.

محمد حسين بهنس ـ وثلاثة أعوام على الرحيل الساخر

منى حسن

« لو لم تكن لنا مهنة سوى الأدب أو الفن تُعيننا على قسوة الحياة لقضينا جوعا وتشردا، فالشعر والفن لا يطعمان صاحبها شيئا»، مقولة تتردد على ألسن أغلب الشعراء والأدباء مع اختلاف اللهجات من المحيط للخليج، فالمبدع العربي يعاني غالبا من قلة ذات اليد، في صمت صاخب، لا يبصره أصحاب السلطة، خاصة إذا كان لهذا المبدع أفكاره الخاصة، ورؤاه المتمردة التي قد لا تتماشى ورؤى السلطة في بلاده، وربما يصادف أحدهم الحظ ليصبح ثريا بعد أن يبلغ من العمر عتيا، أو بعد أن يتوفاه الله، وتصبح كتبه عالية السعر والتوزيع.
أتحدث هنا عمن وصف بيكاسو أعمالهم بقوله: «بدون عزلة عظيمة ، يستحيل إنجاز أعمال عظيمة».. ذلك أن الإبداع حياة، ليس شهرة، أو جمهوراً، أو عوائد مادية فحسب، بل حياة كاملة.. يختارها الكاتب أحياناً بديلاً لحياة لم يتصالح معها، فمن يختارون العزلة لأجل الإبداع يخسرون رهان الحياة غالبا، إلا إذا كان لهم مصدر دخل يعتاشون منه، أو جهة ترعى إبداعهم، وهذا ما لا يتوفر غالبا في وطننا العربي. لذا نجدهم بين خيارين، إما التنازل عن عظمة الإبداع مقابل خوض غمار الحياة لكسب القوت وعيش حياة كريمة، أو التشبث به ومواجهة قسوة الحياة وشظفها برفقته التي قد تقود صاحبها لأقسى ما يمكن أن يمر بباله، وهذا ما اختاره الشاعر والفنان التشكيلي محمد حسين بهنس، الذي تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة لرحيله المُفجع عن اثنين وأربعين عاما، متجمدا من البرد والجوع على أرصفة قاهرة المعز. محمد الشاعر الذي يكتب بلغة تلامس وجدان شعبه، وتمس معاناته وآلامه وآماله، صاحب رواية «راحيل» التي أثارت جدلا نقديا واسعا، ولاقت احتفاء كبيرا من النقاد حين صدورها عام 1999 في السودان عن «مكتبة الشريف الأكاديمية»، والذي تزين لوحاته وأعماله قصر الإليزيه في فرنسا، وُجد في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول 2013 متجمدا على أحد أرصفة ميدان مصطفى محمود في القاهرة، حيث يقيم بلا مأوى في وضع إنساني مزرٍ ساخطٍ، وساخرٍ من الناس والحياة، وتم نقله إلى قسم الدقي، ثم للمشرحة دون أن يتعرف عليه أحد، ما حدا بالسلطات لكتابة اسمه في كشف المجهولين حتى تعرَّف عليه بعض أصدقائه بعد يومين من دخوله المشرحة.
غادر بهنس إلى فرنسا عام 2005 بعد زواجه من فرنسية في الخرطوم، وهناك مارس الفن التشكيلي وزينت لوحاته قصر الإليزيه، ولكن هذا لم يدم طويلا فقد اختلف مع زوجته وتطلقا وقامت السلطات الفرنسية بترحيله إلى الخرطوم، ما أصابه بإحباط شديد ازداد سوءا حين تفاجأ فور وصوله بخبر رحيل شقيقه في بريطانيا، وتوالت الصدمات بوفاة والدته التي أثرت على نفسياته كثيرا كما أفاد المقربون منه.
غادر بهنس إلى القاهرة قبل عامين من وفاته، للمشاركة بمعرض تشكيلي قرر على إثره الإقامة فيها، وربما جاء قراره طمعا في الهجرة إلى الغرب التي يحلم بها الكثير من أبناء السودان في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي يعاني منها المواطن السوداني، والذين تكون القاهرة محطتهم الأولى للهجرة والعبور إلى الحلم غالبا.
أقام بهنس في أحد أحياة العتبة لفترة ثم تدهورت أوضاعه المادية، حد أنه لم يعد لديه ما يدفعه لقاء مأوى أو مطعم، فاتخذ الرصيف سكنا له ومرسما إلى أن توفي متجمدا في موجة البرد التي اجتاحت القاهرة في ديسمبر 2013 ولم يكتشفوا جثته إلا بعد يومين من الوفاة، وجاء تقرير الطب الشرعي أنه توفي من أثر البرد والجوع!
بهنس الذي تنقل بسلاسة بين مدن الرواية والشعر والفن التشكيلي، لم يجد له موقعا في خريطة وطنه، مُلخصا مأساة ومعاناة جيل كامل من أبناء السودان الذين أغلقت الأوضاع الاقتصادية، التي تزداد سوءا عاما بعد عام، في ظل نظام الإنقاذ الذي يحكم البلاد منذ 1989، والحصار الاقتصادي الدولي منذ 1997، أبواب الحياة في وجوههم وتركتهم نهبا للفقر والهجرات وعواقبها غير المحمودة غالبا.
بهنس الذي قضى غريبا جائعا متجمدا في ظل غياب وتجاهل رسمي، شُيع في الخرطوم إلى مثواه الأخير بمقابر أحمد شرفي في أم درمان، بعد أن وصل جثمانه من القاهرة، وودعه أهله ومحبوه جسدا فانيا، لكنه ظل روحا خالدة في فضاءات الفن والكلمة، في وجدان شعبه المكلوم، وفي أغاني البسطاء الأغنياء بأصالتهم وأخلاقهم حيث ينتمي، والذي رسم بعض معاناته ومعاناتهم في قصيدته التي تقول:
«بهديك الفوضى
شجار طفلين في ساحة روضة
بهديك الغربة، هتاف الموتى وصمت التربة
بهديك حزنك.. وبعد إذنك بهديك إحباطي
حديث عابر في مركبة عامة بصوت واطي
بهديك طلة لبيوت الخيش، وخيم تفتيش
وأسواق أرخص مافيها حليفة الله!
بهديك متمرد، والنيل في الجركانات باعوهو برد
بهديك.. ولا شي!
واقطع وديان السهو مشي»

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة