.

اليمن: فُرشَاتٌ «شابة» تقْرعُ الأجراس

أحمد الأغبري

بعد خمس سنوات غياب عاد تشكيليو بيت الفن في صنعاء إلى واجهة المشهد، من خلال معرضهم الجماعي السنوي لأربعين منهم يعرضون في غاليري صنعاء (وسط المدينة) أكثر من ستين لوحة من الخامس وحتى نهاية كانون الثاني/ ديسمبر.
يستمدُ هذا المعرض أهميته من تنظيمه بعد فترة انقطاع في عموم البلاد منذ خمس سنوات، وكذا استئنافه في مرحلة يمنية تغيّر فيها الكثير، وبعد مرحلة توقف فيها كل أشكال الرعاية لتجارب الفنانين الشباب؛ وهو ما يجعل هذا (الاستئناف) يمثل، بحد ذاته، رسالة ذات دلالات منها: خصوصية علاقة الفن التشكيلي اليمني بالمجتمع وحضوره الخصب المضيء ـ رغم أنف أي سلبيات ومعوقات ـ في تحدٍ للعتمة الراهنة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ما عكسته أعمال المعرض على واقعيتها الطاغية، سواء ذات العلاقة بجمال البيئة المحلية، وهي الغالبية، أو في تلك القلة ذات النزعة التجريدية و(النازفة ألماً)، التي أصرّ أصحابها على أن يعبّروا فيها عن مواقفهم المنحازة للحياة إزاء اللحظة اليمنية في معركتها مع الموت. أقول هذا بصرف النظر عن القصور التقني والفني الواضح في معظم لوحات المعرض.
توزع المعرض بين جناحين: جناح ضم (26) لوحة هي مخرجات ورشة أقامها البيت مؤخراً بعنوان «يمن السلام» لـ17 فنانا.. فيما ضم الجناح الثاني 43 لوحة لـ26 فنانا معظمهم أسماء (جديدة جداً) التقوا جميعا تحت سقف هذا المعرض، الذي أطلقت عليه إدارة الغاليري صفة (السنوي الأول) باعتباره باكورة معارض تالية لبقية بيوت الفن.
كعادة كل معارض الفنانين الشباب في اليمن طغت الواقعية على معظم اللوحات، لكن الواقعية، في هذا المعرض، حضرت بأسلوبها الرتيب ذي التوجه السياحي التقليدي، ولم يتجاوز بعضها، للأسف، بعض الأخطاء التعليمية البسيطة في التعامل مع المعايير العامة، وهو ما كانت قد تجاوزته كثيراً، في الغالب، أعمال المعارض المماثلة خلال سنوات انتظامها سابقاً، بالإضافة إلى اشتراك هذا المعرض مع المعارض السابقة بغياب (الجُرأة والتمرد) لدى الفنانين الشباب، وهي سمة سلبية مشتركة لدى كل الفنانين الشباب في عموم البلاد لأسباب ليس مكانها هنا.
سجلت واقعية لوحات هذا المعرض تراجعاً مقارنة بما كانت عليه في المعارض السنوية المماثلة السابقة، من خلال أعمال يمكن وصفها تجاوزاً بالواقعية التجريبية التي اختفت فيها بعض الملامح العامة حد تساهلت بالمعايير العامة والواضحة؛ وهو ما قد يكون نتيجة طبيعية لوجود فنانين هواة بعضهم قدّم، في هذا المعرض، أول أعماله. نضيفُ إلى ذلك أن السنوات (التشكيلية اليمينة العجاف) السابقة، وتحديداً منذ بداية العقد الثاني من الألفية الراهنة، حَرمت هذه الفئة من الفنانين معظم أشكال الرعاية، بالإضافة إلى أنهم – أصلاً- جزء من معاناة المجتمع والبلد، المستمرة حتى اليوم، التي انعكست نتائج سلبية على المُنتَج الفني، وهو أمر طبيعي، خاصة لمنْ هم في مُستهل الطريق وبحاجة لمن يأخذ بأيديهم؛ وبالتالي فمن الطبيعي أن تأتي أعمالهم دون ما كانت عليه أعمال زملائهم في المعارض المماثلة سابقاً، بل إن استمرارهم وتسجيلهم لهذا الحضور اللوني البهي تحت أزيز الرصــاص يمثلُ منجزاً آخر يُحسب لهم (آخر معرض جماعي لبيت الفن في صنعاء كان عام 2011).
ما سبق لا يعني التقليل من قيمة هذا المعرض وبعض أعماله الجيدة؛ بل هو تأكيد لأهميته كبدايةً مُلحّة لتواصل هذه الشاكلة من المعارض، وإتاحة المنصات لهذه الفئة من الفنانين الشباب واستيعابهم في برامج تتجاوز الحكومة، ليُبادر إليها الفنانون الكبار من الأجيال السابقة، من خلال فتح قنوات تواصل مع فناني الأجيال الواعدة، بما يمكنهم من أن يشكلوا امتداداً مؤهلاَ ومُطُوُراً للحركة التشكيلية اليمنية؛ وإلا ستتسع الفجوة ويختل معها مسار تطور التجربة ككل مستقبلاً.
شهد اليمن مع بداية الألفية الثالثة طفرة تشكيلية أفرزت أعداداً كبيرة من الفنانين استوعبتها برامج عديدة منذ عام «صنعاء عاصمة للثقافة العربية 2004» افتتحها وزير الثقافة السابق خالد الرويشان، إلا أن تلك البرامج أخذت تتراجع لاحقاً إلى أن توقف معظمها عام2011؛ ولهذا لم يكن استمرار التجربة بجهود ذاتية كفيلاً بتجاوز التحديات الصعبة، التي ماتزال تعترضها حتى اليوم مع استمرار افتقار البلد لأهم المقومات، بما فيها أكاديميات فنية وبيئة اجتماعية مشجعة للفنون واستقرار اقتصادي وسياسي وأمني…الخ.
في الأخير؛ تبقى هذه النوعية من الأعمال (أعمالا واعدة) لفنانين شباب في مستهل المشوار، يؤكد واقعهم مدى تقصير البلد والمجتمع في رعايتهم ومنحهم المنصة والتشجيع.. ويكفي ـ هنا – أن نقرأ جيداً رسالة معرضهم الأخير في صنعاء، الذي يقرع جرس الإنذار بفُرشاتهم المُشبعة إصراراً وتطلعاً وحلماً.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق