.

رواية بحرينية تستعيد زمن القرية

تغوص رواية “متاهة زهر”، للكاتب والروائي البحريني حسين عبدعلي، عميقا في القرية؛ عاداتها وتقاليدها، ناسها، أبنيتها، أزقتها، ألمها، فرحها وطقوسها. تأتي هذه المحاولة على اعتبار أن القرية بمتغيراتها بيئة خصبة وخلّاقة للكتابة السردية، لكنها لم تشبع حفرا ولا تفكيكا، وأنّ محاولات خوض غمار هذه المنطقة، بوصفها مكانا يقوده التغيير نحو شكل المدينة، لا تأتي إلا على استحياء أو خجل.

في متاهتها، تكتشف زهرة أسرار الحكاية بتفاصيلها، حكايتها وحكايات الآخرين، التي تتداخل مع بعضها البعض من بوابتي المتاهة ذاتها (دخول/ خروج)، فلا تعرف أين طرف البداية وأين نهايتها، حيث يتحوّل الدخول إلى خروج أحيانا، لذلك ثمة عودة للبداية دائما، لما حدث وما سوف يحدث، ولما قيل وما سوف يقال، لعبـة فنية يجيدها عبدعلي في أولى رواياته “متاهة زهرة” التي يستعيد فيها زمن القرية في البحرين بناسها وتفاصيل آلامها وأفراحها وطقوسها وكل عاداتها وتقاليدها.

القرية التي كانت مكتفية وقانعة بمحل ملابس واحد، يوفر حاجيات ما لا يقل عن سبع قرى متجاورة، صارت لا تختلف عن المدينة في شيء عندما اقتحمتها المجمّعات التجارية بأبنيتها الضخمة ومعمارها المغاير للتصاميم التقليدية، وبما تحمله في بطنها من ماركات تجارية عالمية تواكب آخر تطورات الموضة.

ومذ تحوّل معمارها من الأبنية الأفقية إلى البناء العمودي، حيث كانت البيوتات تلتصق الواحدة بكتف الأخرى، صارت عمارات متعددة الطوابق. هذا التحوّل المعماري يواكبه تغير سيكولوجي، فالفرد الذي كان مجبرا على المرور بكل جيرانه، صار يخرج من شقته في الطابق الخامس، ثم يختفي في بطن المصعد ليجد نفسه في سيارته، دون أن يرى جارا من جيرانه.

في هذه الرواية، الصادرة عن دار مسعى للنشر والتوزيع، نفس جديد مفتوح على السرد، بلعبة روائية ممتعة، فلكل شخصية متاهتها الخاصة، تبدأ بأسرار حادثة أولى بكل مفارقاتها الطريفة ثم تعيد ترتيب العالم الروائي للأحداث. إنها رواية تعيد الاعتبار إلى المشهد السردي الجديد في البحرين.

من جهة أخرى تعدّ رواية “متاهة زهرة” بمثابة الدخول الأخير إلى عالم الرواية والسرد، كما يقول المؤلف، يأتي ذلك من إيمانه بأن الفواصل بين الأجناس الأدبية آخذة في الذبول والتلاشي، وأن ثمة تـداخلا رهيبا بينها. وأن الاشتغال ليس حكرا على جنس معين.

ويضيف الكاتب البحريني حسين عبدعلي “فأنت كإنسان، ابن الفكرة، ابن القلق، ابن الهاجس الذي ينتظر الولادة والتشكـل. قـد تكـون ولادتـه في عـرض مسرحي، وقد يتشكل على هيئة صورة فوتوغرافية، وربما في فيلم قصير، وغير ذلك. والضرورة الحتمية أن تكون ملما ومحيطا بالشكل الذي يختاره قلقك وهاجسك، وأن تكون مدركا لقوانين ما تختاره ومطّلعا على تجارب الآخرين في النسق نفسه”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة