سينما و تلفزيون

مهرجان مراكش.. بدون مشاركة مغربية وتكريم السينما الروسية

محمد بنعزيز

عاشت مدينة مراكش منذ الثاني من كانون الأول إلى اليوم السبت، فعاليات الدورة السادسة عشرة للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش. بدأ التشويق بظهور لائحة أفلام المسابقة الأربعة عشر ولم تتضمن أي فيلم مغربي. وظهرت بلاغات تندد بالإقصاء دون أن تقترح فيلما مغربيا للمسابقة. والخطِر أن الحملة التضامنية المنددة بإقصاء «السينما الوطنية» لم تسخن واتضحت الحقيقة للجميع هي أنه لم يظهر فيلم بقوة جمالية وسردية يستحق التنافس، وقد كان هناك تناقض بين التصريحات العلنية المنددة بالإقصاء والهمسات الثنائية الصريحة لبعض النقاد والمخرجين… لذا نسي الأمر بسرعة وكانت تلك رسالة قاسية لأن التضامن الوطني ليست معيارا فنيا.
في الافتتاح كان البساط الأحمر متلألئا، لكن بالنسبة إلى صحافة الاستعراض يصعب إشعال البساط الأحمر بدون نجوم أميركيين وبدون أجساد لها جاذبية المغناطيس وتتصرف بطلاقة وتمنح المصورين مادة فضائحية. النتيجة هي أن الصحافة الصفراء لم تجد ما تنشره. وفي ظلها كيف يمكن خلق زخم إعلامي وفني بمناسبة تكريم السينما الروسية العظيمة مع صحافي يغطي المهرجان ويسمع اسم أندري تاركوفسكي أول مرة؟
بعد الاستعراض بدأ الجد، صباح السبت في الثالث من الشهر الحالي، إذ عقدت لجنة التحكيم التي يترأسها المخرج المجري بيلا تار ندوة صحافية، وقد عبر فيها عن ثقته في قوة السينما ودورها في الدفاع عن الكرامة الإنسانية وهو يبحث عن فيلم فيه أصالة وقوة طاقة مخرجه وفريقه الفني… وأكد أن الفيلم يسمح برؤية المخرج عاريا على حقيقته. من جهة أخرى قال المخرج الدنماركي بيلي أوكوست «يتحدث السياسيون عن الوقائع الآنية وعن الإحصائيات الكمية بينما تتحدث الأفلام عن الروح الإنسانية وشروط الوجود البشري… السينما هي مفتاح روح الإنسان».
وقد ضمت لجنة التحكيم بالإضافة إلى تار وأوكست المخرجين الأرجنتيني اليساندرو ألونسو والفرنسي برونو ديمون. كما ضمت خمس ممثلات هن الأسترالية جيسون كلارك والكندية سوزان كليمون الهندية الفرنسية كالكي كويتشلن والإيطالية جاسمين ترينكا والمغربية فاطمة هراندي راوية. بعد الندوة عرض الفيلم الأول في المسابقة وهو «الطريق إلى ماندالاي» من إخراج ميدي ز ويمثل تايوان، بورما، عن الإتجار في البشر في جنوب شرق آسيا.
لاجئون
تنتج الحروب اللاجئين، يصلون بلدانا مجاورة للعمل، العمل موجود في بانكوك لكن التراخيص غير متوفرة… أرباب العمل يشغلونهم سراً… ويزداد البؤس حين يتضح أن كل لاجئ يشتغل لدى قريب له جاء سابقا واستقر واغتنى. يمتص الأقارب دمك بطريقة أفضل، وهذا ما يجعل مصانع الغرب ترحل إلى جنوب شرق آسيا… هنا يأكل الناس العجائن لأنها الأرخص، عجائن تبلل بماء بارد في صحون بلاستيكية…
يقبل اللاجئون أوضاعا مذلة ويتعرضون للابتزاز لشراء وثائق الإقامة، تنتقل سيارة فيها مجموعة من الموظفين إلى غابة بغرض توفير وثائق. الفساد مهيكل وله طريقة عمل معروفة… لا أحد يشتكي من وجود اللاجئين وكل طرف يتفنن في حلبهم وعصرهم. يعرض الفيلم هذا الوضع بشكل تركيبي قوي، في لقطات كثيفة أغنت المخرج عن الكثير من الكلام، وقد تمكن المخرج من التقاط عميق للبؤس، بدون مؤثرات بصرية ومكياج إلكتروني.
الفيلم الثاني في المسابقة هو «ملك البلجيكيين» للمخرجين بيتر بروسينس وجيسيكا وودوورت. يحكي الفيلم عن زيارة الملك إلى تركيا، وأثناء ذلك تعلن منطقة والوني استقلالها ويقع حدث طبيعي يقطع الاتصالات والرحلات ويضطر الملك للمغامرة للعودة لبلده. الفيلم ممل لثلاثة أسباب:
الأول أنه يخلو من احتمال التحقق، فهو يضع فرضيتين قبل أن يبدأ… والجمهور يجد صعوبة في التصديق. السبب الثاني أن تفكك البلدان حدث تراجيدي واختار المخرجان مقاربة كوميدية متقزمة لم تصل لمستوى ارتفاع الموضوع. الثالث الذي لا يغتفر هو ضعف اللغة السينمائية. فالكاميرا ثابتة والممثلون يستعرضون حوارات طويلة سطحية في الغالب. يبدو أن المخرجين غير مسيّسين ويتناولان موضوعا سياسيا.
فيلم «رحيل» لنفيد محمودي لم يحقق الآمال المرجوة فيه، وهو فيلم أفغاني جديد على الطريق بين أفغانستان وإيران أملا عبور تركيا… فيلم عن شاب هرب من الثأر في أفغانستان ليلتحق بزوجته لكن الثأر عابر للحدود…
فيلم في أربع وعشرين ساعة ليكون الإيقاع سريعا. يبقى الممثلان بنفس ملابسهما طيلة الفيلم… تتبع الكاميرا الهاربين على سيارة وعلى دراجة… حين يتوقفان يتكلمان عبر الهاتف في الشارع. في البلد الإسلامي يفضل المخرجون الالتفاف على الرقابة بالتصوير في الشارع والحقل والتاكسي لكي لا تضطر الكاميرا للاختلاء بالممثلين في مكان مغلق يحضر فيه الشيطان. يبدو أن هذه الوصفة تتعرض للاستنزاف بسبب التكرار. أفضل الأفلام جاءت من آيسلندا والصين وينتظر أن تتوج (ولنا عودة إليها).
تكريم
بالتوازي مع أفلام المسابقة الرسمية يعرف المهرجان عدة تكريمات، إذ سيتم تكريم الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني والكوميدي المغربي عبد الرحيم التونسي والمخرجين الياباني شينيا تسوكاموتو والهولندي بول فيرهوفن.
وسيعرض المهرجان ثلاثين فيلما روسيا واحد منها في المسابقة وذلك بمناسبة تكريم السينما الروسية. وقد كانت البداية بعرض فيلم المعلم سرجي إيزنشتاين «المدرعة بوتمكين» 1925، وفيه رفض البحارة تناول اللحم الفاسد، بينما طبيب البحرية يفحص ذيل الثور المتعفن بنظارتيه، ولا يرى الدود… فيلم طبع تاريخ السينما وبصم تاريخ التحريض السياسي معا بواسطة الفن الملتزم…
على النقيض من هذا التوجه يعرض المهرجان فيلم أندري تاركوفسكي «أندري روبليف» 1966 الذي يحكي حياة راهب روسي في القرن الخامس عشر. راهب يرسم أيقونات، وهكذا جمع تاركوفسكي بين هاجسي الدين والفن… وكان تناول هذين الموضوعين في عصر الواقعية الاشتراكية خيانة…
لقط طبع السينمائيان الروسيان القرن العشرين، إيزنشتاين وتاركوفسكي، واحد مولته موسكو والثاني أرهقته، ثوري ومسيحاني، تقدمي ورجعي بلغة المرحلة، واحد منخرط في هموم اللحظة والآخر تشغله أسئلة الفن والوجود… لقطات إيزنشتاين قصيرة متوترة ولقطات تاركوفسكي طويلة مشهدية… لكن يجمعهما الأثر والعين الفنية، واحد طبع النصف الأول من القرن والثاني طبع النصف الثاني. مخرجان بعين فنية متميزة. كيف تكتشف مخرجا له عين فنية؟ بسيطة احذف الصوت وشاهد.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق