.

إنعام كجه جي: الغرب دمر وطني

آلاء عثمان

قبل عامين، أي في عام 2014، وصلت رواية “طشاري” للكاتبة إنعام كجه جي، إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، وقبل فترة حصدت الرواية ذاتها جائزة المعهد العربي بباريس بعد ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، ولا شك أنها رواية تستحق هذا التقدير وأكثر، فـ”طشاري” هي الرواية الثالثة في المسيرة الأدبية للكاتبة إنعام كجه جي المقيمة في فرنسا، ورغم إنتاجها القليل، إلا أنها استطاعت أن تميز اسمها ببصمة خاصة، ولأن ذاكرتها هي نصيبها الأعظم من العراق، فنجد رواياتها الثلاث كتلة من الوجع العراقي وشتات أهله.
فقدان الوطن

فوز رواية عربية بجائزة أجنبية يعدّ انتصارا للأدب العربي، ونبدأ حديثنا مع الكاتبة إنعام كجه جي حول فوزها بجائزة المعهد العربي بباريس عن رواية “طشاري”، لتعبّر عن سعادتها بهذا الفوز لأنه يمكن أن يشجع قراء الفرنسية على الإطلاع على رواية عراقية تبتعد عن المانشيتات المفزعة للصحف، ونشرات الأخبار، وتتسلل إلى تفاصيل الحياة في أسرة موصلية عاشت حلو الأحداث في البلد ومرّها، على مدى نصف قرن.

وإن كانت أجرت تعديلات على الرواية في النسخة المترجمة إلى الفرنسية من “طشاري” قبل ترجمتها، تقول ضيفتنا متسائلة “لماذا أجري تعديلات؟ الترجمة صدرت بكامل ما في روايتي من أحداث ولوعات وهناء، ووئام ديني وطائفي، وصولًا إلى التفرقة وتمزق العراق وتحول الملايين من أبنائه إلى لاجئين. الغرب تواطأ في تدمير وطني، من ضمنه فرنسا ميتران، والرواية لم تتلعثم في قول هذه الحقيقة. القوم هنا طلّقوا الرقابة من زمن طويل. ومع ما يصدر من روايات لمغاربة وأفارقة من أبناء المستعمرات السابقة، اعتاد الرأي العام الفرنسي على الملامة، يعني رؤية الوجه البشع السابق في مرآة الكتابة التي تضع النقاط الضائعة على حروف التاريخ”.

جاء أسلوب رواية “طشاري” مثيرًا ومشوقًا معتمدًا على تقنية “الفلاش باك” وأصوات سردية متعددة لكن البعض لم يعجبه الجانب التقريري في الرواية، وتوضح إنعام كجه جي في هذا الصدد أنه ليس من الطبيعي أن يعجب نص ما كل القراء، مبيّنة أن في روايتها “طشّاري” جانبا تسجيليا مقصودا، وهو أسلوب معروف في الأدب. وفيما يخصها فإنها كانت عاجزة عن التعامل بأسلوب بلاغي مع الخراب. فالمعنى الذي تميل إليه هو ذاك الواضح الذي يستمد عمقه وتأثيره من بساطته ومن المفارقات العجيبة للوقائع. الواقع الذي رأته بعينيها يزدري بالخيال. ولعل الفجيعة بفقدان وطن تبتدع بلاغتها الخاصة، كما ترى ضيفتنا.

في رواية إنعام كجه جي “الحفيدة الأميركية” ماتت الجدة العراقية قبل أن تسامح حفيدتها الأميركية، في إشارة إلى عدم التصالح بين الشرق والغرب، تعلّق ضيفتنا عن ذلك “بل عدم التصالح بين أبناء العائلة الواحدة والوطن الواحد. هل تصدقين أنني أكتب دون التفكير في بث إشارات أو دس رموز في الثنايا؟ ما تعرض له العراق وما زال يتعرض له مكشوف وعار حتى من ورقة التوت. أرى التصالح بين الشرق والغرب عنوانًا وجوديًا كبيرًا يتجاوزني. أيّ شرق وأيّ غرب في زمن العولمة؟ إن المعارك بين أهل الشرق أنفسهم توجع القلب. والتصالح الذي أتمناه هو ذاك الذي يقوم بيننا وبين حضاراتنا وأدياننا التي رأت النور، كلها قاطبة، على أرض الشرق”.

“هل هناك بلد على هذه الأرض، غير بلدنا، يتسلّى أهله بذكريات القهر وهدّ الحيل”.. هذا ما قالته الجدة لحفيدتها زينة في رواية “الحفيدة الأميركية”، وتؤكد ضيفتنا أنها تتفق مع ما جاء على لسان شخصيتها تلك، وهنا تستعيد صورة من نص لصديقتها عالية ممدوح تروي فيه كيف تجتمع الزوجات الشعبيات، وتتباهى كل واحدة على جاراتها وقريباتها بآثار الضرب التي نالتها من زوجها. في عرفهن، الضرب دليل غرام. والزوج لا يضرب امرأة لا تثيره. لذا فهي تشعر أحيانا، كما تقول، بأن العراقيين يفاخرون بدرجات المظلومية. وهم عندما يلتقون فإن لكل واحد وواحدة منهم حكايته الخاصة التي لا يتوقف عن ترديدها، ويتغنى بها، مثل التصبيرة.

نلمس تحوّلًا في شخصيات روايات إنعام كجه جي إما سياسيًا أو نفسيًا أو فكريًا. وبرزت فكرة التحول بشكل مباشر في رواية “سواقي القلوب”، حين تحولت شخصية ساري جنسيًا إلى سارة، وكأن الكاتبة تريد التأكيد على أن مأساة العراق طبعت آثارها على العراقيين، وحوّلتهم إلى أشخاص آخرين، وإن كانت كجه جي تصرّ على أنها لا تفلسف ما تكتب، بل تروي ما رأته فحسب. فإنها تتساءل هل هي النزاعات والانقلابات والحروب المتتالية، والهجرات هي التي تتلاعب بجوهر البشر؟ لتجيب في ذات اللحظة أن هناك تحولات قاسية فرضتها الظروف الخارجية على الناس. وتعود لتتساءل هل نعرف كم عدد المعطوبين والأرامل والأيتام والمهاجرين والسجناء والمخطوفين الذين لم يظهر لهم أثر عندنا؟ وما نفع الروائي والشاعر والمسرحي والقاص إذا لم يرصد ويشهد على هذه التحولات؟

وتمنّت الكاتبة أن يكون رأينا صحيحا حين حدثناه بأن عوامل كهجرتها لفرنسا مع الانشغال بالهَمّ الوطني للعراق والمحلية الشديدة في الكتابة كانت أحد الأسباب التي دفعت باسمها ليكون له بصمة خاصة.
كتابة ملحة

مرت أكثر من ثلاث سنوات حتى الآن على صدور آخر رواياتها “طشاري” دون صدور عمل أدبي جديد، ولذلك نعتقد أنها لا تنشغل بفكرة الوقت، وأن الكتابة لديها إلحاح وليست ممارسة يومية، تعلّق إنعام كجه جي ” كل يوم، قبل النوم وبعد النوم، تلحّ عليّ أحداث رواية جديدة، وأتحادث مع شخصياتها وأنا في الباص، أو السوبر ماركت، أو غرفة انتظار الطبيب. الحمد لله أن الهواتف النقالة ذات السماعات جعلت الأمر يبدو عاديًا، ولم يعد المجنون وحده هو من يتحدث مع نفسه. لكنني مراسلة لأكثر من صحيفة، وعملي اليومي يؤخّر أحلامي الأدبية. وهكذا تجدينني أمارس الصحافة يوميًا والرواية حسب التساهيل”.
تنشغل روايات ضيفتنا الثلاث بالعراق وشتات أهله، نسألها هنا كيف تجد العراق خاصة بعد الغزو “الداعشي”، لتجيبنا ساخرة “سئل الصديق الراحل محمد البساطي، وكنا في ندوة للبوكر في أبو ظبي، عن دور الروائي في تغيير الواقع، فرد بكل هدوء: ونغيّره ليه؟ إحنا كده آخر انبساط. وكان ذلك قبل خلع مبارك. كيف أرى العراق في زمن الدواعش؟ آخر انبساط”.

نتطرق مع الكاتبة إلى كيفية تعامل النص الأدبي مع هموم العالم العربي حاليًا، وإن كان يمكننا القول إن المشهد السياسي الحالي يؤسس لمرحلة جديدة لأدب الاغتراب؟ لتقول “في روايتي ‘الحفيدة الأميركية’ تقول البطلة إن الهجرة هي استقرار هذا العصر. حاليًا وسابقًا، تعامل الأديب مع هموم عالمه، بهذا القدر أو ذاك من حرية التعبير. لا أفهم معنى أدب الاغتراب. هل كانت ‘عصفور من الشرق’ و’الحب في المنفى’، مثلًا، من أدب الاغتراب؟ قرأت روايات كثيرة لجزائريين ولبنانيين يقيمون في فرنسا، ويكتبون بلغتها عن موضوعات عربية. أراهم مغتربين في الجسد لا في الكتابة. وبرأيي فإن الرواية الفرنكوفونية التي يكتبها عرب هي رواية عربية. مثلما أن روايات سامي ميخائيل وشمعون بلاص المكتوبة بالعبرية، وروايات نعيم قطان المكتوبة بالفرنسية، هي روايات عراقية ومشبعة بروح العراق رغم أن مؤلفيها من اليهود الذين غادروا العراق منتصف القرن الماضي”.

بما أنها مقيمة بفرنسا منذ ما يزيد عن 36 عامًا، نسأل إنعام كجه جي بماذا تصف لنا الساحة الثقافية فيها، وكيف تتعاطى مع الأدب الفرنسي وكُتابه؟ لتجيب “هي ساحة نشيطة أكثر من اللازم، في كل مجالات التعبير الفني والأدبي، أي أكثر من قدرتي على ملاحقتها. لكنني أتابع روايات عدد محدود من كتّاب أحب طرائقهم في الكتابة. وأركز على كتب المذكرات والسيرة، وهي كثيرة لدرجة أنها تحتاج لعشرين عمرًا إضافيًا”.

ثلاث روايات هي رصيد إنعام كجه جي الأدبي، والعراق يسيطر على أجوائها، نسألها إن كان العراق سيكون محور عملها الأدبي القادم، لتجيبنا أنه ما من مهرب من ذلك.
قصة لاجئة

يأتي اسم رواية “طشاري” -ومعناه طلقة الصيد التي تتوزع في العديد من الاتجاهات- معبرًا عن حال العراقيين وما يعانونه من تشتت ومعاناة سياسية وإنسانية واجتماعية، وصدرت الرواية للمرة الأولى عام 2013، عن دار الجديد، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر عام 2014، تُرجمت مؤخرًا إلى الفرنسية، وحازت على جائزة المعهد العربي بباريس.

وفي “طشاري” تتناول الكاتبة العراق ذلك البلد الذي حلّق فوقه طير اليباديد، وفرّق أبناءه في الداخل والخارج، حيث تدور أحداث الرواية حول العراق وأهله الممزق، فنجدها ترسم صورتين متوازيتين لما كان عليه العراق قبل نصف قرن زمن الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وما خلقته النزاعات والحروب من مآس بعد ذلك.

تدور “طشاري” في خطين الأول حول طبيبة عراقية مسيحية اسمها وردية إسكندر وهي الشخصية المحورية في الرواية، تنتقل من الموصل إلى بغداد وتستقر بها، إلا أن القدر يشاء أن تخرج من بغداد إلى الديوانية، لتعمل في أحد المستشفيات هناك، وتبقى بالديوانية ما يقرب من ربع قرن، فتتزوج وتنجب ثلاثة أبناء، ويمر بها العمر فتجد نفسها وحيدة بعد أن أصبحت في العقد الثامن من عمرها، فتقرر الهجرة إلى فرنسا، لتلحق بأبنائها الذين سبقوها إلى بلاد أخرى، وصار كل منهم في اتجاه. ولم يعد يجمع بينهم شيء سوى الحنين إلى الوطن.
وأما الخط الثاني فهو المقبرة الإلكترونية التي ابتدعها خيال إسكندر ابن أحد العراقيين المهاجرين، ليلمّ فيها شتات أفراد الأسرة الأموات، كتحقيق لأمنية تعذّرت عليه وهم أحياء، ومن هنا يلتقي الخطان، فنجد وردية ترجو الموت في وطنها إلى جانب أهلها، ويسرع إسكندر لتحقيق رغبتها بإنشاء قبر خاص بها في مقبرته الافتراضية.

تعتمد الروائية إنعام كجه جي، على أسلوب الفلاش باك، فتبدأ الرواية بمشهد وصول الدكتورة وردية إلى قصر الإليزيه في باريس، لحضور حفل يقيمه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، على شرف البابا بنديكتوس السادس عشر، يدعى إليه عدد من اللاجئين العراقيين المسيحيين الذين يجلسون في الصفوف الأولى، ذلك القصر الذي كانت تحلم وردية أن تزوره في شبابها، وإذ بها تأتيه وهي لاجئة في العقد الثامن من عمرها، ثم تنسحب الرواية لتعود بحياة وردية إلى الخلف، وتعود بنا إلى أزمنة مختلفة فتتناول حياتها في العراق القديم حين كانت الفروق في المذاهب والدين كلها تذوب داخل نسيج من العلاقات الإنسانية قبل أن يقتل التطرف كل شيء ليصبح الموت ضيفا ثقيلا في كل مكان بالعراق.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة