سينما و تلفزيون

عن الفيلم والأم والألم والحرمان القاهريّ

ندى الأزهري

مشهداً بعد آخر، يزداد وجع الروح ويتمكن شعور العجز… هذا الوجه المُعبّر في هذا الجو المغْبِر، كل هذه الحركة وهذا الضجيج في مدينة خارجة عن كل سيطرة… لمست روح القاهرة أرواحنا كما أراد لها، هو «صنيعتها»، الذي كان يتساءل يومياً فيما يخوض شوارعها: «كيف يمكن سرد مدينة في فيلم، تصوير روحها وليس صورها فحسب؟ كيف يمكن فيلماً أن يلتقط هذا الشعور الخاص والغامض والمعقد الذي ساد أجواء المدينة بين 2006 و2010، هذا الشيء المنتظر الذي يراد له أن يحدث وفي الآن ذاته ثمة خشية من حدوثه من تغييبه كل ما نحب؟».
«آخر أيام المدنية» للمخرج المصري تامر السعيد صورة حية لعالم في لحظة انهياره، لمدينة تنتظر حدثاً، تساؤلات ما قبل الثورة، لهذه اللحظات التي سبقتها. كل ما ومن في الفيلم حقيقي، بطله مخرج يحاول تحقيق فيلمه، أمه هي أم تامر المريضة والأصدقاء أصدقاؤه والشوارع هي تلك التي يعبرها كل يوم… لم نعرف ولم يكن يعرف أين ينتهي الفيلم وأين تبدأ حياته الحقيقية، أين الحقيقة من الخيال…
تامر السعيد فاز أخيراً بجائزتين عن «آخر أيام المدينة» في مهرجان نانت الدولي للقارات الثلاث، الجائزة الأولى جائزة المنطاد الذهبي والثانية جائزة خاصة تمنحها لجنة تحكيم من الشباب. إنه فيلم شاب بامتياز.
التقينا المخرج خلال وجوده في نانت قبل منحه الجائزة.
> خالد عبدالله بطل الفيلم ممثل رائع، مغاير لأسلوب السينما المصرية في التمثيل حيث المبالغة في الاعتماد على تعابير الوجه، تكفي نظرة عينيه لفهم دواخله.
– هذا لظهور الأول له في فيلم مصري روائي طويل. مثّل في بريطانيا وفي هوليوود وفي فيلم «عداء الطائرة الورقية» لمارك فورستر عن رواية الأفغاني الأميركي خالد حسيني. كنت محظوظاً بكل فريق العمل في الفيلم، من دونه لم يكن ممكناً الوصول وبالتحديد مع خالد. لا أختار الممثل لقدراته التمثيلية، فحسب إنما كذلك لنوعية السينما التي يدافع عنها، أفكاره في الحياة ورؤيته الفكرية والجمالية والسينمائية لأن أسلوبي في الشغل في حاجة إلى شريك يضيف للشخصية ويغني الأفكار وهذا ما وجدته في خالد.

آفاق جديدة
> فيلمك، تمثيلاً وأسلوب إخراج، يفتح آفاقاً جديدة في السينما المصرية.
– التمثيل هو للتعبير أكثر عما تخفيه الشخصية، والتوتر لا يأتي من الأداء المباشر بل من تكثيف المشاعر ومن دون تعبير مباشر بالوجه. ثمة تعقيد في الواقع حين نرغب في تبسيطه عبر الأداء لا يغدو الأمر قابلاً للتصديق. من البدء كنت أدرك أن الفيلم محاولة للتعبير عن شعور ما، كنت أحسه في المدينة قبل الثورة وعلى المستويات كافة المرتبطة بمدينة كبرى. فأي لغة سينمائية؟ أنا مهتم بالمنطقة التي هي بين الوثائقي والروائي، وشغلي هو إزالة الحدود بينهما، بين الحقيقة والخيال. كنت أعرف شكل الفيلم وليس كيفية صنعه ما سمح لي بالتجريب لغاية الوصول. لم يكن الأمر سهلاً من دون التوهان إنما مع دعم فريق العمل وصلنا إلى اللغة التي نريدها. كنت أرغب في أن تعبّر الصور عن تعقيد واقع المدينة من دون صراخ، أن تحدث الأشياء مصادفة أمام الكاميرا. هي يوميات بصرية، مسؤولية الفيلم التعبير بالصوت والصورة عن موقف من العالم. الفيلم الجيد هو الذي لا يمكن التعبير عنه بالسرد الحكائي والطريقة الوحيدة لتلقيه هي مشاهدته. ثمة تياران رئيسيان في صنع الأفلام: الأول الإجابة عن تساؤلات الواقع، والثاني طرح تساؤلات الواقع وهذا ما أحاوله وهو أكثر تواضعاً لأنني لا أمتلك الإجابة. أرغب في مشاركة الناس في ما أظنه أسئلة مهمة ومن حق كل شخص أن يجد إجابته، فالإجابات تغلق أفق الفيلم.
> كيف كان التصوير يتم، وهل اتبعت السيناريو لكل مشهد؟
– لم أكن أفكر بتصوير المشهد قبل الذهاب إلى موقع التصوير، كان ثمة تصور له، لكنني خلال التصوير كنت أترك لأفكاري حرية التعبير، ما خلق ضغطاً كبيراً على الفريق! كانت هي الطريقة ليجد الفيلم أسلوبه. كنت أصور كل مشهد من زاوية واحدة، أي لا قفزاً بالكاميرا، بالتالي كان السؤال الرئيسي هو مكان وضع الكاميرا. أيضاً واجهتنا صعوبات في المونتاج لخلق لغة للفيلم، الأسئلة الجمالية هي التي تهمني. كانت محاولة البطل للإمساك بروح المدينة موازية لمحاولة صنع الفيلم ومن خلاله كنت أعكس كل تساؤلات البطل التي هي ذاتها تساؤلاتي أثناء التصوير. أردت إزالة هذه الحدود لأعبر عن حيرة البطل التي هي حيرة صانع الفيلم.

عالم يتغير بقسوة
> فيلمك ثوري في الشكل وفي المضمون كذلك. صور عن عالم عربي ينهار بدءاً من القاهرة مروراً ببيروت وبغداد… ما هو دور السينما في عالم كهذا؟
– سؤال رائع! الفيلم عن إحساسي بعالم يتغير بقسوة، لا سيما في بلاد مثل بلادنا حيث الوعي ضئيل بقيمة التاريخ وبضرورة الحفاظ على المكونات الثقافية للمجتمع. تحولات المدن لدينا أسرع منها لدى بلاد أخرى. وعموماً إيقاع التحولات في العشرين سنة الأخيرة هائل، وتواجه العالم أسئلة من نوع كيف نكمل؟ ثمة تراجع في قيم العدالة والمساواة واحترام الآخر، والغرب اليوم يعود إلى العنصرية مثلاً… لذا، فإن سؤالك له أهمية كبرى. ما دورنا حين نمسك الكاميرا؟ السؤال الأساسي وهو سؤالي اليومي لماذا أريد صنع أفلام؟ الفيلم الجيد يأتي من ضرورة قصوى، رغبة ملحة، إحساس أنه لا يمكن العيش من دون تحقيقه، والفيلم المثالي هو الذي يصنعه صاحبه بديلاً من الانتحار! السينما هي وسيلتي لأفهم علاقتي بالمحيط. أعيش في القاهرة وأرى العالم ينهار من حولي ويختفي، وأشعر بمسؤولية أن تكون هناك شهادة على هذه اللحظة. بعد سنين لن نكون هنا، وأتمنى حين يشاهد أحد الفيلم أن يدرك ما كان موجوداً، ولم يكن حينذاك واضحاً، في هذه اللحظة.
> ثمة أفلام عدة اليوم عن هذه اللحظات.
– ثمة صراع على السرد، النظر إلى ما حصل في بلادنا في السنوات الفائتة وسرده. كل طرف يرغب في أن تكون روايته للربيع العربي هي التاريخية. إنما أي منها سيعيش؟ الفيلم هو رغبة في قصّ مخالف عن السائد لهذه المرحلة، لأن الواقع متعدد ومعقد ولا ينفع اختزاله في سرد واحد. مسؤولية السينما أن تكون قادرة على التشكيك في السائد وطرح سرديات متعددة.
> الجميع يحتضر في الفيلم والغد مشوش لجميع أبطال الفيلم وأولهم القاهرة.
– المدن لا تنتهي هي تمر بظروف. الفيلم شهادة على لحظة انتظار أو توق لتغيير. والمشاعر مختلطة تجاه ما سينهي هذا الوضع المؤلم ويبشر بميلاد جديد، إنما ثمة خشية من أنه قد يأكل الأخضر واليابس ويغيّب حتى الأشياء الصغيرة التي نحبها. لكن، ليس في مقدورنا تجنب عواقب التغيير وله ثمن يجب دفعه، ثمن كبير سيدفع للوصول إلى تغيير حقيقي. أنا في الحقيقة متفائل جداً!
> قد تكون الوحيد! يدهشني هذا لمن صنع فيلماً كفيلمك!
– بحكم عملي أقابل الأجيال الجديدة التي يتشكل وعيها وألحظ الفرق بينها وبين أجيالنا. لديها غضب وتساؤلات كثيرة حول الواقع. ألتقي بأناس يعيشون في محافظات لا يوجد فيها دور عروض ولكن وعيهم السينمائي أرقى من وعيي وعمرهم نصف عمري! ثمة من يحارب من أجل المعرفة ضمن هذه الظروف. هذه معجزة! أنا مؤمن أن الغد لنا شاؤوا أم أبوا! لا توجد لحظة انتصار للثورة. إنها مسألة تراكم وعمل مستمر وهذا الذي سيخلق وضعاً أفضل وإيماني قوي بالمبادرات الصغيرة. دورنا كسينمائيين وفنانين ومثقفين في كل عصر أن نشكل العقلية النقدية ونشجع على وجودها وبالتالي لن نكون أصدقاء لأي دولة. حتى لو حكمت الثورة فلن يعني هذا أن نتحول مروجين للنظام. دورنا أن نشير إلى الخطأ.

«حكايتي مع مهرجان القاهرة»
> على ذكر الإشارة إلى الخطأ، نريد سماع روايتك عما حدث مع مهرجان القاهرة وأسباب رفض مشاركة فيلمك فيه.
– بعد عرض الفيلم في افتتاح مهرجان برلين، توالت عليّ العروض للمشاركة في كثير من المهرجانات العربية والأجنبية، باستثناء القاهرة، مع أنها أنسب مكان لعرض فيلمي الذي يعبر عن تلك المدينة. أجّلت قبول العروض العربية انتظاراً لموقف منه. اتصل بي طارق الشناوي في آب (أغسطس) للسؤال عن أي ارتباط عربي للفيلم قبل القاهرة وأبدى رغبة المهرجان في عرض الفيلم في المسابقة الدولية. ثم أُبلغت من د. ماجدة واصف وأ. يوسف رزق الله أنه سيكون في المسابقة الدولية وطلبا مني الاعتذار من قرطاج ليكون للقاهرة العرض الأول. وأخبرتهم أنني سأعتذر من مهرجانات عربية عدة طلبت العرض الأول وهذا ما فعلته. باركوا لي على نجاح الفيلم في المهرجانات الدولية ونيله الجوائز ولم يطلبوا أية شروط أخرى تتعلق بمشاركات الفيلم الدولية قبل إتمام الاتفاق. نهاية أيلول (سبتمبر) فرضوا شرطاً جديداً وهو الامتناع عن عرض الفيلم في أي مهرجان دولي قبل القاهرة وهو شرط يعلمون أنه مستحيل، لا سيما بعد إتمام الاتفاق الأول! لم أكن لأستطيع الاعتذار من 13 مهرجاناً دعت الفيلم قبل القاهرة بشهور عدة، ثم فوجئت.
> قيل أنهم عرضوا عليك المشاركة في تظاهرت موازية ورفضت!
– لم يُستبعد فيلمي من المسابقة فقط، بل من كل الأقسام الأخرى ولم يعرض عليّ أي شيء من قبل المهرجان. بل رفض المهرجان الاستجابة لمطالبات أكثر من 1200 سينمائي من جميع أنحاء العالم لعرض الفيلم.
> وما تفسيرك لما حدث؟ هل ثمة ضغوط سياسية أدت إلى اتخاذهم هذا الموقف الغريب؟
– ليست لدي أي دليل على ضغوط مورست على إدارة المهرجان. لكن طارق الشناوي كتب مقالة بهذا المعنى. وحين يأتي ذلك من شخص مقرب من المهرجان، فطبيعي أن تكون هناك تساؤلات.
> ماذا ينتظر الفيلم الآن؟ هل سيعرض في مصر؟
– الفيلم أمام الرقابة وننتظر القرار. ستكون هناك صعوبة كبيرة لعرضه في دور عرض عدة، فعددها محدود جداً بالنسبة لكمية الإنتاج. إضافة إلى أنني لست جزءاً من منظومة التيار السائد وليس لدى فيلمي مقومات الفيلم الجماهيري. كنا نأمل بعرض الفيلم في مهرجان القاهرة لمساعدته في التسويق داخلياً.

… حكاية أمّ
> الفيلم يزيل الحدود بين الخاص والعام وقد أثارت مشاهد الأم، أمك، المحتضرة في الواقع وفي الفيلم مشاعر عدة…
– (بتأثر) هذا موضوع شديد الحساسية. في تصوري الأول، كنت أود الحديث عن أرق الشخصية الرئيسية وقلقها حيث يتداخل الخاص بالعام. انتقاد البعض ذلك يأتي في مصلحة الفيلم، فرؤيتنا للواقع مرتبطة بحياتنا الشخصية وبالوضع العام الذي نعيشه. مثلاً قصة الحب في الفيلم كنت حريصاً على عدم سرد تفاصيلها لأن الأهم هو السؤال الذي تطرحه: هل يمكن الحب أن يعيش وسط كل هذا الانهيار وضغط المدينة الذي لا يسمح له بالعيش؟
كانت الأم موجودة في تصوري الأولي لتحكي عن الجزء المهم في تكوين الشخصية الرئيسية والمرتبط أيضاً بعقدة غياب الأخت والأب. لم تكن مريضة، لكنها مرضت بعد بدء التصوير. كان رد فعلي الأولي ألا أدخلها في الفيلم. كنت أحس بضغط الوقت وأريد لأمي أن ترى الفيلم قبل أن تغادر وكنت أحس أنني في سباق مع المرض تصاحبه صعوبة صنع فيلم عن مكوّن أساسي أواجهه في حياتي الشخصية ألا وهو التهديد بالفقد.
طبيبة أمي شجعتني لأنها كانت في رأيها محتاجة في هذه اللحظة إلى أن تشعر بأن لديها القدرة على العطاء، وأنها جزء من مشروع ابنها. من ناحية أخرى كانت قصة أختي محرمة في العائلة وقد أزال والداي كل أثر لوجودها في ليلة وضحاها بعد حادث مصرعها. كانت تلك طريقتهما لتجاوز الأزمة وربما ظنّا أنهما يحميانني وإخوتي. كبرت وأنا لا أعرف ما إذا كانت لي يوماً أخت أو أنها من صنع خيالي وخلق لي ذلك شعوراً فظيعاً بالوحدة. وكنت أشعر بأن أمي لديها رغبة في كسر هذا التابو قبل أن تموت. كنت أصور الأشياء التي أحبها كي لا تختفي ولا تغادرني ولهذا أحببت السينما ربما. أمام إحساسي بقرب النهاية، كنت أريد أن يبقى شيء منها يعيش إلى الأبد! كانت تجربة حميمية استثنائية بين أم وابنه. للأسف! خسرت السباق مع الزمن وماتت أمي وكانت لدي شكوك فظيعة لاستخدام المشاهد غير أن كثيرين أخبروني أنه أفضل ما يمكن أن أهديها. وهذا ما عنيته عن الضرورة الملحة التي تدفعك إلى عمل فيلم.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق