.

«غاندي» لزيناتي قدسية: مونودراما الجماعة!

سامر محمد اسماعيل

عد عروضه «الكأس الأخيرة لسقراط» و «غوايات البهاء» (عن نصوص لموفق مسعود) و «أبو شنّار» (من تأليفه)، يكمل زيناتي قدسية ما كان بدأه منذ عام 1985 مع رفيق دربه الكاتب الراحل ممدوح عدوان في عدة عروض انتمت إلى مسرح المونودراما، كان أبرزها «حال الدنيا» و «الزبال» و «أكلة لحوم البشر» ليعود اليوم إلى مسرحية الممثل الواحد كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً في عرضه الجديد «غاندي». العمل الذي أنتجته «مديرية المسارح والموسيقى»، بدا طبيعياً من حيث استحضار موضوع اللاعنف والنضال ضد الاستبداد عبر استعادة أفكار «المهاتما» في تقنيات «العصيان المدني الشامل» التي جعلت من الزعيم الهندي الراحل رمزاً للعمل السياسي السلمي. خيار قدسية في انتشال هذه الشخصية من التاريخ وتقديمها لجمهور (دمشق 2016) ينضح برفض الاحتكام إلى السلاح لتحقيق التغيير المنشود، برغم تباعد الأزمنة بين الحالين السورية والهندية وعدم مطابقتها بواقع الحال لا اجتماعياً ولا سياسياً، إلا أن صاحب «قلادة الدم» حاول إيجاد سياق درامي خفي يقول عنه: «ما فعلتُه هو أنني رفعتُ منسوبَ الصوت الخافت جداً في داخل غاندي إلى مداه الأقصى، وقد يكون ما يجري في بلادنا والعالم اليوم، هو ما دفعني لأرفع هذا الصوت». هكذا ارتدى مخرج العرض وكاتبه وممثله الوحيد الشال الهندي وتوكأ عصا «الروح العظيم» اللقب الذي أطلقه الشاعر طاغور على «المسيح الهندي» الجديد بُعيد قيادته لحراك لا عنفي في مواجهة المستعمر البريطاني، وحركات التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا أيام حكم الأبارتايد العنصري هناك.
زمن كامل تستدعيه الشخصية مصدّرة مواقفها في مواجهة الاستعمار الإنكليزي للبلاد الذي دام ثلاثة قرون لبلاد تم تقسيمها وانتشرت الفتنة بين أبنائها «الهندوس» و «المسلمين» لتصل ذروة المواجهة بين مؤسس حزب المؤتمر الهندي وقوات الاستيطان في ما سمي وقتها بـ «مسيرة الملح» التي قاد غاندي جموعها الغاضبة بنفسه احتجاجاً على حصر استخراج الملح بالسلطات البريطانية، ووصولاً إلى اتفاقيته الوسط مع «إيروين» (1931). طبعاً لم يكن العرض استظهاراً لمنجزات الشخصية الهندية التي قدمها الزيناتي بحذافيرها الفيزيولوجية، معيداً إلى الأذهان الشبه بينه وبين الممثل البريطاني بن كينغسلي الذي حاز جوائز عديدة كان من بينها «أوسكار أفضل ممثل» على أدائه في فيلم «غاندي» (1982) بل سعى المخرج والممثل الفلسطيني إلى مقاطعة مواقف هذه الشخصية الرافضة لوعد «اللورد بلفور» (1917) بإعطاء بريطانيا وطناً قومياً لليهود في فلسطين، منافحاً عن حقوق الهنود العاملين في أفريقيا. ربما لن يكون غريباً أن يصادف اغتيال غاندي في الثلاثين من يناير (1948) على يد أحد الغلاة من الهندوس، هو ذاته العام الذي سقطت فيه فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، فنهاية الرجل الذي مات عن ثمانين عاما من الصيام حتى الموت، وإصراره على أفكاره في العمل السياسي لنيل الاستقلال، كانت إيذاناً بعتبة جديدة من الحروب وحركات النضال في غير مكان من العالم.
مواجهة أخذت قدسية من جديد إلى وظيفة إعادة اكتشاف لأفكار المناضل الهندي، مستنداً هذه المرة إلى المادة البصرية والإضاءة التي حققها كل من أدهم ونصر الله سفر، وصولاً إلى التعامل مع تمثال رأسي للزعيم الهندي (تصميم باسل جبلي) كان له دور في التخفيف من تقنية المُخاطب الغائب في عروض الممثل الأوحد على الخشبة، فبين الصورة والنحت وصوت الممثل جمال أبو نصار في أدائه صوتياً لشخصية نائب ملك بريطانيا آنذاك (مونتباتن) حاول نجم عروض المونودراما في سوريا التدرج تلقائياً في كشط الغبار عن شخصية إشكالية غادرت العالم قبل ثمانيةٍ وستين عاماً، وفي محاولة جريئة لتغطية الفضاء الكبير لمسرح الحمراء الدمشقي، الذي جاء هنا متلازماً مع كثافة المؤثرات والموسيقى التي اختارها قصي قدسية للتعويض عن فداحة الفراغ المتروك أمام ممثل يراهن دائماً على طاقة متجددة في صياغة عرض مسرحي ذي طابعٍ إفرادي، مواجهاً جمهوره في كل مرة ببسالة وجرأة منذ قرابة نصف قرن من العمل المتواصل في مواسم المسرح القومي.
وعلى الرغم من أن المونودراما هي أقرب إلى الفنون الشخصية كالشعر والنحت والتصوير، إلا أنها لدى الزيناتي تبدو أكثر جماعية، لا من حيث وجود فردي للممثل على الخشبة وانعدام الحوار على حساب المونولوجية، بل من باب السعي دوماً لصياغة جهد جماعي مع الممثل في زمن البروفة، ومساندته حتى آخر لحظة من التدريبات، للخلاص من بعد هذا كله إلى ما يشبه جسداً جماعياً لفريق العرض ككل، يختزله الممثل في حضوره المادي على المنصة، بينما تعمل عناصر العرض الأخرى على إغناء وتطوير فهم مختلف عن شراكة فن المونودراما، وقدرته على تكثيف الحوارات الدرامية بين الدور والشخصية من جهة، وبين الممثل والصالة من جهةٍ أخرى، من غير الركون إلى عناصر زركشة فائضة ومبتذلة.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق