متابعات ثقافية و فنية

وجه مصر الكوزموبوليتي في حيّ «المختلط»

هويدا صالح

يحتلّ المكان في النص الروائي أهمية كبيرة، ليس كإطار مسرحي أو كمفردة سينوغرافية للنص الأدبي فحسب، وإنما كوجود نفسي عميق ومتجذر في وعي الشخصيات التي تتشارك الفضاء السردي. وهو بالتالي موجود في وعي الكاتب أيضاً، ومن بعده القارئ الذي يعيد إنتاج النص عبر قراءته له.
يعتبر المكان من محددات وجود الذات، سواء كانت الذات ساردة أو قارئة للعمل. وللمكان في الفضاء الروائي تجليات عدة، قد يكون حيناً أحد جماليات السرد، أو تتضح معالمه عبر الوصف، وقد يتجلى أحياناً رديفاً للهوية، معبراً عن العادات والتقاليد والفنون والمظاهر الثقافية. وقد يصبح تارةً مرادفاً عاطفياً للذات ويعكس قدراً من الانتماء العميق إليه، ومن ثم تظهر فيه نوازع النوستالجيا التي، عادة تكون لأماكن الطفولة الأولى على نحو ما يظهر في رواية السيرة الذاتية، أو في الرواية الوطنية.
وفي هذا السياق، تأتي رواية داليا أمين أصلان رواية «المُختَلَط… وِدّ» (دار الثقافة الجديدة القاهرة) لتحقق هذه الأبعاد أو لنقل التجليات الثلاثة للمكان/ الهوية. تراهن الكاتبة على المكان في تشكيل الفضاء السردي. وتساعدها مستويات المكان المتعددة على أن تكتب هذه الرواية التي هي أقرب إلى رواية الأجيال. هي لم تكتب فقط سيرة المكان، بل سيرة الإنسان في المكان، وهذه التغيرات الاجتماعية والتاريخية الكبيرة التي مرت على مدينة هي أقرب الى المدن الكوزموبوليتية، وهي مدينة المنصورة، في شمال مصر.
يستغرق الزمن السردي في النص نحو مئة عام، وهو عمر منزل احدى عائلات الطبقة المتوسطة. يبدأ السرد منذ وصول الساردة إلى حيّ «المختلط»، لتشرف على ترميم المنزل نفسه، ثم تعود بالزمن لتكتب تاريخ هذا الحي وتاريخ قاطنيه: «أنظر إلى الحجر الأصفر الكبير الموجود في قمة القوس 1920، المدخل، سلم الخدم، شجرة الخروع، عريشة العنب الذابلة خلف نافذة جدتي، النخلة».
تكشف داليا أمين أصلان منذ البداية عن سؤال الكتابة في النص، فهي تدرك أنها حين ترمّم المبنى العتيق فإنها سترمّم حكاية هؤلاء الذين سكنوه، فكأن السرد يدخل في اعادة تشكيل عوالم الأسلاف: «سأعيد تدوير الحكاية. ألصق قطع الأحجية الكبيرة المتجاورة، ألخصها في رأسي، في عمري هذا، بترتيبي».
ينقسم البناء الفني للنص إلى قسمين، الأول يستغرق تقريباً مئة صفحة وتعنونه الكاتبة بأسماء الشخصيات الرئيسة، وفي هذا إشارة إلى أنها تكتب سيرة الإنسان، وتتأمل تلك العلاقات التي جمعت هؤلاء البشر الذين سكنوا في الحي المختلط، بل ايضاً في مدينة المنصورة وما حولها من قرى صغيرة. أما القسم الثاني فيمثل الحدث البنية الرئيسة فيه، وهو يستغرق بقية صفحات الرواية، ويبدأ بالحديث عن شقة «إيفان».
ومن سياق السرد نفهم أن استخدام ضمير الأنا، يشير إلى الكاتبة في شكل أو آخر. فالذات الساردة تكتب سياقات اجتماعية ملتصقة بها، بل هي جزء من وجودها. كذلك استخدمت الكاتبة اللغة المشهدية التي ساعدتها على التشكيل السردي، من دون أن تقع في فخ اللغة الإخبارية المباشرة. ولكن ما يؤخذ على النص هو كثرة الشخصيات التي تربك القارئ، فيجد نفسه في حاجة إلى «خريطة» تتضمن علاقاتهم الاجتماعية المتشابكة.
للرواية عنوان رئيس هو «المختلط»، وآخر فرعي هو «وِدّ»، ما يؤكد التحام سيرة الإنسان، بسيرة هذا المكان، وإن قدمت المكان كعتبة قرائية أولى. و «المختلط»، هو ذلك الحي الذي سكنه الأجانب، وعاشوا فيه يمارسون ثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ «كان معروفاً ضمناً أن ذلك الحي ممنوع على العامة من المصريين، لم يتملكوا فيه بيوتاً أو أراضي حتى يومهم ذلك». ومع ذلك تسلل إليه المصريون حينما اشترى جد الساردة من الإيطالي «إيفان» قطعة أرض، مشيَّدا فوقها منزلين. انتقلت الجدة «وِدّ» للعيش في أحد المنزلين، علماً أنها ولدت ونشأت في الإسكندرية.
في حيّ «المختلط»؛ «لم يكن للشابة وِدّ صديقات مصريات من الجارات. تعرفت على إيطاليتين ويونانية وفرنسية يتحدثن عربية مخلوطة بلغات أخرى، مع إيماءات من الشفاه واليدين والعينين». إذن كانت الكاتبة واعية حين جعلت من «وِدّ» عنواناً فرعياً، فعبرها عرفت الساردة الكثير عن المكان وناسه لمدى زمني طويل.
ولأننا في صدد رواية أجيال، من الطبيعي أن تصف لنا التغيرات التاريخية والاجتماعية، ليس في مصر وحدها، بل في العالم كله في إشارات خاطفة ودالة. فحين عمدت الساردة إلى استجلاء حياة فهمي، انتقلت بالسرد انتقالات سريعة، ولمحات خاطفة، فوجدنا أصداء الحرب العالمية في أوروبا، واضطهاد بعض الإثنيات الدينية فيها. وحينما أرادت أن تكتب حياة إيفان ذهبت بالسرد إلى إيطاليا، وكتبت في جمل خاطفة وسريعة بعضاً من تفاصيل الحياة هناك. تجلت تفاصيل الحياة في عصر الملكية، ثم ما بعد ثورة 1952، مروراً بالهزيمة الكبرى في 1967.
لكنّ هذه الأحداث التاريخية كانت خلفيات باهتة للتغيرات الاجتماعية الكبيرة في المدينة. فالبعد الاجتماعي هو الرهان الرئيس للنص. وكما بدأت الساردة بالحديث عن تجديد بيت المُختَلَط»، فإنها انتهت بالحديث عن وِدّ: «جدتي وِدّ فعلت مثلما فعل أبي، كانت تبكي في خلوتها كثيراً…». وقد تركت الكاتبة النهاية مفتوحة كأنها تشير الى كتابة أخرى قد تستكمل فيها هذه العوالم الثرية، ويُفهم ذلك من كلمة «يتبع» بدلاً من «تمت» تحت آخر سطر في الرواية.
لم يكن الخطاب الجمالي هو رهان الرواية الوحيد، بل ثمة خطابات ثقافية أرادت الكاتبة أن تسربها في ما يسمى «لا مقول السرد». فالآخر المختلف (شخصية فهمي وما لاقته من عنت وإقصاء) هو أحد أهم رهانات هذا النص. شخصيات العمل كانت تبحث طوال الوقت عن القبول من هذا الآخر. كذلك البعد الديني؛ كأحد تجليات الخطاب الثقافي، وعلاقتنا بالمختلف دينياً وكيفية التعامل معه، ورؤيتنا له، سواء كانت شخصية فهمي أو إيفان أو لوسييل، بل نكتشف ان الآخر الديني نفسه مختلف في داخله. فالكنيسة تبعد الراهبة (لوسييل) لأنها عطفت على فهمي الأشعل، المختلف عنها. وعلى رغم رحيل فهمي خلفها فإنها رفضت استقباله في كنيستها الجديدة التي أُبعدت إليها، في حين كان متوقعاً منها أن تتمتع بمقدار أكبر من التسامح تجاه الآخر.

(الجياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق