متابعات ثقافية و فنية

النساء العثمانيات في عيون سجلات المحاكم الشرعية لمدينة إسطنبول

محمد تركي الربيعو

تكشف لنا سجلات المحاكم الشرعية لمدينة إسطنبول العثمانية، خلال الفترة الممتدة بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر، عن صورة جديدة حول الحياة اليومية للنساء في تلك الفترة. إذ غالباً ما صورت النساء خلال تلك الفترات (في العديد من الرحلات الأوروبية لإسطنبول) بأنهن لم يحظين بالقدر ذاته من الحرية التي حظيت بها النساء المسيحيات في المجتمعات المحلية الأوروبية. كما صوّرن غالباً بوصفهن عاطلات بلا عمل، وكسولات إلى أبعد الحدود، لا يطبخن، بل يقمن بأعمال الخياطة وشرب العيران حسب. في حين تشير سجلات الأملاك والمحاكم التي تركنها خلفهن إلى صورة مغايرة عن فعالية النساء التي أغفلها هؤلاء الرحالة، أو لم يستطيعوا إليها سبيلاً. فمثلاً تشير سجلات المحاكم إلى أن النساء الإسطنبوليات في القرن السادس عشر لم يرتدن الطرقات حسب، بل دافعن أيضاً عن حقهن في المرور دون إعاقة تذكر. فهذه درويشة بنت محمد على سبيل المثال، تسير في طريق بالقرب من قرية استاروس، فيعترض طريقها نصوح بن عبد الله الذي نعرف من مواضع أخرى في السجلات كونه شرطياً، فقاضته في المحكمة بتهمة تصل إلى الاعتداء، ويبدو من اسمها درويشة انتماؤها إلى الطرق الصوفية، التي تجمعت نزلها في منطقة اسكودار (مقاطعة إسطنبولية) وهي الطرق التي كانت عامة تقبل انضمام النساء إليها.
وكثيراً ما استخدمت المحاكم الشرعية من قبل المجتمع العثماني في المسائل التي كان من المستحسن فيها الرجوع إلى السجل القانوني، مثل مسائل نقل الملكية أو الطلاق أو الكفالة الشخصية أو القروض أو فض النزاعات التي لا يمكن حلها داخل نطاق هذه الجماعات. وفي المجمل العام، كانت المحكمة المحلية تعمل بمنزلة ملحق أو عامل مساعد لهذه الجماعات. وفي هذا السياق تبين لنا سجلات هذه المحاكم ظهورا واضحا للنساء، هذا الظهور يعلن عن نفسه في تفاصيل عديدة تتعلق بحياتهن، سواء فيما يتعلق بمطالبهن وشكاواهن أو حتى على مستوى أنشطتهن التجارية وأملاكهن، وحتى على مستوى خلافاتهن فيما بينهن. وتمدنا حادثة سرقة حدثت في الحمام العام للسيدة «نار خاتون» التي حلت ضيفة على المطعم الخيري، فدخلت الحمام لاستعماله، وبعد خروجها منه اكتشفت أن بعض ممتلكاتها سرقت مثل القلنسوة، والوشاح والقميص. فاتهمت من فورها امرأة أخرى بهذه السرقة ومن ثم قاضتها في المحكمة بتهمة السرقة. وهناك أيضاً قضية أخرى قاضت فيها امرأة جارية من جواريها، متهمة إياها بإفساد غسيلها، وهي القضية التي توضح لنا كيفية استخدام النساء للمحاكم لفض مشكلات الحياة اليومية.
ومع بدايات القرن الثامن عشر كانت إسطنبول تشهد عدداً من التغيرات الثقافية والاجتماعية التي حلت في الإمبراطورية العثمانية. وفي هذا السياق ترى فاريبا زارينباف شهر/أستاذة التاريخ العثماني في جامعة الينوي في شيكاغو في دراستها «المرأة والنظرة العامة في القرن الثامن عشر في إسطنبول» أن دراسة سجلات المحكمة الإسلامية ربما تعد أكثر المصادر أهمية لدراسة معالم هذه التغيرات، ولنقل صورة الدينامية القانونية والاجتماعية في المجتمع العثماني، التي لا تظهر في كتب التاريخ العامة.
إذ أدت الهزائم العسكرية للدولة العثمانية على يد آل هبسبورغ (معاهدة كارلوفيتز التي أُبرمت عام 1699) وعلى يد الفرس (معاهدة قصر شيرين التي أُبرمت عام 1745) وعلى يد الروس (معاهدة موجك كينارجي التي أُبرمت عام 1774) إلى إيقاظ الوعي بضرورة التغيير بين المثقفين العثمانيين، وقد ترافق هذا الوعي مع ظهور المطابع عام 1724 التي أخذت تعمل على ترجمة أعداد كبيرة من الكتب باللغات الأوروبية إلى اللغة التركية العثمانية. كما بدأت الحدائق الترفيهية والقصور الملكية تكتسب طابعاً غربياً (فرنسياً) وبدا ذلك واضحاً أكثر ما يكون في استخدام الأثاث والزخرفة. كما أخذت القصور الترفيهية لبنات السلطان وأخواته تنتشر على طول مضيق البوسفور بدلاً من الإقامة في قصر توب كابي، وهذا ما عكس زيادة قوتهن، حسب الدراسة السابقة، بل عد دليلاً على الانفتاح المتزايد فيما يتعلق بالنظرة العامة والمظهر العام للحياة الخاصة، لتحسين صورة الأسرة الحاكمة العثمانية، وتعزيز قدراتها على مواجهة التحديات الجديدة. كما أخذت مدينة إسطنبول تشهد تزايداً في أعداد الدبلوماسيين والتجار والمسافرين الأوروبيين الوافدين للمدينة، الذين سكنوا في غالبيتهم في حي غالاتا إلى جوار الجاليات اليونانية والأرمنية واليهودية، وقد نتج عن هذا التواجد الكثيف تزايد ظاهرة التبادل والتنوع الثقافي والاجتماعي للحياة الحضرية لمدينة إسطنبول، كما أخذ الرجال والنساء المسلمون يبدون اهتماماً أكبر بمسألة الاختلاط والاهتمام بالمظاهر الثقافية لهذه الجماعات الوافدة إلى المدينة، الأمر الذي قوبل بردود أفعال عديدة سواء من الجماعات الدينية (موالي الطريقة القاضيزادية) أو السلطات التي أصدرت عدداً من القوانين بشأن فرض قيود على حضور وسلوك النساء اللواتي تأثرن بالمظاهر الثقافية الجديدة لمدينة إسطنبول داخل المجال العام، فكانت المراسيم الملكية تصدر من وقت لآخر لتحد من حرية النساء في التنقل واختيار أنواع الملبس. وفي هذا الصدد، صدر على سبيل المثال أمر إلى قاضي الإنكشارية في شوال عام 1138 الموافق أيار/مايو 1725 حرم على المسلمات تقليد «الكافرات» في ملبسهن، خصوصاً ما يلحق بالثياب من أشياء مبتكرة وأغطية للرأس، لعدم استيفائها الشروط المطلوبة في الزي اللائق. وبعبارة أخرى، كانت النساء ممنوعات من لبس الأردية ذات الياقات الكبيرة، ووضع شرائط الزينة الكبيرة في شعرهن، واستخدام الأوشحة الكبيرة. وإذا خالفت النساء هذه القيود، تقص ياقاتهن وثيابهن. كما أمر أئمة المساجد بتهديد وترهيب من يحيكون ويبيعون هذه الملابس التي لا تصلح سوى «للداعرات» كما كانوا يصفونها. وبالتالي تعكس هذه المراسيم والفتاوى كيف أن عدداً متزايداً من النساء المسلمات في إسطنبول لم يعدن يرتدين البرقع في الأماكن العامة، وأخذن يستبدلنه بالقفطان المصنوع من الفرو، والقمصان الحريرية والبنطلونات، والفساتين المصنوعة من القماش الرقيق، وأنواع متنوعة من أغطية الرأس بدلاً من الحجاب. ومع أواخر القرن الثامن عشر أخذت النساء يستخدمن التقويرات المنخفضة والقماش الرقيق، وما يشبهه من أقمشة في تغطية الوجه والجسم، وقد شف عن الوجه والصدر والذراعين على نحو أكبر، ليستبدلن بعدها (في القرن التاسع عشر)، السراويل، بثياب أكثر تفصيلاً للجسم. إذ أصبحت الألوان الزاهية أو الفاتحة – كالوردي والأحمر والأخضر – أكثر انتشاراً، وصارت أغطية الرأس أوروبية أكثر في شكلها وزخرفتها. وأصبحت الأزياء الغالية التي ترتديها السيدات الغنيات، اللاتي كان بإمكانهن تحمل نفقة المخمليات والدمقس وغيرها من أنواع الأقمشة الحريرية، مع ذلك، فإن بعض الوثائق تؤكد على أن هذه المظاهر الجديد للباس اقتصرت على النخب الثقافية والنساء القريبات من القصر العثماني، بينما تابعت النساء المسلمات المنتميات للطبقة الوسطى وما دونها، ارتداء الملابس التقليدية والبراقع التي كانت تغطيهن من الرأس إلى أخمص القدمين وأمام هذه التغيرات في الأعراف الاجتماعية والجنسية التي شهدتها تلك الفترة، تظهر سجلات المحاكم مدى ارتفاع عدد الدعاوى والعرائض المقدمة من أفراد المجتمع المسلم ضد الجرائم والسلوكيات الجنسانية الجديدة التي أخذت تشهدها المدينة. وتشير الباحثة فاربيا زارينباف في هذا السياق إلى عريضة تعود لبدايات القرن الثامن عشر، وفيها جرى التحقيق في وضع امرأة تدعى خديجة ونقلت في هذا الطلب بناء على ما قاله ساكنو حي يونس الدباغ الذين أكدوا أن المذكورة خديجة وابنتها فاطمة بنت فيض الله، الغائبة مقيمتان بالحي المذكور ولكنهما لم تلتزما بالأخلاق المعروفة، فكانت تصرفاتهما غير مستقيمة، مما أدى إلى استياء أهل الحي منهما. وقد شهد سكان الحي وصرحوا بعدم ارتياحهم لهاتين المرأتين، لأنهما سليطتا اللسان وسيئتا السمعة والسلوك وهو ما يعد مخالفاً للشريعة. والجدير ذكره هنا أن الاتهامات غالباً ما كانت تتسم بالعمومية، كما أنها تستخدم صيغ وكلمات معينة مثل: «سليطة اللسان» أو «مصدر إزعاج» أو «مصدر للقلق» ولكن الاتهامات لم تكن قط تصف السلوك بأنه زنا أو دعارة، لأن الشريعة كانت تتطلب وجود أربعة شهود في الحالات القانونية التي تتضـــمن الزنا وإلا عدّ هذا الادعاء قذفاً. وفي حالة عدم التأكد من صحّة الادّعاء كانت عقوبة القذف مساوية لعقوبة الاتهام الفعلي، وربما هذا هو السر وراء قلة عدد قضايا الزنا التي كانت تحسم في المحاكم.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق