متابعات ثقافية و فنية

غسان كنفاني وغادة السمان وأنسي الحاج… واعترافات مقبلة!

محمد العباس

تعاطفاً مع غادة السمان، علقت بعض النسويات إثر نشرها لمكاتبات أنسي الحاج لها، بأن الرجل، وبمقتضى فائض عقيدته الذكورية، يخشى أن تنكشف هشاشته العاطفية. ويهاب أن يطّلع الناس على حميمياته، وكأنه يخجل من عرض خبراته الحسّية مع المرأة على شكل نصوص أدبية. وهذه القولات مردود عليها بالوقائع التاريخية من خلال متوالية من الرجال الذين أعلنوا على الملأ حُبّهم دون تردد أو ارتباك، حيث يشهد التاريخ على جنون قيس بن الملوح المنصّص في قصائد خالدة.
وبالمقابل لوّح بعض الرجال الغاضبين من فعلتها بأسماء عُشاق كانت تكاتبهم ولم يأبهوا بها. وقللوا من شأن رسائل كتبها شاب في لحظة من لحظة الفوران العاطفي. وكل تلك الإشارات وغيرها قد تشكل مدخلاً لفهم مبررات الانزعاج النسوي الذكوري من الإقدام على نشر رسائل غرامية خاصة من جانب واحد، إلا أنها تبتعد بمسافات عن الوعي الذي يتحكم في المرأة والرجل في فترة الاستمتاع بلحظات القرب العاطفي، وبعد مغادرة حالات الوصل.
من الطبيعي ألا تحتفظ غادة السمان برسائلها إلى محبيها. فهي تكتب بمقتضى لحظة لم تتوقع فيها أن يموت الحُبّ، بل كانت تحلم بأن تجتمع رسائلها ورسائل عاشقها في صندوق متحفي تحت سقف واحد، أو هذا ما يفترض أن يكون عليه المشهد الغرامي الذي دفعهما للتكاتب. ولكن ليس من الجائز أن تحرر نفسها من ذلك الميثاق المقدس، وتنشر رسائلهم إليها. وكأن الحُبّ يحدث من جانب واحد، على قاعدة الملكة وأسراب اليعاسيب.
في هذه الحالة يمكن توجيه الاتهام لها بأنها مجرد عابثة، ولا ترقى علاقتها بأي أحد ممن كاتبوها إلى مرتبة الحُبّ. فالمنطق يحتّم إما رفض العلاقة من أساسها والامتناع عن استقبال أي رسالة بعد المكتوب الأول. أو استمراء حالة الإحساس بأنها معبودة كل الرجال. وهذا ما يوحي به إصرارها على نشر رسائل أنسي الحاج، بعد نشر رسائل غسان كنفاني. كما يمكن التقاط تلك النزعة الأنثوية المثيرة للحيرة من خلال إحدى رسائل غسان لها، حيث يقول (ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي). كما يكرر في موضع آخر التوسل ذاته (اكتبي لي. لماذا لا تكتبين؟ لماذا أيتها الشقية الحلوة؟ أتخافين مني أم من نفسك أم من صدق حروفك؟ أكتبي). الأمر الذي قد يفهم منه بأنها تتمنع عن مكاتبته وتستدرجه إلى كتابة المزيد من رسائل التذلّل.
كل الدلائل تقول بأن غسان كنفاني الذي ارتضى لنفسه، حسب منطوق رسائله، أن تدرج اسمه في (قائمة التافهين) وأنه لم يُشبع نرجسيتها الأنثوية، وهو المآل الذي ينطبق على أنسي الحاج أيضاً. وذلك يعني أن كل عشاقها، بما في ذلك طابور العشاق اللامعلن عنهم لم يتمكنوا من تخليدها كمحبوبة، إذ لم يجن بها أي أحد على طريقة (مجنون ليلى) أو (مجنون إلزا). كما يتأكد ذلك من خلال انصراف عشاقها إلى حياتهم العائلية، وعدم تخليهم عن أي مكتسبات اجتماعية أو حياتية في سبيل حُبّها، وكذلك عدم ظهور طيفها في أي نص من نصوص أولئك الذين كتبوا الشعر والرواية.
وعندما يتجرأ غسان كنفاني ويصفها بأنها (أجمل وأذكى وأروع قطة في هذا العالم) أو عندما يكتب (صوتك ينادي كالوشوشة غهسآن). فإن ذلك بقدر ما يعني أنه استشعر القرب والأمان، لا يعني أنه يؤسس لخطاب عاشق. فهو مجرد صياد يفخخ لطريدة، وأن ما حدث لم يكن سوى نزوة هي جزء من اعتقادات غسان الذكورية، حيث يقول «أحس نحوك هذه الأيام – أعترف – بشهوة لا مثيل لها». وهي العبارة التي تقابلها عبارة أنسي الحاج «ترفضين الخروج إليّ بالعري الذي أشتهيه وأريد أن أتحمل وزره».
لم يبالغ غسان عندما سماها مراراً (الطليقة) إذ لا يمكن فهم احتفاظها بتلك الرسائل وعجزها عن تمزيقها، ثم جرأتها على نشر رسائل أنسي الحاج إلا بالعودة إلى لحظة ومبررات نشرها لرسائل غسان كنفاني. فهذا الإصرار على إعلان أسماء من أغرموا بها يؤكد على حاجة شخصية ملّحة، يمكن اختصارها في توهمها بأنها ما زالت تعيش (رعشة الحرية) بأقصى امتداداتها الذاتية، إذ لا علاقة لها بفكرة نشر الرسائل كنصوص أدبية. وهو المبرر الذي اتكأت عليه في الحالتين.
ولو كان أنسي الحاج يعتبرها نصوصاً أدبية لنشر بعضها، بعد تنقيحها، ولكنه يعلم أنها مجرد انفعالات رفع فيها من منسوب تصوره لمعشوقته إلى مستوى المثال. ولذلك جاءت مزدحمة بالأفكار والكلمات المجردة للالتفاف على فكرة إعلان رغباته الحسّية الصريحة. فما الذي تعنيه عبارة مثل (إنني بحاجة إليك) أو (أظن أنني كنت أحس بأنك منذورة لي)؟ وكيف يمكن موضعة عبارة (ليتك تعلمين كم أنت كل شيء في صيرورتي) في سياق قصة عاطفية؟ وهل يمكن الاعتداد بعبارة عاشق لم يجرب حظه مع معشوقته إلا بضعة أيام عندما يقول (إما أنت أو النهاية)؟ أو عبارة (اسكبي على عقلي نارك. خذيني. افتحي لي باباً، افتحي لي قبراً… فتتي أعصابي، خذيني).
أحياناً يفصح عن رغباته فيكتب (أشعر بجوع إلى صدرك ، بنهم إلى وجهك ويديك ودفئك وفمك وعنقك، إلى عينيك). وهذا هو جوهر خطابه العاطفي الموجه ناحيتها، مهما كانت هذه العبارة مطمورة تحت وابل من التجريدات الكلامية. وهي تعي ذلك تماماً، وإلا لم تسمح له بالتمادي، إذ كيف يمكن لامرأة أن تسمح لرجل بأن يمطرها برسائله لأيام بدون أن تتقاطع معه أو تردعه أو تتجاوب معه. ويبدو أنها كانت مستمتعة بما يصلها من رسائل. وكانت تبعث إشارات القبول أو الاستفهام، سواء عبر رسائل أو محاورات شفهية، حيث تكشف إحدى رسائله عن تواصل واقعي (وعندما اتصلت بك للمرة الأولى كنتِ ما تزالين مجرد إمكانية غامضة، لكن قوية. وظلّت هذه الإمكانية غامضة عندما قابلتك للمرة الأولى. وظلّت غامضة أيضًا عندما قابلتك في المرة الثانية، لكنها ازدادت قوة. وفي ما بعد، أصبحتِ أنت التجسيد للإنسان الذي أنا بحاجة مصيرية ملحّة وعميقة وعظيمة ورهيبة إليه).
كما يكشف مقطع آخر عن وجود صدى حواري عند أنسي الحاج لما كان يبعث لها من أشواق (هل حدث هذا التجسيد بسرعة؟ أتتّهمينه بأنه مسلوق سلقًا؟ بأنه من تصوير خيال مريض؟ بأنه إسقاط نفسي؟ بأنه انتهازي ووصولي؟ لا يا غادة. السرعة التي تتصورينها ليست في الحقيقة، سرعة. ربما كانت كذلك بالنسبة لمتفرّج من الخارج لا يعرف شيئًا عن الدوافع البعيدة والمخفية واللامباشرة. أؤكد لكِ أن العملية تمّت، على العكس، ببطء. نعم ببطء. وأعتقد أنني بذلتُ حتى الآن جهودًا جبارة لكي أستطيع الصمود أمام عدم تصديقك وأمام تريّثك وأمام انغلاقك وأمام رفضك وصمتك وابتساماتك التي تظنين أنني لا أدرك مغزاها العميق. بذلتُ جهودًا عنيفة لكيلا أنهار ولكي أحتفظ أمامك بشيء من الاستمرار والقناعة، ولو نفذتِ).
إنها رواية من جانب واحد، وهذا هو بالتحديد ما يدفع إلى التشكيك في صدقيتها. تماماً كما حدث مع غسان كنفاني، إذ كيف يمكن الركون إلى أن الرسائل المنشورة هي فقط ما كتبه أنسي الحاج وغسان كنفاني؟ وكيف يمكن التأكد من أنها لم تُخضع صندوق رسائلها إلى عملية مونتاج لاستظهار حالة عاطفية تريد التأكيد عليها؟ والأهم أنها خالفت مضمون الرسائل التي تمثل ميثاق المحبة، حيث خالفت ما كتبه غسان كنفاني مثلاً عندما كتب (إن قصتنا لا تكتب، وسأحتقر نفسي لو حاولت ذات يوم أن أفعل).
هذا هو ما يثير الاستغراب. لأنها تتجرأ على نشر ما لا يستطيع الموتى نفيه أو تأكيده أو فهمه، حيث يبدو أنسي الحاج، من خلال الرسائل، بكل مكانته الأدبية والإنسانية وكأنه في طور من أطوار دراما تدمير ذاته قبالتها (إنها المرة الأولى التي يجرفني فيها الشعور إلى هذا الحد الرهيب بأنني على وشك الجنون، فلقد كنت دائما مع نفسي حتى في أحلك ظلماتها، كنت دائما وحيدا ومع هذا كنت أحيطها وتحيطني وأعلم أن فيّ شيئاً جيداً هو حصانتي وهو قيمتي وهو خلاصي في النهاية، والآن يبدو لي أنني أضعت كل شي أضعت حتى أسراري وأنا أيضا ضعت في نفسي هل تدركين معنى هذا؟ لقد تمرد فيّ وعليّ .. تمردي القديم على العالم، التمرد الذي كنت بواسطته أرد الفعل وأندلع من قلب وحدتي كالنار).
من الواضح أنها أرادت كل ذلك الكم من الرسائل لتستخدمها كدليل على إحساسها بالمرغوبية، وأنها مشروع حُبّ مفتوح لكل من يريد أن يتبتل في معبدها، وربما هي كما قال غسان كنفاني (لا تستطيع أن تردم الهوة بينها وبين العالم إلا بالرجال) ولذلك هي تطرب لسماع أنسي الحاج وهو يقول (أحب أن أحبك لأنك تمثلين في نظري خشبة الخلاص الوحيدة الممكنة أو اللاممكنة). كما تنتشي لسماع غسان كنفاني وهو يهمس لها (أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب في الصورة التي تشائين). وإذا كانت رسائل غسان تفصح عن علاقة مديدة ومكاتبات طويلة فإن رسائل أنسي لا تقول شيئاً عن الحُبّ. والأهم أنها (ضد أخذ العلاقة إلى مداها) و(أن الرفض كان أكثر من القبول ) كما أفصحت إحدى رسائل غسان. تماماً كما عبر أنسي الحاج عن سماكة الجدار العاطفي بينهما ورفضها المغلف بالعبث (أعتقد أنني سأقول لك شيئًا واضحًا. وقبل كل شيء، هذا: إنني بحاجة إليك. إذا ضحكت الآن بينك وبين نفسك سخرية من هذه العبارة، فسيكون معناه أنك لا تحترمين مأساتي. ولن أغفر لك ذلك أبدًا. تتذكرين دون ريب أنك ضحكت مرة بمرارة، وانتقام دفين، وشك وسخرية).
ليست هذه قصة الحُبّ التي تلقي الضوء على عواطف المثقفين. ولا هي القصة التي يحلم الإنسان العربي بقراءة بعض فصولها. وإذا كان غسان كنفاني، بموجب عقيدته الذكورية، يميل إلى القول بأن الرجل مهما كانت روعة المرأة التي يعيش معها تظل عينه مصوّبة على المرأة الأخرى، فإن غادة السمان تقول، بمقتضى نرجسيتها الأنثوية، بأن عيون المرأة تظل معلقة على الرجل الآخر. وإذا كان الرجل مطالباً في حالة الحب أن يتمثل قيم البطولة ويتحلى بأخلاق الفارس، فإن المرأة المُحبة أيضاً مطالبة ببطولة ومناقبية مماثلة.
إن هؤلاء الذين طالعنا جانباً من حميمياتهم مجرد مخلوقات بشرية. لهم هفواتهم ونزقهم وحماقاتهم وأوهامهم وأحلامهم وخيباتهم ورغباتهم. أما الرسائل وعلى الرغم من كل النواقص والارتباكات التي تحف بموضوعية نشرها فتظل حقلاً خصباً لفحص وعي الرجل بالمرأة والعكس. كما يمكن أن تشكل إطلالة معقولة على مشتبهات خطاب الحُبّ عند الفئة المثقفة. فالقارئ العربي ما زال على موعد مع آخرين بموجب تلويحات غادة السمان (إن غسان كان أحب رجالي إلى قلبي كامرأة كي لا أخون حقيقتي الداخلية مع آخرين سيأتي الاعتراف بهم بعد الموت).

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة