.

الثقافة المصرية في 2016.. افتقاد العمالقة

حنان عقيل

رغم زخم الملتقيات والتظاهرات الثقافية في مصر هذا العام 2016، مازلنا لا نستطيع الحديث عن إنجازات بارزة على الساحة الثقافية المصرية، فلا زالت الثقافة مهمشة كعادتها في العقود الأخيرة ولا زال المثقف المصري سائرًا في ظلام دامس غير قادر على أن يرى بصيصًا من النور أو أن يحمل شعلة تنير له ولغيره ظلام استبد بالبلاد منذ حقب بعيدة رسّخت لتهميش لا زال يعاني منه المثقف أعوامًا تلو أعوام.

ربما يُنبِه صخب الضجيج آذان هؤلاء الغافلين عن مشاكل تعاني منها الثقافة المصرية ولا زالت غير قادرة على تجاوزها، وهذا ما حدث خلال العام مع “محاكمات الخيال” التي وقف فيها كاتب مصري يدافع عن حقه في أن يكتب “خياله” وألا يتم معاقبته على ذلك، دون أن يجد آذانًا صاغية واعية لما وراء مثل هذه المحاكمات من الارتداد مئات الخطوات إلى الخلف. الضجيج ذاته الذي صدر عن برلماني مصري بحق أعمال الروائي الراحل نجيب محفوظ عكس حجم الخواء المعرفي والثقافي الراهن، وهذا ما يتبدى ظاهرًا مع كل أزمة تثبت أننا لازلنا في صراع مع بديهيات فكرية.

أزمات ثقافية

شهدت الساحة الثقافية في مصر عددًا من الأزمات خلال العام، كان أبرزها الأزمة التي أثارها الحكم القضائي الصادر في شهر فبراير/شباط بحبس الكاتب المصري أحمد ناجي لمدة عامين، بتهمة نشر مواد أدبية تخدش الحياء العام، إثر نشره فصلًا من روايته “استخدام الحياة” في أحد أعداد جريدة “أخبار الأدب” المصرية، ورأت النيابة، في أمر الإحالة، أن “الاتهام ثابت على المتهم لنشره مادة مكتوبة نفث فيها شهوة فانية ولذة زائلة، وأجّر عقله وقلمه لتوجه خبيث حمل انتهاكا لحرمة الآداب العامة وحسن الأخلاق والإغراء بالعهر خروجا على عاطفة الحياء”.

وكانت الأوساط الثقافية المصرية قد انتفضت ضد الحكم الصادر ضد ناجي معتبرين ذلك انتهاكًا غير مقبول لحرية الإبداع، كما رفض عدد من الكتاب أن يخضع “الخيال الروائي” لمحاكمة قضائية، معتبرين ذلك حلقة في سلسلة مقبلة من الانتهاكات المتوقعة ضد الكتاب والمبدعين.

أيضًا، شهد اتحاد كتاب مصر عددًا من الأزمات إثر إعلان الكاتب محمد سلماوي عن رغبته في عدم الترشح لرئاسة الاتحاد، وهو ما دفع عددا من أعضاء مجلس الاتحاد بتقديم استقالاتهم متهمين رئيسه علاء عبد الهادي باتخاذ قرارات فردية لضمان سيطرة تيار الإخوان المسلمين على الاتحاد، ووجود الكثير من المشاكل في سياسته، ما دفعهم لإصدار بيان يوضحون فيه أسباب استقالتهم والمشاكل التي يعاني منها الاتحاد، وعُقِد اجتماع برئاسة سكرتير عام الاتحاد حزين عمر، أقر خلالها سحب الثقة من علاء عبدالهادي واستمرار المجلس في حالة انعقاد دائم، وجرت انتخابات على موقع رئيس الاتحاد وفاز بها حامد أبو أحمد، ونائب الرئيس فاز بها مدحت الجيار.

ومؤخرًا، ثار الجدل في الأوساط الثقافية المصرية عقب الاتهامات التي ألقاها أحد أعضاء البرلمان المصري للروائي العالمي الراحل نجيب محفوظ بخدشه للحياء في أعماله الروائية.

فعاليات بارزة

يأتي معرض الكتاب في مطلع كل عام، كأحد أهم وأبرز الأحداث الثقافية التي تشهدها مصر، وفي العام 2016 أقيمت الدورة الـ47 للمعرض بعنوان “الثقافة في المواجهة”، باختيار دولة البحرين كضيف شرف للمعرض، والأديب الراحل جمال الغيطاني كشخصية العام.

وشارك في هذه الدورة من المعرض 850 ناشرًا عربيًا وأجنبيًا، وبلغت عدد الدول المشاركة في المعرض 34 دولة، كما رفضت هيئة الكتاب مشاركة 87 دار نشر في المعرض بحجة ترويجهم لكتب الطائفية والعنف.

وفي سبتمبر 2016، أقيمت الدورة الثالثة من مؤتمر “قصيدة النثر” تحت شعار “في الإبداع متّسع للجميع” بمشاركة من شعراء من المغرب ومنهم إدريس علوش، وعبداللطيف الوراري، وأكثر من خمسين شاعرًا وشاعرة من مصر لمناقشة عدد من القضايا المتعلقة بواقع هذا النوع الشعري في الوقت الراهن، وشهد المؤتمر نجاحًا على مستوى المشاركة والمتابعة.

كما عرفت هذه الدورة من مؤتمر قصيدة النثر مشاركة من الهيئة المصرية العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة في دعم المؤتمر من خلال إعادة طبع الأعمال الخاصة بالمؤتمر.

وفي نوفمبر 2016 أقيمت في القاهرة فعاليات الملتقى الدولي للترجمة، على مدى يومين تحت عنوان “الترجمة مشروعًا للتنمية الثقافية”، بحضور 54 مترجمًا، منهم 42 مترجمًا من مصر و12 من خارجها.

وشهد الملتقى، الذي عاد بعد غيابه لسبع سنوات، مناقشةً عدد من المحاور المتعلقة بالأمانة والدقة في الترجمة، والصعوبات التي تواجه المترجم إلى لغات كاليابانية والألمانية، وتحديات الترجمة الأدبية وترجمة الشعر بوجه خاص، وتأثير الترجمة على الثقافة المستقبلية، وغير ذلك من المحاور. فيما برزت على الجهة الأخرى انتقادات وتساؤلات حول جدوى إنفاق أموال طائلة في استضافة عدد كبير من المترجمين بينما يمكن أن تذهب تلك الأموال في جهود فعلية لتطوير الترجمة، فضلًا عن التساؤلات حول ما تعنيه كلمة “دولي” في مؤتمر الحضور الأجنبي فيه شبه منعدم.

في شهر نوفمبر ذاته من العام الجاري، شهدت الأوساط الثقافية جدلًا واسعًا عقب الإعلان عن اقتراب موعد الملتقى الدولي للشعر، الذي عقد في القاهرة على مدى أربعة أيام بمشاركة 13 دولة و65 شاعرًا من مصر ودول أخرى، إذ شهد الملتقى انسحابات واعتذارات عن المشاركة من قبل عدد من الشعراء الذين رفضوا هيمنة الوجوه الشعرية المنتمية لجيل ستينات القرن العشرين والتي تهيمن على الملتقى منذ دورته الأولى في 2007.
وبعد أربعة أيام التأمت خلالها العديد من المناقشات حول عدد من المحاور المتعلقة بالشعر، أُعلِن عن فوز الشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة بجائزة الملتقى، وسط ترحيبات من بعض المثقفين، ورفض من قِبل آخرين.
إصدارات وجوائز

الكثير من الإصدارات التي يصعب حصرها يمكن الحديث عنها خلال العام 2016 في شتى المجالات الأدبية من شعر وقصة ورواية ونقد وأدب شعبي وغيره، ففي الشعر برزت عدد من الكتابات الشعرية العامية وقصيدة النثر ومنها “لا هي تشتهيك ولا هم يعرفونك” ديوان فصحى لعبدالنبي عبدالسلام عبادي، “دم على شفة الناي” ديوان فصحى لمحمود شريف، “الوقت سرقنا” ديوان شعر بالعامية لأمين حداد عن دار الشروق، و”بقايا ألبوم قديم لبرجوازي صغير” للشاعر علي منصور، والمجموعة الشعرية الأولى للمترجم المصري محمد عناني “أصوات وأصداء”.

وفي الكتابات النقدية، صدر كتاب “شعرية الاختلاف” للناقد شكري الطوانسي عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، والذي يتناول فيه بالتحليل تجربة الكاتب الراحل إدوار الخراط، وكتاب “الأوراق المجهولة.. مخطوطات طه حسين الفرنسية” من تحقيق وترجمة عبدالرشيد محمودي، وكتاب “فن الإبيجرام في الشعر العربي المعاصر” للناقد عبدالله رمضان، وفيه يحاول سدّ خانة النقص الخاصة بالتنظير لذلك الفن، فضلًا عن كتاب “استلهامات ألف ليلة وليلة في الشرق والغرب” عن الهيئة العامة لقصور الثقافة للشاعر أحمد سويلم.
مبدعون راحلون

على صعيد المجموعات القصصية، تعددت الإصدارات ومنها إصدار الكاتب مصطفى الشيمي مجموعة بعنوان “مصيدة الفراشات”، كما صدرت للكاتب شريف صالح مجموعة قصصية بعنوان “دفتر النائم”، ومجموعة “عسل النون” لمحمد رفيع. وفي مجال الرواية، صدرت عن دار الهلال رواية “مسامرة الموتى” لليمني محمد الغربي عمران، و”بيت السناري” لعمار علي حسن، ورواية “نور” للروائي يوسف زيدان، “حذاء فيلليني” للمصري وحيد الطويلة، “رحلة الدم” لإبراهيم عيسى.

وكعادة الجوائز الأدبية التي باتت من سمات المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة، تتربع الرواية على عرش المنافسات على الجوائز، وإن كانت جائزة نوبل هذا العام، قد ذهبت خلافًا للتوقعات بفوز روائيين أو شعراء إلى الموسيقي الأميركي بوب ديلان، إلا أن جوائز الرواية في العالم العربي تساهم عامًا بعد عام في التكريس لهذا النوع الأدبي.

كذلك بلغت القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية رواية “عطارد” للمصري محمد ربيع، كما فازت رواية “الأزبكية” للكاتب المصري ناصر عراق بجائزة كتارا عن فئة الروايات المنشورة ، كما فازت بجائزة أفضل رواية يمكن تحويلها لعمل درامي.

في مطلع العام، خيم الحزن على الأوساط الثقافية المصرية برحيل الأديب المصري علاء الديب عن عمر ناهز 77 عامًا بعد مشوارٍ أدبي حافل بعدد من الروايات والمجموعات القصصية التي شكلت رافدًا مهمًا في السردية المصرية ومن أبرزهم “عيون البنفسج”، “أيام وردية”، “قمر على المستنقع″ فضلًا عن الترجمات لعدد من الأعمال الأدبية العالمية.

وفي شهر أكتوبر أيضا غيّب الموت الشاعر والإذاعي المصري فاروق شوشة عن عمر ناهز 80 عامًا، بعد أن أثرى الحياة الثقافية المصرية بأعماله الشعرية المتعددة ومنها “الجميلة تنزل إلى النهر”، “في انتظار ما لا يجيء”، “يقول الدم العربي”، وغير ذلك من الأعمال الشعرية والنقدية.

وفي الشهر ذاته، رحلت الكاتبة المصرية نعمات أحمد فؤاد عن عمر 90 عاما بعد حياة حافلة بالمعارك المدافعة عن الحضارة المصرية، تاركة وراءها إرثا من المؤلفات الهامة منها “صناعة الجهل”، “الجمال والحرية الشخصية في أدب العقاد”، “القاهرة في حياتي”، “الإسلام وإنسان العصر”، والعديد من المؤلفات غيرها.
رواية غير حقيقية

يقول القاص والروائي ممدوح عبد الستار إنه “لا يوجد منجز ثقافي لافت للنظر، مغاير عن الأعوام السابقة، نفس الفاعليات الثقافية، نفس الوجوه الثقافية المعروفة في كل بلد عربي، لا يوجد تجديد للخطاب الثقافي والفكري، وأصبحت الثقافة هي الرواية والقصة والشعر، الثقافة حالة جامعة لكل الثقافات الفكرية والإبداعية وحتى الشفهية منها، والتقصير من القيادات السياسية ومن الدول التي لا تساند أو تطرح مشروعا فكريا تنويريا، وتضع سبل تحقيقه بوسائل حقيقية مثل دمج المعرفة الحرة في المدارس الحكومية والخاصة، وتشجيع فكرة الابتكار والابتعاد عن التلقين الذي هو سبب ما نحن فيه، وإعفاء مستلزمات صناعة الكتاب، ليستطيع الجميع الحصول على المعرفة بشكل جيد”.

ويرى عبد الستار أن انتشار جوائز الرواية في كل الأقطار العربية جعل هذا اللون السردي هو المهيمن على الساحة، وأصبحت الروايات الفائزة هي محط أنظار القراء والنقاد والمجلات الثقافية، بغض النظر عن جودة العمل الروائي، وهو ما شكل تيارا جارفا للكتابة الروائية، وجعل كل دور النشر تهتم بها دون غيرها، على الرغم، من أننا في حاجة ماسة لكل أنواع الفنون السردية، وأيضا الشعر، كما يقول.

هذه الحالة تشعرنا بأننا أفضل الأمم في كتابة الرواية، وهذا غير حقيقي على الإطلاق، في رأي القاص، لأن الروايات الجيدة قليلة جدا، ولا تجد من ينقذها من جحيم الشللية، وحجم التطبيل للروايات التي لا تستحق.

أما فيما يتعلق بمنجز الأدبي النسوي فقد أصبح جيدا جدا بالمقارنة بالأعوام السابقة، وخاصة في قصيدة النثر وأدب الأطفال، كما يقول ممدوح عبد الستار، لكن، في اعتقاده، قليلة هي القصص السردية الحقيقية الموجودة، وأيضا قليلة هي الروايات المميزة. فقد قرأ روايات كثيرة هذا العام، لكنه في الحقيقة قرأ الروايات المترجمة من بلدان مختلفة، وهو ما يجعله لا يراهن على الروايات العربية التي تضعه في سؤال دائم، أو حالة مختلفة، ورغم ذلك أعجبته رواية “حذاء فلليني” لوحيد الطويلة، لأنها تتناسب مع الحالة العامة، وحالته، وقد قرأ ديوان عزمي عبدالوهاب، وأعجبه كثيرا، وبعض قصائد محمد حربي، وديوان مخطوط لعادل العدوي.

ومن جهة أخرى يرى عبدالستار أن مفهوم التنمية الثقافية بات حاضرا بقوة في دول الخليج العربي، بسبب الاهتمام المباشر من المؤسسات المعنية بذلك، وبدأ شيوع المكتبات، وانتشار دور النشر، والفعاليات الثقافية الكثيرة والمتنوعة.

نوع من الحراك

من جانبه لا يشك الشاعر المصري أشرف قاسم، أن أهم إنجازات الثقافة في 2016 على المستوى الشخصي كان إقامة معرض الكتاب في دمنهور لأول مرة بجهود شباب الأدباء في البحيرة،. أما أبرز الظواهر الثقافية التي غزت الساحة الثقافية العربية خلال العام، فلا شك هي ظاهرة الصالونات الثقافية والتي أحدثت نوعا من الحراك الثقافي في ظل الأوضاع الاجتماعية الصعبة، كما يقول الشاعر، الذي يرى في جانب آخر أن حصة الأدب النسوي من المنجز الثقافي العربي لا بأس بها، آملا أن تزيد خلال السنوات القادمة. فالمرأة الآن، كما يؤكد الشاعر، تقف مع الرجل في خندق واحد اجتماعيا وثقافيا وينبغي أن نتعامل معها دون تمييز.

من ناحية أخرى يقول قاسم “أفضل ديوان شعر قرأته ‘خرز الوقت‘ للشاعر السعودي علي الدميني، وأفضل رواية ‘عرش الدينار‘ لعبدالسلام إبراهيم و‘شهب من وادي رام‘ لبشرى أبو شرار، أما أفضل مجموعة قصصية فهي ‘مجنون الحي‘ لعزة دياب”.

ويضيف”لقد أثرت المتغيرات السياسية على المنتج الثقافي كثيرا بلا شك ومن صور هذا التأثير استغلال بعض دور النشر الخاصة للأدباء الشباب عند نشر أعمالهم نتيجة للوضع الاقتصادي المتردي في أغلب البلدان العربية”.
التخلي عن الشوفينية

يأسف الناقد الأدبي يسري عبدالغني لأن الإنجازات الفردية في مجال الدراسات أو الإبداع ما زالت هي المسيطرة على كل مناحي الحياة الثقافية العربية، إذ ككل عام نحاول أن نرصد إنجازًا عربيًا نتعاون فيه نحن جميعًا كمثقفين عرب، عبر همّنا المشترك، فلا نجد ذلك كما يقول.

يتابع عبدالغني “نعم هناك جوائز أدبية عديدة ورغم ما يثار حولها من جدل، فهي نوع من التحفيز المهم لأولادنا من الشباب المبدعين، وكذلك معارض الكتب العربية، والندوات الثقافية والفكرية، والمؤتمرات النوعية، آملين أن تتاح الفرصة لكل أهل الثقافة في المشاركة بعيدًا عن نفس الوجوه التي ألفناها وحفظناها ومن الممكن أن نردد عن ظهر قلب كل ما يقولون في أي فعالية”.

ويعتقد الناقد أن ظاهرة الورش التي تعلّم الكتابة أو الفنون الأدائية من أبرز الظواهر التي انتشرت بشكل كبير، لافتا إلى أن هذا موجود في الغرب، ويعود بالفائدة على الناشئة أو من يريد أن يجود في إبداعه، ولكنه يطالب بأن يكون من يحاضر أو يدرّب في هذه الورش صاحب خبرة وثقافة واسعة.

ويعود الناقد يسري عبدالغني ليأسف من المنجز الثقافي الذي لا يعبّر عمّا نقابله من تحديات على المستوى المحلي أو الإقليمي أو العالمي. أما فيما يخص الأدب النسوي أو النسائي، فهو في نظر عبدالغني حقيقة واقعة لا جدال فيها، ومهما كان الرأي، فالمرأة خير من يعبّر عن معاناتها وشواغلها، ولكن البعض يقول إن كاتبا مثل إحسان عبدالقدوس عبّر عن المرأة كما يجب، لكن ضيفنا يقول إن الظروف اختلفت والحياة دخلتها العديد من المستجدات، ومن هنا فخير من يعبّر عن شواغل واهتمامات وأفكار وتطلعات المرأة هي المرأة نفسها، ويلفت هنا إلى أن أعمالا عديدة لكاتبات متميزات ظهرت خلال هذا العقد والعقد الذي قبله.

وحول التنمية الثقافية يتابع الناقد “إنها منظومة لو وعينا مفرداتها لسرنا في طريق التنوير والتقدم والرقي، ولا مكان لنا تحت شمس الحضارة التي كنا من صناعها إلا باستراتيجية ثقافية عربية ترتقي بكل مواطن عربي، ومفهوم التنمية الثقافية غائب عنّا رغم أننا نعيه وندركه جيدًا، ولكنّنا في شغل شاغل بمعاركنا الجانبية من أجل منافع زائلة لا تجعلنا نتقدم بل تعود بنا إلى الوراء”.

ولا يشك عبدالغني أن ما نعيشه من انفجار معرفي وثورة اتصالات وتقنيات تكنولوجية وتواصل اجتماعي لا حدود له، كان له أكبر الأثر على الثقافة، فهناك إيجابيات لهذا الواقع أهمها المعلوماتية التي أصبحت جزءًا فاعلًا من حياتنا، والنشر الإلكتروني، وفي نفس الوقت كان ذلك على حساب الجودة والتجويد في الإبداع والدرس والأنساق الفكرية.
مسئولية مشتركة

يعتقد الروائي وأستاذ الأدب محمد سليم شوشة أنه لا توجد إنجازات ثقافية فارقة هذا العام، إذ ليس هناك جديد في رأيه، وكل ما هنالك أن فعل الإبداع والإنتاج الثقافي بكافة صوره مازال ممتدا على استحيائه الطبيعي، يقابله فعل الاستقبال الجماهيري وهو كذلك لا جديد فيه. والتقصير في نظره يكمن في غياب الدور الرسمي والحكومي الداعم للثقافة دون توجه معين ودون قيود أو شروط.

أما أبرز الظواهر الأدبية هذا العام فيراها شوشة متمثلة في رواية البوح أو الرواية الشبابية غير الاحترافية، وهي نوع من الكتابة الاستهلاكية وغير المؤهلة للبقاء، في رأيه، إذ هي أقرب للدردشة أو الحوار الذاتي في فئات عمرية معينة، كما لو أن الدردشة والبوح انتقلا من مواقع التواصل الاجتماعي ليسكنا الكتب، حتى يعطي هؤلاء الشباب لأنفسهم الصبغة الأدبية أو يحاولوا لفت الانتباه لأنفسهم. وكذلك يذكر أستاذ الأدب رواية المرأة الشبابية وهي المناظر لفكرة البوح كذلك، ويعتقد أنها نصوص واهية وتعتمد على الارتجالية والخاطرة وليس لها شكل فني قار أو قابل للتنامي من وجهة نظره.

ويقول شوشة حول الروايات العربية “الحقيقة أنني قلّما أقرأ روايات عربية، وفي المدة الأخيرة قررت إعادة قراءة جوزيه ساراماغو وأمبرتو إيكو في إطار طموح لعمل نوع من المقابلة بين بعض كتاباتهما المتشابهة، وبخاصة بعض التقنيات السردية التي اتفقا على قيمتها الفنية وتوظيفها بشكل معين”.

ويعتقد أستاذ الأدب أنه لا توجد أيّ مظاهر لتنمية ثقافية حقيقية سواء في مصر أو في أيّ دولة عربية أخرى، والعنوان الذي يراه، هو “يبقى الحال على ما هو عليه”.

يضيف “الانفجار التقني ووسائل التواصل الاجتماعي أمر اكتمل من بعيد وأصبح دوره مستقرا وفاعلا ومعهودا. الجديد فقط أن النشر الإلكتروني ربما قدم بديلا أكثر توفيرا للطباعة والنشر التقليدي، وهو أمر أعتقد أنه في غاية الأهمية وبخاصة للشعراء وكتاب القصة، وبخاصة بعد عزوف كثير من دور النشر عن طباعة الشعر والقصة القصيرة إلا بإسهام من المؤلف في التكلفة”.

ذاع صيت الأنثى

وحول الإنجازات الأدبية لهذا العام يقول الناقد الأدبي عزوز علي إسماعيل “إن من أهم الإنجازات الثقافية في العام 2016 كانت معارض الكتب في الدول العربية بدءاً بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ومروراً بكل المعارض في البلاد العربية، ويخص بالذكر معرض القاهرة للكتاب لأنه في هذا العام قد تميز بأن ارتفع مرتادوه من الفئة العمرية من الشباب، وهذا يبشر بالخير لأن هؤلاء الشباب هم من قامت على أكتافهم ثورة يناير، وأصبحوا يشقون طريقهم نحو القراءة ولم يكتفوا بالإنترنت أو بوسائل التواصل الاجتماعي.

أما عن التقصير في الثقافة فيرى الناقد أنها قد قصّرت في حق الشباب إذ هناك أعداد كبيرة من الشباب الذين لم يستطيعوا نشر أعمالهم بسبب ارتفاع تكلفة النشر وافتقارهم للمال لكي يقوموا بنشر أعمالهم. متسائلا هنا لماذا لا تساعدهم الدول ويكون هناك صندوق خاص بالأعمال الإبداعية للشباب في معظم الدول العربية.

وفيما يتعلق بأبرز الظواهر الثقافية التي غزت الساحة العربية في العام الجاري فهي الأعمال الإبداعية التي تضمّ أجناساً متعددة من الأدب، كما يلاحظ إسماعيل، والمسمّى الخاص بها “رواية”، بمعنى أنه يوجد فيها كتابات من جنس المسرح والقصة القصيرة فضلاً عن أشعار عديدة، وهنا يقف النقد حائراً لبرهة وسرعان ما يتدارك ذلك، وتدرس تلك النصوص في مجملها على أنها رواية وهذا ما يسميه هو “حراك النوع الأدبي” وتداخل الأنواع الأدبية. وهنا لا بد، في رأيه، من تدخل النقاد والقيام بمؤتمرات حول هذه الجزئية تحديداً حيث أنها قد غزت الأوساط الأدبية، ومن النماذج التي يذكرها الناقد: هدى توفيق في مجموعة “عدوى المرح” التي تضم مسرحية وعددا من القصص، ورواية “كل من عليها خان” للسيد حافظ وغيرهما من الأعمال الإبداعية.

فيما يخص كتابات المرأة يرى ضيفنا أنه قد ذاع صيت الأنثى أدباً: شعراً ونثراً، وهو لا يريد أن يفرق بين الأدب النسوي والأدب الرجالي، فالكل يكتب للكل، وهناك العديد من النساء يكتبن للرجال أو للعامة من الناس منطلقات من مبدأ الإنسان بمعنى لا تنطلق من مبدأ الأنثى التي تحاكي أو تتحدث إلى الأنثى، ويستشهد هنا بديوان شعر “تطوقني المسافة” للكاتبة عبير زكي، الذي تنطلق منه الشاعرة من جزئية الألم الإنساني لتخاطب فيه الضمير الجمعي للناس، وهي متشعبة بالتراث، وأيضًا يذكر الشاعرة عزة رياض في ديوانها “حياة”، إذ تكتب قصيدة نثر تقدم من خلالها نماذج مميزة من القصائد الجميلة التي تتناول فيها حياة الأم التي فقدتها وتبحث عن الخلاص في الشعر وبالشعر. ويستخلص الناقد أن الأدب النسوي أصبح منجزاً ثقافياً لا ينكره أحد وهو في تصاعد مستمر.

فيما يتعلق بأفضل الأعمال الأدبية التي قرأها يقول إسماعيل “أفضل ما قرأته من أعمال روائية هي رواية ‘أرض الإله‘ للكاتب أحمد مراد، ورواية ‘القلب البديل‘ للكاتب العراقي محمود جاسم النجار، ورواية ‘نادي العباقرة الأخيار‘ للكاتب التونسي كمال العيادي، إضافة إلى رواية ‘الطلياني‘ للتونسي شكري المبخوت، و‘شوق الدرويش‘ لحمّور زيادة”.

في جانب آخر يرى إسماعيل أن مفهوم التنمية الثقافية حاضر في الذهنية العربية المثقفة، ولكن هناك أمور سياسية تطغى على بعض المثقفين للأسف فيلجأون إلى الحديث عن المنجز الثقافي وينسبونه إلى حياة الرخاء التي يتمتع بها العالم العربي وهذا ليس صحيحاً، كما يقول، فما زلنا في حالة ألم ولم يحصل الشباب على شيء حتى الآن، وأملهم في القادة كبير ويبحثون عن المخلّص ويتمنون رؤية من يأخذ بأيديهم، فقد أصيبوا بالإحباط وما زالوا يعيشون تبعات الثورات التي أثّرت على الذهنية، كما يرى الناقد.

يتابع “للأسف أصبح هناك جيل منقسم على نفسه إما مع أو ضد، وأقصد بمع، أن الثورة قد حققت إنجازاتها وهو مع الحاكم في هذه الحالة وهناك من لا يقبل بهذا الكلام ظناً منه بأنه لم يحصل على شيء، وبالتالي يلجأ إلى الكتابة الغرائبية والعجائبية للتنفيس عمّا بداخله وقد رأيت هذا وذلك”.

يضيف “ساعدت التقنيات الحديثة على نشر المعرفة وأقولها صراحة أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي المتنفس عن الكبت والألم الذي عاشه الشباب وأرى هناك كتابات رائعة لكتاب يكتبون ما يسمى بالبوستات، أشعر فيها بالأدب سواء نثراً أم شعرا، وهناك اتجاه إلى النشر الإلكتروني بمعني تصبح المؤلفات عبر صيغة الــ‘بي دي أف‘ وتنشر عبر الوسائل ويقرأها الآلاف من الشباب وهذه وسيلة اتبعها البعض في الوقت الحاضر نظرا إلى أمور كثيرة أهمها غلاء الأوراق وصعوبة الطبع في المطابع الحكومية”.

نقلة نوعية

الناقد الأدبي محمد عبدالباسط عيد يقول بدوره إنه “لا يمكننا -بكل أسف- أن نتحدث عن رؤية محددة للثقافة المصرية عبر مؤسساتها المختلفة، فعلى سبيل المثال لا أجد المنجز الذي تقوم به لجان المجلس الأعلى المختلفة، ولا نعرف ما الذي تضعه من سياسات أو ما الذي تسفر عنه اجتماعاتها الدورية، بل لا يمكننا أن نعرف الهدف من الملتقيات والمؤتمرات غير الدعاية التي لا تدعو لشيء، إنها فقط تسفر عن نفسها، وكأن كل وظيفتها أن تقول لنا بين الحين والآخر إنها هنا…! لكن وفي المقابل، هناك بالفعل مبادرات جادة يقوم بها الأفراد والمجموعات المثقفة في تجديد الخطاب الديني، في غياب شبه تام للمؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية”.

يتابع الناقد “هناك دور مؤثر يقوم به الأفراد والمؤسسات غير الحكومية في هذا الإطار، إذ كان إسهامهم واضحًا قويًّا في أطروحاتهم، حتى أنه يصح القول: إن نقد الخطاب الديني والدخول إلى المناطق المسكوت عنها هو أهم منجز ثقافي، فما يتحدث فيه هذا الجيل من الكتّاب لم يسبق أن تحدث فيه أو عنه الجيل السابق، لقد انتقلوا من نقد الظواهر والممارسات إلى نقد النصوص نفسها، قد نأخذ على هذا الخطاب انفعاليته أحيانا، وعدم ارتكازه على منهجية واضحة يمكن من خلالها اختبار مقولاته والبناء عليها، ولكن هذا لا ينفي عنه الإخلاص والجدة والجسارة، فلا يمكننا أن نغفل الدور الذي لعبته الميديا في هذا الإطار، باعتبارها وسيلة لبعض الكتاب يطلون من خلالها على جمهور أوسع ، وأحيانًا باعتبارها اللاعب الأساسي في الأعمال الدرامية والسينمائية التي حملت مثل هذا النقد، يمكننا أن نتحدث عن دور مؤثر لوسائل الاتصال الاجتماعي بأشكالها المختلفة في هذا الصدد، ودور هذه الوسائط على الوعي بشكل عام؛ فقد غدت -في بعض القضايا الجماهيرية- سلطة جماعية تراقب وتضغط على صانع القرار”.

ويؤكد عبدالباسط أن هناك بعض الكتابات المهمة التي صدرت هذا العام، منها مثلا رواية “حذاء فلليني” لوحيد الطويلة، وكتاب “الماشاء هلابيل.. النسخة الأخيرة” لسمير قسيمي، ولكنه يرى أنه لا يمكننا أن نتحدث عن نقلة واضحة في الرواية النسوية تختلف في هذا العام عن الأعوام السابقة. أما بالنسبة إلى الكتب المهمة فهي تضم نماذج مختلفة لعل أبرزها الكتاب الذي صدر أخيرا لإبراهيم عيسى “رحلة الدم”، وكتاب بنسالم حميش “في الإسلام الثقافي”، ومن الكتب النقدية كتاب محمد مشبال عن “بلاغة الحجاج في رسائل الجاحظ” وكتاب سامي سليمان عن “التمثل الثقافي”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق