متابعات ثقافية و فنية

الكاتب الساخر هيثم مصطفى: المحرمات الثلاث طريق شهرة الكتاب في مصر

عبد السلام الشبلي

يمر القاص المصري هيثم مصطفى في كتابيه «ابتسامة بريئة» و«اكبسها بن» على مشكلات المجتمع المصري وأزماته التي تستمر دون حل، رغم وجود الكثير من الحلول لها كما يرى، حيث يؤكد في حواره مع «القدس العربي» أن هذه الأزمات طبيعية في أي مجتمع وتتواجد في كل الحقب على مر الزمن، ولابد من حلها لكي تستمر الحياة، مشيرا إلى أن مصر اليوم غير مصر قبل خمسين عاما، متطرقا إلى مسألة محاكمة نجيب محفوظ التي أثيرت قبل أيام في مجلس النّواب المصري.
المزيد في الحوار التالي حول كتابيه وما يمر به الأدب المصري من تحديات:

■ دعنا نبدأ من أجواء كتابيك الأخيرين، بين الأدب الساخر والقصة أيهما الأقرب إليك؟
□ في حياتنا هناك عدة جوانب، العاطفة الكوميديا التراجيديا وغير ذلك، وكل من هذه الجوانب له خصوصيته التي نعيشها، وبالتالي فإن الحياة تحتمل العديد من الوقفات، سواء السخرية أو الفكرة الهادفة الإنسانية، كل هذا يمكن أن يؤدي إلى أن كل جانب من هذه الجوانب يحتمل أن نبني عليه أدبا مهماً وهادفاً، وهو ما أردته في كتابيّ «اكبسها بن» و»ابتسامة بريئة».
■ في كتابك الساخر «اكبسها بن» هناك صرخة واضحة في وجه مشكلات المجتمع المصري، هل تعتقد أن ليس هناك حل لهذه المشكلات حتى لو كان أدب؟
□ لا توجد مشكلات من غير حلول، والأزمات التي تعرضت لها في الكتاب كلها ذات حلول واضحة، وأنا من خلال عرضي لها أردت أن أقول للناس إنه يجب أن نتخلص منها، فمجتمعنا المأزوم حاليا كان درة الشرق قبل نصف قرن، والآن نحن في انحدار مخيف، وبرأيي فإن لكل حقبة مشكلاتها وحلولها، فهذا شيء طبيعي في تاريخ المجتمعات البشرية، ودور الأدب فيه هو التنبيه لضرورة حل هذه المشكلات.
■ يكتسب كتاب «اكبسها بن»عنوانا غريبا ومثيراً، لماذا اخترت هذا اللفظ من العامية المصرية حصرا؟
□ الفكرة جاءت من متابعتي لإحدى المسرحيات المصرية، وكانت هناك لازمة متكررة، جملة «اكبسها بن» وهو لفظ يدل على أن أي شيء فيه جرح حقيقي أو معنوي، نضع عليه البن ليتوقف نزف الدماء، وكان مدلول اللفظ أن يكون شيئا قريبا من الناس ومتوافقا مع ما في الكتاب من مشكلات مطروحة بلغة عامية، تعتبر جروحا مجتمعية يجب أن نضمدها بأن «نكبسها بن» حتى نجد لها حلا في النهاية.
■ في كتابك «ابتسامة بريئة» هناك قصص كلاسيكية وضعت عليها لمسة جديدة، ما هدفك من ذلك تحديدا؟
□ في الحقيقة الابتسامة هنا هي انعكاس لدمعة سبقتها، لكنني في قصص كتابي بحثت عن ابتسامة بريئة، حيث حاولت أن أقول لقارئي إننا من خلال بعض التصرفات يمكن أن نزرع دموعا كثيرة، فلماذا لا نحاول أن نزرع بدل هذه الدموع ابتسامة بريئة من خلال تبديل السلوك وتحسينه لكي ننشر الحب والتسامح بين الناس، ونجعل مجتمعنا أفضل وأكثر قدرة على التماسك أمام الأزمات.
■ يخرج كتاب «ابتسامة بريئة» و«اكبسها بن» بالعديد من النصائح والتوصيات للقراء، ككاتب لأدب هادف، هل تعتقد أن الأدب قادر على أن يغير عقول الناس وتوجهاتهم حاليا؟
□ الأدب إن لم يكن يهدف للتغيير فهو ليس أدبا، والأدب جاء من مأدبة، وهي مكان الجلوس للأكل، حيث تظهر قمة الأدب عند الإنسان في احترام هذا المكان، وتطورت الكلمة، ليصبح الأدب الذي يأتي من علم ما، شيئا جديدا تعرفه فينفعك ويمنحك أفقا وأبعادا أخرى في التفكير، وأنا عندما أكتب أتمنى أن يوضع عملي في صف الكتب المميزة، وهذا طبيعي، لكنني في أساس الأمر أفضل أن يكون كتابي ذا نفع على أن يكون ذا شهرة وانتشار بين الناس، لأن الأدب السليم الراقي هو الذي يخدم الإنسان ويجعل منه أكثر رقيا واحتراما لذاته وللآخرين المحيطين به.
■ يعاني الكتّاب الجدد «الشباب» من أزمة قلة الانتشار والقراءة، هل تعتقد أن تأثر القارئ بأسماء معينة هو السبب؟ أم أن الأمر يعود للكاتب نفسه ودار النشر التي يتعامل معها؟
□ هي عملية ثلاثية، فالكتاب يخرج من المؤلف لدار النشر ثم يصل للقارئ، فالكاتب يضع مجهوده الأدبي، الذي يجب أن يكون مرتقيا لغويا وأدبيا وفكريا لأن يقرأه الجمهور، ومن بعده يأتي دور دار النشر التي يجب أن تكون هي الأخرى أمينة في تبني الأعمال المهمة التي تستحق أن تنشر بين الناس، من خلال لجانها التي يجب أن تكون جدية في اختيار ما هو مفيد وممتع، وما يضيف للمكتبة الفكرية، وبرأيي فإن دور دور النشر مهم جدا لأنها حلقة الوصل بين الكاتب والقارئ، وهنا تكون الرسالة الأهم عبر توصيل هذه الكتب إلى القارئ من خلال توزيع جيد و إعلانات جيدة لها، ثم يأتي دور القارئ الذي يجب أن يكون أمينا في اختياره ويتوسع في قراءته ويشجع الأدب الشاب الذي يجب أن يلقى الدعم ليستمر لأنه سيكون عماد الأيام المقبلة في مجال الأدب.
■ مع اقتراب معرض القاهرة الدولي للكتاب، في رأيك، ما هي إشكاليات وأزمات المعرض خلال السنوات الماضية التي تحتاج إعادة النظر فيها من قبل المعنيين؟
□ كمهرجان سنوي دولي يعاني المعرض من ضغوط كبيرة بسبب الأعداد الهائلة التي تقصده خلال الأيام القليلة له ما يؤدي لظهورعيوب تنظيمية كبيرة تخرج أحيانا عن السيطرة من قبل المسؤولين عن التنظيم، ويعود ذلك للمساحة الضيقة التي تضم المعرض، فضلا عن أزمات أخرى ربما يكون أصحاب دور النشر أعرف مني بها، ولكن أعتقد أن كثرة دور النشر تؤدي لصعوبة توفير أماكن عرض لها ما يؤدي لتلك الازدحامات الضخمة.
■ قبل أيام أثير في مجلس النواب المصري مسألة محاكمة نجيب محفوظ بتهمة خدش الحياء، ككاتب مصري، كيف تنظر إلى ذلك؟
□ نجيب محفوظ كاتب عظيم سبق عصره في كتاباته، الأمر الذي أدى لمعاناته مع الكثير من التهم كالإلحاد والزندقة وخدش الحياء، إلا أنه كان كاتبا مهما سبق عصره بحكم دراسته واطلاعه، الأمر الذي نال عليه جائزة نوبل بسبب روايته «أولاد حارتنا»، عكس ما يشاع عن نيلها بسبب «الثلاثية «، و نجيب محفوظ كاتب مرموق كان من باب أولى عدم إثارة مثل هذا حوله، بل الاتجاه إلى من يفسدون المجتمع حاليا بالأفلام الرخيصة وغير ذلك مما يسيء للمجتمع المصري، ويجب ألا ننسى أن أعمال نجيب محفوظ ذات مغزى إنساني بعكس ما نراه حاليا من كتاب كثر اشتهروا في استخدام الإثارة لزيادة مبيعاتهم، وفي الحقيقة نحن اليوم في حاجة لرموزنا التاريخية في كل المجالات ويجب علينا أن نرسم خطا أحمر لعدم المساس بها نظرا لحاجة مجتمعنا إليها.
■ كتابان في عام 2016 ، ما هو سبب غزارة إنتاج هيثم مصطفى؟
□ انا لا أعتبر نفسي ذا إنتاج غزير، إلا أن كتابي «ابتسامة بريئة» كانت قد كتبت قصصه على فترات متباعدة، وجدت فيها رابطا نفسيا معينا، فكان أن جمعتها في كتاب واحد، أما كتاب المقالات الساخرة «اكبسها بن» فقد كتبته في السنة الماضية، وأشتغل على عمل جديد ربما يرى النور قريبا.
■ ما هي أزمات الأدب المصري حاليا؟
□ اليوم أغلب الكتاب المصريين يسعون ليدخلوا في قائمة أفضل الكتاب مبيعا، وهذا يؤدي لطرقهم محاور المحرمات الثلاثة، الجنس – الدين والسياسة، الذي يدفعهم لذلك، كون الكاتب المصري والعربي عموما غير مدعوم ولا يجد الرعاية المناسبة له، كل هذا يؤدي إلى بحثه عن الشهرة من خلال هذه المحاور، حيث يفتقد للتقدير بعكس كتاب الدول الأجنبية، واليوم صرنا نرى نموذجا من الكتاب المسترزقين الذين يسعون لنيل المال من خلال الكتابة، وبالتالي هناك أزمة أخلاقية يجبر الكاتب على الدخول في صراعاتها التي تجعل منه عرضة ليصبح كاتبا تجاريا، فضلا عن ذلك نحن نعاني اليوم من أزمة الكاتب المستعجل الذي يريد أن ينجز كتابا بأي طريقة وأيا كان المحتوى فضلا عن دور النشر التي لا تعمل إلا في نطاق ضيق، وتطبع لأي شخص مهما كان ما يقدمه المهم في ذلك أن يدفع، وهذا ما يحيلنا إلى واقع مأزوم في الكتابة والأدب في مصر حاليا.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة