبيعة وتقلّباتها.. لم يتنشّق حرارة الربيع ولم يتحسّس طراوة براعمه عندما تصبّ في دوح الثرى.
لقد اعتبرت الملك أباً لها في التبنّي بعد أن أمضت طفولتها في كنفه وحضنه، فكيف لها أن تراه سجّانها ومعذّبها.. كيف لها أن تعيش بين الناقض والمنقوض؟ بين الحلم واليقظة؟ هل تراه جارحاً أم مجروحاً؟ فحتّى لو جُرح من تمرّد أبيها، فلماذا تدفع هي وإخوتها الأطفال الثمن؟ كم يلزمها من الصبر حتّى تتيقّن بأنّ حبّه لها استحال كرهاّ ومقتاً متأجّجاً بما فعله والدها؟ كيف ليد السياسة أن تقضي على كلّ رحمة ؟ على أيّ ذكرى؟ وفي هذا تقول: «كل شيء يمضي ويمر، إلا ان يكون عدوك هو جزء منك.. تلك هي المصيبة والهزيمة». في آخر المطاف، لم يكن أمامهم إلا الهرب والنفق «المزعوم» الذي ذكرته مليكة أوفقير في روايتها، الذي حُفر حسب قولها بملعقة وغطاء علبة السردين يبدو صعباً للعقل أن يزدرده على الرغم من أنّ المعاناة تبتكر العجائب. هذا النفق الذي شقّوه بغضبهم قبل سواعدهم، لم يوصلهم رغم تحرّرهم من السجن إلى الحريّة.. لقد ذكرت لاحقاً بأنّها اكتشفت أنّ الحياة سجن كبير، يبتلع قضبان السجن الذي وُئدت فيه مع عائلتها في الأعوام العشرين التي ضاعت من عمرهم.
لقد تغيّرت الدنيا، كما تبدّلت لأهل الكهف عندما خرجوا للحياة بعد سباتٍ عميق. السجن الذي عهدته في طفولتها بات أوسع صدراً.. ولكنّه في النهاية يبقى سجناً. لقد هزمهم السجن وهم سجناء.. وهزمهم حتّى وهم أحرار.. فالحياة برمتها هي ماردٌ فتّاك يطحن عظام الإنسانيّة، ويحرّك البشرية حسب أهوائه.. حتى يندى جبينه غضباً..كم لبثوا عدد سنين؟ والحقيقة هي أنّهم لبثوا وما زالوا يلبثون.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق