فن تشكيلي

معرض الفنان عاطف الشافعي… الروح المنسية للقرية المصرية

محمد عبد الرحيم

لم يزل عالم القرية المصرية يستهوي العديد من الفنانين التشكيليين، كمحاولة منهم للتعبير عن هذا العالم، وسط صخب التحديث الذي يضرب المجتمع المصري في شكله فقط، والفارغ من مضمونه.
وليس بالسهولة أن يتمكن الفنان من التعبير عن هذه الحياة وتفاصيلها، فهي اختبار قاسٍ يوضح كيفية رؤية الفنان لهذه الحياة، وهل هي زائفة ومحل ادعاء؟ أم أنها بالفعل نابعة عن تجربة ومعايشة وتفاعل مع هذا العالم الذي يعبّر عنه الفنان؟
وفي معرضه المقام حالياً في مركز محمود مختار الثقافي، يبدو الفنان عاطف الشافعي من القِلة التي أجادت التعبير في صدق فني عن عالم القرية المصرية، والاحتفاء بروح التآلف بين مخلوقات وجمادات وأجواء هذا العالم. بداية من حشد تفاصيله الغنية، والعادات اليومية، وصفات ساكنيه، وصولاً إلى تجسيد الروح المنسية للقرية المصرية، التي أصبحنا نطالعها في أفلام الأبيض والأسود، والتي لم تكن بأي حال في معظمها تعبّر تعبيراً صادقاً عن طبيعة هذه الحياة وإيقاعها.

حالة التناغم

العالم الذي يريد الشافعي التعبير عنه يبدو في حالة قصوى من التناغم والتآلف، حالة تبتعد عنا الآن بمسافة كبيرة، عالم جمالي بالدرجة الأولى. وفي لقطات تتابع لحظات الحياة اليومية لساكني الريف وحيواناتهم وألعابهم وأفراحهم ومجالسهم في نهاية اليوم، تبدو كشريط سينمائي يحتفي بالحالة المشهدية للقرية. وما بين اللعب بالمزمار في لحظات الفرح، وحالة العمل الشاق في الحقول، والبيع والشراء في الأسواق تبدو هذه اللحظات وكيفية تجسيدها. لم يخف الرجل التحوّل الزمني البادي على ملابس النساء بوجه خاص، هذا الجلباب الفلاحي المعهود، الذي أصبح الخمار يحجب معظم تفاصيله، لكن الروح المصرية تحاول التشبث والبقاء، رغم اختفاء التفاصيل، اللهم إلا بعض المُسنات، لا يزلن يحتفظن بالزي القديم المعهود. دور المرأة هنا يأخذ المساحة الأكبر من اللوحات، دون صخب ودون أي ادعاء ومُتاجرة بهذا الدور، فهي التي تقوم بأشق وأدق الأعمال في هذه البيئة، ويقع على عاتقها تربية الأطفال والعمل في الحقل والأسواق والبيت، تبدو النساء دوماً متصدرات للوحات، وما خلفهن من تفاصيل تبدو كخيال، وتخطيط لمكان ليس أكثر، فهن بطلات اللوحات، ودورهن لا ينكره أحد.
الحالة الأخرى اللافتة أنه في هذه المجتمعات لا توجد بطولات فردية، أو وجه يستطيع السيطرة على العمل الفني، فاللوحات دوماً تجسدها مجموعات متآلفة، كتل متلاحمة في حالة فعل دائم، لا يوجد فرد بعينه يمكن الاحتفاء به، فقط ضمير الجمع هو ما يحرك الجميع، وهو ما نأى عنه الفنان، بتجسيد بورتريهات مثلاً لبعض الشخصيات، وهو ما ابتعد به عن كروت البوستال الدعائية، كما لدى العديد من الفنانين، أو مدّعي الفن.

الحركة وحالة الفعل

يبدو إيقاع اللوحات دائماً من خلال حالة الفعل التي تنتظمها، وتجعل منها حالة واحدة ممتدة لا تهدأ، ومن هنا تتولد الحركة البصرية داخل اللوحة بمفردها، أو خلق إيقاع عام للمعرض ككل، وهو ما يخلقه الفنان من خلال ترتيب اللوحات وتباين أحجامها، بحيث ما أن ننتهي حتى نبدأ في معاودة المشاهدة من جديد.
الإيقاع بدوره لا يعتمد التجسيد المباشر للأجساد المتراصة والمتلاحمة، وكذلك ملامح البيئة، بل يعتمد على حركة اللمسات اللونية، التي ترشد العين إلى منبع الحركة وتفاصيلها، وهو أمر يستعرض من خلاله الفنان مدى الحِرفية التي يتعامل بها مع التكوين واللون والتفاصيل الكثيرة داخل اللوحة.

الحالة التأثيرية

ينتهج الفنان عاطف الشافعي في أغلب اللوحات النهج التأثيري، وما له من نقل الشحنة العاطفية والتأثير الجمالي لدى المتلقي. هذا النهج الذي يُعيد صياغة اللوحة كما يراها الفنان، وبالقدر نفسه اللعب على كيفية تفاعل المتلقي معها. هنا تكمن الصعوبة والمخاطرة في الوقت نفسه، فلا يبدو الأمر واقعياً ولا يعتمد النقل الحرفي للمشهد، لكنه اختلاق فني رغم بساطته، إلا أنه يتمثل هذا العالم وكأنه من الذاكرة، وكأن المتلقي عليه إنجاز مهمة مُماثلة في اكتمال العمل وفق خياله، وهو ما يتيح حالة من التحاور الدائم ما بين العمل الفني ومتلقيه، والأصعب أن هذه اللقطات تبدو مألوفة إلى حدٍ كبير لدى الجميع، لكن حالة الإدهاش تتولد من الحالة التأثيرية المقصودة من الفنان. هنا تتضح اللعبة أكثر، فلابد أن تقف على بُعد مسافة ما حتى تستكشف تفاصيل المشهد، فالأمر ليس كذلك في اللحظة الراهنة، الأمر يرتهنه الخيال أكثر مما يبدو. وهو ما حاولت اللوحات الإيحاء به، رغم ما يبدو من مباشرة موضوعها، فهو يتخطى كونه باختصار عملا فنيا عن عالم الفلاحين المصريين. هذا الأسلوب الذي يسقط الزمن في الكثير من اللوحات، ويكسر إيقاع التمثل بزمن فائت، فلا وجود لزمن محدد اللهم إلا ملابس النساء، وهو تغيير يقترب بنا إلى اللحظة الآنية، بخلاف ذلك فأنت في زمن آخر، أجيالنا لم تعتده إلا عبر شاشات التلفزيون والسينما، التي شوّهت الكثير من تفاصيله، على خلاف إحساس أهل القرى ونظرتهم الخاصة إلى عالمهم الصغير.

الفنان عاطف الشافعي مواليد عام 1964، درس الدراسات حرة في قسم التصوير الزيتي، كلية الفنون الجميلة في الزمالك. أقام العديد من المعارض الخاصة في كل من أتيليه القاهرة، قاعة الهناجر في دار الأوبرا المصرية، بيت السناري، غاليري ضي. كما شارك في ملتقى بصمات الفنانين التشكيلين العرب.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة