متابعات ثقافية و فنية

غادة السمان تتأمل وجهها المسافر في مرايا أنسي الحاج

علي حسن الفواز

الأثر الثقافي يبقى أثرا، والحاجة إلى تدوينه وقراءته والحفاظ على تاريخيتهِ تبقى مهمة جدا، ولا علاقةَ لها بالأخلاقِ والعواطف، فالكثير من الوثائق تم فضحها والكشف عن سرائرها، والكثير من رسائل المسكوت عنه، تمت تعرية ما فيها من شجن خفي أو أرواح متوهجة.
رسائل حقيقية

كتاب الروائية غادة السمّان الجديد “رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمّان” الصادر عن دار الطليعة/ بيروت 2016 يدخل في سياق “كشف الأثر” أو في فضحه، وكـأنّ السمّان التي تعيش عزلتها الشخصية أرادت أنْ لا تحتفظ بهذا الأثر الرسائلي، وربما أنْ تقول –أيضا- بأنهـا كانت المـرأة الأثيـرة عـند الشعراء والروائيين، وأنّ وجودها في بيروت الستينات مـن القـرن الماضي كان حافلا بحضورها الثقافي والأنثوي معا.

فالرسائل -إنْ صدقت الواقعة- لاتحمل إثما شعريا ولا أخلاقيا، بقدر ما تكشف عن شغف شعري بالجمال، وهي – كذلك- لا تدسُّ سُما لأحد بقـدر مـا تحمل تريــاقا شعريا غامرا بالحياة، وبرومانسية المزاج الذي كان يعيشه الشعراء الحالمون بتغيير العالم عبر اللغة.
وبقطع النظر عن أنّ أنسي الحاج قد تكتم عن هذه الرسائل ولم يشرْ إليها في كتـاباته أو مـذكـراته، فـإن نشرها بعد أكثـر من نصـف قـرن من قبـل غـادة السمّان لا يضعها إلّا في سياق الأثر، وأنّ حمولتها البلاغية والعاطفية تكشف عن هوسِ الشاعر بالجمال، وبالحرية، ومع امرأة كانتْ تعرفُ كيف تترك عطرها المُدوّخ على الطاولـة، أو عنـد حافات الحوار.

غادة السمّان صاحبة “عيناك قدري” و“رحيل المرافئ القديمة” و“أعلنت عليك الحب” و“ليلة المليار” وغيرها من الكتب، لا تحتاج إلى جرعة فائقة من الغواية لتكون معشوقة، فهي تكتب بوعيٍ صاخب، وتدرك أنَّ بيروت الستينات من القرن الماضي كانت المدينة الأثيرة التي تتشابه فيها اللغة والبحر والنساء، وأنّ قرّاءهـا وشعـراءها يضجّـون بالكـلام والتمرد والبحث عن زوايا تتسعُ لهذا الضجيج، مثلما أنّها عاشتْ مع الآخرين محنةَ بيروت عام 1975 وكتبـت عنها بشغف المفجـوع بالفقد.

لذا لا يبدو غريبا أنْ تكونَ الرسائلُ حقيقية، رغم أنها عابرة كما يبدو، ولاتعبّر عن عواطف مشبوبة كتلك التي وجدناها في رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمّان، والتي أصدرتها في كتاب أيضا.

يكتب أنسي الحاج إليها “بحاجة، إذن، إليكِ. لا، لستِ مجرد خشبة إنقاذ بالنسبة لي. عندما أقول أنا بحاجة عظيمة إليكِ فمعناه أنني، كذلك، بحاجة إلى من يكون بحاجة، عظيمة، وربما أعظم بكثير من حاجتي، إليّ… إن لجوئي إليكِ ليس لجوء إنسان إلى شيء، بل لجوء إنسان إلى إنسان آخر. إنه رغبة في الارتباط. وإذا كنتُ أريد أن أتخطى وضعي فيكِ فإنني أريد، كذلك، أن تتخطّي وضعكِ فيّ. ليس مثلي من يدرك معنى الكلمات يا غادة: معناها العميق، الحقيقي، الثقيل، المُلزِم، والمحرِّر أيضا. ليس مثلي من يدرك معنى صرخة: أحبك”.

هذه الكتابة لا تخرج عن لعبة الشعر، ولا عن غواية مزاج الشاعر، فهو الوسيم الغامر حدّ الشبق في القصيدة، يجد في الكتابة حيّزه الفائر لكي يمارس اللذة ويُفصح فيها عن نشيده الشخصي، أليس هو من كتب “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع” عام 1975 إيحاء أو غزلا أو احتفاء بسيدة معروفة في الوسط الفني اللبناني، وبكل ما تحمله هذه المجموعة الشعرية من دفق يزاوج بين الغنائي والتأملي، والطقوسي الابتهالي مع الموسيقي الاحتفالي.
لذة الاستعادة

من الغرابة إذا أنْ يأخذ موضوع هذه الرسائل أكبر من حجمه، وأنْ يوضعَ خارج لحظته التاريخية، أو حتى بعيدا عن معرفة الشاعر ومزاجه وشغفه بالتفاصيل الجميلة، وبتوهج حضور الأنوثة وهي تلوّن العالم بالضوء والسحر، لكنَّ الأخطر والأكثر رعبا أنْ يتحول هذا الموضوع إلى باعث لتأويل الكثير من المواقف واليوميات، ولعل بعض التلميحات التي أشار إليها أنسي الحاج كانت تحمل حساسية نقدية لما تكتبه غادة السمّان، فهو يكتب لها كما تقول إحدى الرسائل.

وبعد صدور مجموعة قصصية جديدة لها “بمزيد من الجرأة، بمزيد من الصدق، بمزيد من الغوص على الذات، تعود غادة السمان إلى قراء قصصها القصيرة بمجموعة جديدة عنوانها “رحيل المرافئ القديمة” وبضع من القصص تستوحي هزيمة 1967. وكلها، من دون ريب، تضع القارئ في مناخ شديد الحرارة ومرات ملتهب الحمى”. هذا الرأي لا يمكن تفسيره خارج التلمّس النقدي العابر، والذي يشي بوجود صداقة ثقافية أكثر من كونها علاقة حسية.

يبدو أنّ لمعرض بيروت هذا العام نكهته الخاصة، وأنّ تزامن صدور هذا الكتاب الرسائلي مع انعقاد هذا المعرض ليس صدفة، فغادة تحاول عبر فيتشية الرسائل كما يقول فرويد أن تمارس نوعـا من لذة الاستعادة، وهي ممارسة شخصية تعيدنا إلى الثقافة المرآوية.

فبالرغم من أنّ الحديث يدور حول أهمية أنْ يطلّع القرّاء على مثل الرسائل التي تخصّ شخصيات عامة، أو بوصفها وثائق تتعلق بالتاريخ الثقافي لها، إلّا أنّ طبيعة الروائية السمّان -كما يبدو- تميل إلى فكرة الاستعادة بوصفها نزعة تعويضية وإشباعية، وفي ظل ظروف زمنية قد تبرر وجود ما يشبه النص الاستيهامي المسكون بالشغف والنـداء والبوح.

هذه الرسائل/الوثائق المقطوعة الإشارات عن تواريخها ومصادرها تبقى أثرا جماليا، وأحسب أنّ رحيل أنسي الحاج سيُفقد بعض توهجها، رغم ما تثيره من فضول عند الكثيرين، ولا أحسب أنها ستكشف جديدا في حياة الشاعر، بقدر ما تؤكد ما ذهبنا إليه، حيث هو المسكوت أبدا بالشعر بوصفه وعيا ومتعة وشغفا بالحياة وقد ظل يصنع الكثير من سعاداتها.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة