.

الكاتب المغربي محمد أسليم: انتهى زمن الكتب والقراء

عبد الواحد مفتاح

يعتبر محمد أسليم أحد الكتاب المغاربة الذين أغنوا المكتبة العربية بالعشرات من الكتب، فهذا الباحث غزير الإنتاج، خاصة وقد اخترقت أدبيته جغرافيا أكثر من جنس تعبيري، لتظل أغلب طروحاته النظرية وآرائه المنهجية محط نقاش واسع من طرف النقاد وجمهور واسع من المتتبعين للمشهد الثقافي، خاصة وأنه ينفتح على آفاق مخالفة ومستجدة في البحث والإبداع.
موت الكتاب

لمحمد أسليم دراسات واهتمام بالغ بالإنترنت، إذ يعتبر أن هذه الشبكة تجري تغييرا باعتبارها أحد مظاهر الثورة الرقمية أو نتاج “الانتقال من النسق الصناعي الميكانيكي إلى النسق الرقمي”، لذلك كان اهتمامه بالرقمية يقتصر على صعيدين: الثقافة، ثم الكتابة والقراءة. ويقول ضيفنا “بخصوص الثقافة، يبدو أنَّ الرقمية تشكل درجة أخرى في ارتقاء النوع البشري، بعدما ابتكرها وولج عالم اللغة والرمز. والانتقال الجاري من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي هو ارتقاء جديد.

وعلى سبيل المثال، يجري الحديث حاليا عن أن ثروات الأمم لم تعد تقدر بعائداتها المادية الطبيعية، ولكن بما تمتلكه من معلومات ومعارف. الانفجار التواصلي الذي نتج عن انتشار الشبكات كان خارج قيدي المكان والزمان، إذ صار الجميع جارا للجميع وصار الوقت شبه حاضر مطلقا، قد لا يناظره إلا التحول الجيني الذي مكن الدماغ من أن يصبح أكبر حجما وأثقل وزنا، والآخر الذي أتاح ظهور اللغة المنطوقة”.

أما على مستوى الكتابة والقراءة، فيرى أسليم أنه إذا كان اكتشاف الإنسان للحروف الأبجدية قد شكل تقدما هائلا، حيث صار الإنسان قادرا على قول أفكاره وعواطفه وأشياء العالم الطبيعي بحفنة من الحروف من خلال توليفها إلى ما لا نهاية، فقد أصبحت الآلة اليوم قادرة على قراءة جميع لغات العالم وعرض نصوصها على الشاشة، انطلاقا من بضع عشرات من الرموز لا غير، ما لا يستطيع أي فرد في العالم أن يقوم به. وهذه أيضا، في رأيه، درجة أخرى من التجريد قادت البعض إلى القول باختفاء الكتابة والبعض الآخر إلى القول باختفاء الكتابة والقراءة معا.

ونتكلم اليوم عن موت الكتاب لفائدة الإنترنت، ونسأل ضيفنا هنا هل انتهى زمن الكتاب؟ ليجيبنا قائلا “يتألف الكتاب من جانبين: مادي، وهو هذه المجموعة من الأوراق التي يُضمُّ بعضها إلى بعض ثمَّ تُخاطُ أو تُلصقُ من أحد الجانبين، وهذه التقنية حديثة في تاريخ الكتابة الطويل، ظهرت في القرن 2 ق.م لا غير، بينما ظهرت الكتابة منذ حوالي 7000 سنة، ومعناه أنَّ الكتاب مجرد محطة في تاريخ الكتابة الذي تنقل بين عدة حوامل. أما الثاني، فيتمثل في كون تدوين المعلومات بالطريقة آنفة الذكر هو أيضا تبويب وتنظيم وفهرسة لها بطريقة معينة، بل وكذلك هو طريقة في التفكير والاستدلال.

استغرقت العمليتان قرونا عدَّة قبل أن تترسَّخا وتأخذا شكلهما النهائي مع اختراع المطبعة في منتصف 15 ق.م، ما أفضى إلى هيمنة الكتاب وولوج “عصر جتنبرغ”. إلى هذين البُعدين يتجه القصدُ بفكرة زوال الكتاب. علاوة على ذلك، يُظهر تاريخ الكتابة والحوامل أنَّ الإنسان سعى دائما إلى تخزين أكبر عدد من المعلومات في أصغر حيّز ممكن، وهو ما تحقق اليوم مع الحوامل الرقمية، إذ تبلغ السعة التخزينية لبعض أجيال الكتب الإلكترونية حاليا 500 ألف كتاب، ما لا يكفي عمرُ المرء كاملا لقراءته.

كما أنَّ الحوامل الرقمية تخزن في مكان واحد وبصيغة واحدة (هي بين 0 و1) سائر أنواع الملفات: المكتوبة، والصوتية، والبصرية، والسمعية-البصرية. وحيث تلاميذ اليوم هم قراء الغد، فقد يؤشر إلغاء مجموعة من البلدان للكتاب المدرسي الورقي وحذف تعليم الكتابة اليدوية على دخول نجم الكتاب طور الأفول. وقد يظهر بديل اصطناعي للورق الحالي، لكن ذلك لن يطيل عمر الكتاب لأن الأمر يتعلق بقضايا أكبر”.

ويتابع الباحث “مع الحوامل الرقمية يجري تفكيك المكتبة والكتاب في آن. فباستشارة أي محرك للبحث حول موضوع ما، تعرض النتيجة عبر مجموعة من صفحات الويب ذات الصلة بهذا الموضوع المتوفرة في الشبكة، بصرف النظر عن تخصصها ومكان وجودها. فشبكة الإنترنت بمثابة مكتبة هائلة دون ترتيب ولا تنظيم، لكن عندما يطلب القارئ كتابا أو نصا في موضوع ما توضع أمامه، وبسرعة قصوى سائر المستندات المتصلة ببحثه”.
الثقافة والإنترنت

ننتقل مع أسليم للحديث عن الترجمة، حيث يرى ضيفنا أن وضعية الترجمة في البلدان العربية متردية جدا بحسب الإحصائيات. ويعود ذلك إلى كون هذا النشاط يبقى مجهودا فرديا على العموم، وغياب قاعدة قراء واسعة في الوطن العربي، وأخيرا غياب ما يُمكن تسميته بـ“سياسة للترجمة” في أي قطر عربي. ويؤكد كذلك أنه حتى في حالة وجود هيئات حكومية، ومبادرات رسمية لاستدراك الأرقام المخجلة للمنجز الترجمي العربي، فإن هذا النشاط لا يؤتي أكله، إذ لا سبيل لذلك إلا بتعميم التعليم وإيجاد قاعدة قراء واسعة أوَّلا، ثم وضع استراتيجية للترجمة مبنية على أسئلة مثل: ماذا نترجم؟ لماذا؟ لمن؟ وكيف نضمن الحصول على تأثير لما يترجم؟ وكيف يمكن قياس هذه المردودية؟

وعن رؤيته للساحة الثقافية المغربية اليوم، يوضح أسليم أنها خارج بعض مكونات هذه الثقافة التي لا يعرف عنها الكثير، كالمسرح والرقص والموسيقى والتشكيل والحفريات، وما إلى ذلك، حيث تجتاز الثقافة المغربية تحولا كبيرا جراء المد الرقمي، وقد تجلى ذلك في العديد من المستويات. ويتابع ضيفنا حديثه “بداية مكّنت سهولة النشر الرقمي المتحررة من قيود الورق المادية والمؤسسية أعدادا كبيرة من ولوج الحقل الأدبي والفكري، ويتجلى ذلك في كثرة ما يُنشر في سائر أنواع المنابر الرقمية.

وهذه الظاهرة صحية للغاية، إذ نجحت أسماء في استقطاب عدد كبير من القراء والمتتبعين دون أن يكون لها حضور سابق في النشر الورقي والمؤسسات المعروفة، بل هناك من بدأ بالنشر على شبكة الإنترنت ثم وصل إلى الورق. ودور الرقمية هنا أيضا هامّ لأنها مكنت من تخطي الوسطاء المحليين. كذلك فقد سهل الفضاء الرقمي التواصل بين الكتاب والقراء المغاربة ونظرائهم في المشرق العربي والمَهاجر في شتى بقاع الأرض، فتأسست شبكة من العلاقات خارج المؤسسات الرسمية”.

ويذكر ضيفنا في هذا الخصوص استفادة الثقافة الشعبية من شبكة الإنترنت، إذ عرفت صعودا بحلة جديدة، حيث ينتج العديد من الشباب أشرطة من كافة الأنواع (فكاهية، ساخرة، غنائية، وما إلى ذلك) ويضعونها بموقع يوتوب. ومن هؤلاء من يحظى بتلق واسع كما تشهد بذلك أعداد الزيارات، إذ يستقطب الشريط الواحد مئات الآلاف من المشاهدات، فيما لا يتجاوز سحب الكتاب المطبوع 3 آلاف نسخة في أفضل الأحوال لا تنفد أحيانا إلا بعد عقود. ويضيف “أخيرا ومثل ثقافة سائر المجتمعات تعرف الثقافة المغربية اليوم مستجدّ ما يسمى بـ“الثقافة الشبكية” أو ‘السيبرانية’، وتتجاوز الثقافتين العالمية والشعبية من حيث المكونات، لكن أيضا من حيث كونها طريقة في الحضور بالعالم وشكلا جديدا من الوجود”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق