متابعات ثقافية و فنية

جون إيرفينغ يسلك «جادة الأسرار» إلى نيويورك

أنطوان جوكي

منذ روايته «العالم وفقاً لِغارْب» (1978)، التي حصدت «جائزة الكتاب الوطنية»، ما برح الكاتب الأميركي جون إيرفينغ (1942) يزاوج الواقع بالخرافة في رواياته، مجبراً شخصياته، وقارئه أيضاً، على اتّباع دروب مخيّلته الجامحة. روايته الرابعة عشرة التي صدرت العام الماضي في نيويورك تحت عنوان «جادّة الأسرار»، وصدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار Seuil الباريسية، لا تشذّ عن هذه القاعدة. فطوال نصّها الضخم (500 صفحة)، نتتبّع مسار شخصيتها الرئيسية خوان دييغو غيرّيرو من مدينة أواهاكا المكسيكية إلى نيويورك. مسار يمسك بأنفاسنا حتى الصفحة الأخيرة نظراً إلى طبيعة المغامرات والأسفار والأحداث الغريبة والغزيرة التي تتخلله.
خوان دييغو فتى مكسيكي وُلد وترعرع في كوخٍ قرب مكبّ النفايات في أواهاكا. معوّق منذ أن هرست سيارة قدمه، إنه أيضاً طفلٌ معجزة تعلم على نفسه القراءة والكتابة في الكتب التي كان يخلّصها من نيران مكبّ النفايات، ويملك وحده القدرة على فهم وترجمة ما تنطق به أخته الصغرى لوبّي التي تتكلم لغة قريبة من الأزتيكية والقادرة على قراءة أفكار الآخرين ومحاورة السيدة العذراء وسيدة غوادالوبّي.
في المرحلة الأولى من حياته، نرى خوان دييغو يُدهِش بذكائه الرهبان اليسوعيين الناشطين في مأوى للأطفال اليتامى داخل المدينة، قبل أن ينضم هو وأخته إلى فرقة «سيرك العجائب»، بعد وفاة أمّهما، ليرافق بعد ذلك الراهب اليسوعي إدوارد بونشو في نضاله للاقتران بمتحوّل جنسياً يدعى فلور. شخصيتان مثيرتان تتحابان ببراءة وتتبنّيان خوان دييغو بعد سلسلة مغامرات لا تُصدّق يستعين إيرفينغ بها لإثبات بأن الحب هو الخلاص الوحيد في هذه الدنيا، حتى في الحالات الأكثر غرابة أو شذوذاً.
في المرحلة الثانية من حياته، نرى خوان دييغو وقد بلغ سن الستين وأصبح روائياً شهيراً في الولايات المتحدة يستقي مادة رواياته من مرحلتي طفولته ومراهقته في المكسيك، ويعيش حالة ضياع ثابت بين أحلامه وحياته الواقعية التي لا تترك له مجالاً للراحة. فحين لا تنهكه مغامراته الجنسية مع ميريام وابنتها دوروتي، الجميلتين بقدر ما هما مقلقتين، عليه تحمُّل مفاعيل العقاقير المهدّئة أو المنشّطة التي يتناولها يومياً، ومناخات البلدان التي يُدعى إليها بحكم شهرته ككاتب، وفي مقدّمتها الفيليبين حيث سيعيش فترةً برفقة أشباح جنود أميركيين قتلوا خلال حرب الفيتنام.
ولا بد لقارئ الرواية من تركيز كبير كي لا يتيه داخل الحقب والحوارات المتداخلة وأفكار خوان دييغو المسترسلة من دون ضبط. ففي طفولته، يتجلى هذا الأخير لنا راشداً يتثقّف في الكتب التي يعثر عليها في مكبّ النفايات، ويواجه بتفاؤل كبير قسوة البؤس. وفي سن الرشد، نراه مراهقاً بسلوكه وأيضاً باستحضاره الثابت فصول حياته مع أخته لوبي، مع أمّه، الخادمة في مأوى اليسوعيين خلال ساعات النهار والمومس خلال الليل، ومع والديه بالتبنّي إدواردو وفلور. وفي مرحلتي حياته، تبدو النساء ساحرات بقدر ما هنّ قويّات، بينما تبدو الأسفار التي ينجزها داخل ذهنه أكثر إثارة من أسفاره الواقعية.
ولا نبالغ إن وصفنا هذه الرواية بـ «الرائعة»، ليس لأنها تلامس الكمال، بل نظراً إلى الطاقة المسيّرة داخلها، وغنى أحداثها، وأيضاً لأن إيرفينغ يفلت العنان لمخيّلته داخل سرديتها التي لا تعاني من أي كابح في طريقة حبكها. سردية توفّر له زوايا جديدة من أجل مقاربة موضوعاته الثابتة، ونقصد ثالوث الدين والجنس والموت الحاضر في معظم رواياته. ففي موضوع الدين، نراه يفصل بين الفولكلور الديني الشعبي الذي يسخر منه برقّة وطرافة، وبين الإيمان الذي لا يمسّ به، كما نراه يكشف في مناسبات مختلفة الدور السلبي للرهبان اليسوعيين في المكسيك الذين لا يظهرون كفاعلي خير بقدر ما يظهرون كعقائديين حملوا أبناء المكسيك الأصليين على اعتناق مذهبهم الكاثوليكي بشتّى الوسائل، وسعى بعضهم إلى «تطهير» مكتبتهم في دير أوهاكا من الكتب التي تكشف ذلك أو من تلك التي رأوا فيها انحرافاً عن رؤيتهم للعالم.
وبينما يحضر موضوع الجنس من خلال مغامرات خوان دييغو الإروسية، وانتعاظات ميريام ودوروتي الفجّة والصارخة، وأيضاً عبر نشاط بائعات الهوى في مدينة أواهاكا، يحضر الموت بشكلٍ عنيف ومتكرر فيطاول والدة خوان دييغو التي ستموت إثر وقوع تمثال مريم العذراء عليها في الكنيسة، أثناء تنظفيها إياه، وأخته التي ستدخل طوعاً إلى قفص الأسد في السيرك كي يفترسها فتخلّص أخاها من عبء الاهتمام بها وتفتح أمامه قدراً جديداً، ووالديه بالتبني اللذين سيصابان بمرض السيدا ويتوفّيان بعد مرحلة عذابٍ وتشوّه جسدي مرعب. ولا ننسى مربّي الأسود في السيرك الذي ستمزّقه اللبوات الثلاث شرّ تمزيق، بعد قتله الأسد، أو الأميركي الشاب الهيبّي الذي رفض المشاركة في حرب الفيتنام فلجأ إلى أواهاكا وقُتل بطريقة شنيعة في أحد شوارعها، ولكن ليس قبل أن يعده خوان دييغو بالذهاب مكانه إلى الفيليبين للصلاة على راحة نفس والده الذي توفي ودُفن هناك خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي حال أضفنا توقّف إيرفينغ في نصه لتوجيه تحية إلى كلّ من شكسبير وديكنز وهاردي وملفيل وهوثورن وكتّاب كثر غيرهم، لتبيّنت لنا كثافة روايته وثراء مضمونها الذي نتلقّاه بمتعة كبيرة نظراً إلى تحكّم الكاتب المدهش في عملية السرد التي تتبع زمنين مختلفين ـ الماضي والحاضر ـ يتشابكان إلى حدٍّ يتحوّلان فيه إلى زمنٍ واحد.
باختصار، «جادّة الأسرار» دوّامة تعزيمية تتنقّل بيُسرٍ بين الهزل والجنون والهذيان والمأساة، وتشكّل بالنتيجة نصّاً صاعقاً ومتفجّراً يتجاوب مع مفاعيل العقاقير التي يتناولها خوان دييغو وفقاً للحالة التي يرغب في أن يكون فيها. وإذ يتعذّر علينا التقاط أنفاسنا داخلها، لا نتململ من ذلك، بل نرضخ لإيقاعها المحموم مستمتعين بأسلوب كتابتها الصوري ـ كي لا نقول السينمائي ـ وبعنصر التشويق فيها وسيل أحداثها الجارف.
الملاحظة السلبية الوحيدة التي يمكن تسجيلها على هذه الرواية تتعلّق ببعض المقاطع القليلة فيها التي تبدو أقل أهمية من غيرها، كتلك المرصودة لما يحصل داخل السيرك أو تلك المخصّصة لتصوير التنافس القائم في المكسيك بين تماثيل السيدة العذراء وتماثيل سيدة غوادالوبي. ومع ذلك، يبقى إيرفينغ معادلاً لنفسه في هذا العمل الذي يتقاطع اللاهوت فيه مع الهزل، ويلطّف العجيب والخارق عذابات النفوس الضائعة، وتترافق الإغرابية مع واقعية سحرية ملتهبة.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق