.

سكة حديد الأنفاق’.. بحث عن الحرية وسيرة تيلماخوس الليبي

تحسين الخطيب

أجمع محرّرو صحيفة النيويورك تايمز ومجلة “ببلشرز ويكلي”، سواء في القائمة التي أصدرتها الصحيفة في الأول من شهر ديسمبر الجاري، أو في تلك التي نشرتها المجلة في عددها المخصص لأفضل كتب هذه السنة، والذي صدر في نهاية شهر أكتوبر الماضي، على الاحتفاء برواية “سكة حديد الأنفاق” للروائي الأميركي الأسود كولسن وايتهيد.

وضعت المجلة واسعة التأثير (والتي ما زالت تقدم كل ما يتصل بصنعة الكتاب؛ أخبارًا ومراجعات نقديّة، منذ صدور عددها الأول في العام 1872) صورةَ وايتهيد على الغلاف، واصفة روايته بالمذهلة التي تصوّر واحدة من أشدّ اللحظات الأميركية سوداويّة بضوء جديد.

يستهلم وايتهيد اسم روايته السادسة، هذه، من الاسم الذي كان يطلق على شبكة الطرق السرية والبيوت الآمنة التي استخدمها العبيد السود في القرن التاسع عشر للهرب إلى الولايات الحرة في الشمال بمساعدة من دعاة القضاء على العبودية.

بطلة الرواية، كورا، صبيّة تعمل في مزرعة للقطن في فرجينيا، وتعيش ظروفًا قاسية، حتى بين رفاقها العبيد. تخلّت عنها أمّها وهي لا تزال طفلة صغيرة، فظل شعور “الهجران” ضاربًا في أعماق وجودها، إلى أن تُقرّر الهرب إلى حريّةٍ لن تفتح طريقها إلّا بالدم. لن تستطيع الهرب إلّا بعد أن تضطر إلى قتل صبيّ أبيض كان يحاول الإمساك بها، فيطاردها، بعد هذه الحادثة، صائد عبيد سيء السمعة، يساعده رجل يرتدي حول عنقه قلادة مصنوعة من آذان بشريّة.

ينسج وايتهيد حكاية المطاردة المحمومة، هذه، في سلسلة حكايات مترابطة في سرديّة تجمع التاريخيّ بالمتخيّل. وفي كل محطة تتوقف فيها كورا، يكون ثمة فصل جديد من الرعب والشر في انتظارها. إنها “ملحمة في الزمان والمكان” استطاع وايتهيد من خلالها أن “يعيد تصوير الأهوال التي واجهها السود في الحقبة التي سبقت الحرب الأهلية.. في حكاية بطولية عن أميركا نفسها، تمتدّ من الاستجلاب الوحشي للأفارقة وحتى الوعود المجهضة للزمن الحاضر”.

ولا عجب -في ظل صعود صور بغيضة من العنصرية ضدّ السود في أميركا القرن الحادي والعشرين- أن تفوز هذه الرواية بجائزة الكتاب القومي المرموقة التي أعلنت مؤخرًا.
تليماخوس الليبي

أمّا صحيفة الغارديان البريطانية فقد عمدت إلى استمزاج آراء كتّاب مختلفين لتسمية الكتب التي لفتت انتباههم خلال العام، وتستحق وفق ذائقتهم أن تكون الأفضل؛ فالنسبة إلى الروائية الشهيرة تشيماماندا نغوزي آديشي، على سبيل المثال، كانت السيرة الشخصية التي كتبها الروائي الليبي هشام مطر، تحت عنوان “العودة: آباء وأبناء والأرض التي بينهم“، واحدة من أفضل ثلاثة كتب قرأتها خلال هذا العام (إضافة إلى كتاب “مولد حائك الأحلام” للكيني نغوغي واثينغو، وكتاب “الوجه” للماليزي تاش آو).

ولم تكن ذائقة آديشي، في اختيارها لسيرة هشام مطر، بعيدةً عن ذائقة محرّري النيويورك تايمز، حيث كان الكتاب ضمن قائمتها السنوية لأفضل عشرة كتب صدرت خلال هذا العام، وضمن قائمة الواشنطن بوست أيضًا.

وعلى شاكلة كتابيه السابقين، “في بلد الرجال” (2006)، و”تشريح حالة اختفاء” (2011)، يواصل هشام مطر، الليبي المولود في نيويورك سنة 1970، في كتابه الجديد، هذا، الحديث عن ثيمة “الأب المفقود”، وعن “أرواح ليبيا الضائعة”.
يسرد هشام أحداث عودته إلى ليبيا في العام 2012، بعد غياب قسريّ دام 33 عامًا، وبحثه عن مصير والده، جاب الله مطر، المعارض الليبي البارز، الذي اختطفته الشرطة السرية المصرية من شقته في القاهرة، في العام 1990، ليتم تسليمه، في صفقة مع القذافي، إلى عملاء من المخابرات الليبية كانوا في انتظاره في مطار القاهرة، لتنقله بعدئذ طائرة نفاثة إلى طرابلس، ومن ثم يحبس في سجن “أبو سليم” سيء الصيت. كان هشام في التاسعة عشرة من عمره، يدرس في لندن، حين اختفى والده وانقطعت أخباره. ولم تعلم العائلة بأنه موجود في ليبيا إلّا بعد أن نجح والده في تهريب ثلاثة رسائل وشريط كاسيت خلال السنوات الأولى من اعتقاله.

إلّا أن الأخبار تنقطع تمامًا بعد العام 1996، لينكشف بعد سنوات أن نظام القذافي كان قد ارتكب مجزرة بشعة، في شهر يونيو من ذلك العام، بحق 1270 سجينَ رأي، قتلهم رميًا بالرصاص في ساحة السجن. ولم تكن عوده هشام مطر إلى ليبيا، رفقة زوجته وأمّه، للبحث عن مصير والده، إلّا بعد أن سمع من أحد الذين كانوا مسجونين مع والده، بأنه قد شاهد جاب الله، في العام 2002، حيًّا في “فم جهنم” (وهو الوصف الذي كان يطلق على ذلك السجن الرهيب)، بيد أن الرجل غيّر قصته حين أراه هشام صورة لأبية، وقال إنه غير متأكد.

يأخذنا هشام، عبر سيرته التي جاءت في اثنين وعشرين فصلًا، في رحلة “تليماخوسيّة” تصوّر المعاناة الرهيبة التي عاشتها ليبيا تحت حكم القذافي، وتلك التي تعيشها الآن بعد الربيع العربي. إنها سيرة عن المنفى، ومحاولة الشفاء من “فكرة” الوطن. تجدر الإشارة إلى أن الكتاب قد فاز بجائزة “سلايتي فوكسد” لأفضل سيرة، كما ترشح ضمن القائمة القصيرة لجائزة “بيلي غيفورد” وجائزة “كوستا” على حد سواء.
كوكتيل المشمش

لم تغفل كبريات الصحف والمراجعات النقدية عن الإشادة بكتاب “في المقهى الوجودي: الحرية والكينونة وكوكتيلات المشمش” للبريطانية سارة بيكويل، والذي اختاره الفيلسوف سودير هازاري سنغ، ضمن الاستطلاع الذي أجراه ملحق التايمز الأدبي، واحدًا من أفضل الكتب التي قرأها خلال هذا العام.

كما فضّلت الكتاب على غيره، كلًّ من صحيفة الغارديان وصحيفة النيويورك تايمز. وكانت سارة بيكويل، التي حققت شهرة واسعة بكتابها “كيف نعيش” (2010)، قد ألّفت كتابها الجديد، هذا، منطلقة من فكرة “الاغتراب وسرّ الكينونة” التي صاحبتها مذ صرفت المال الذي تلقته من جدتها هديةً في عيد ميلادها السادس عشر، على شراء نسخة من “الغثيان” لسارتر.

لا يحاول الكتاب تقديم إجابة محددة على ماهيّة الوجودية، كنزعة حياتية، بقدر ما يعرض لصور معمقة من حيوات كبار رموز هذه النزعة الفلسفية، كسارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو وكارل ياسبرز وإدموند هوسرل وموريس ميرلو بونتي وهيدغر وبعض الفلاسفة الأوروبيين الآخرين.

تمزج بيكويل بين الفلسفة والسيرة الشخصية لهؤلاء المفكرين الثوريين، منذ ظهور البذرة الأولى لهذه الحركة، في مقهى “بيك دو غاز” بمونبارناس في باريس ثلاثينات القرن العشرين، حين سأل ريموند آرون صديقيه، جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، في أثناء نقاشه الحماسيّ معهما حول الفينومونولوجيا القادمة حديثًا من برلين “إن كنت فينومونولوجيًّا، فإنك تستطيع الكلام عن هذا الكوكتيل وتستنبط فلسفةً من ذلك!”، كانت هذه العبارة البسيطة، كما تقول بيكويل، هي التي ألهمت سارتر لإدماج الفينومونولوجيا في حساسيته الإنسانوية الفرنسية، مبتدعًا “مفهومًا فلسفيًّا جديدًا يستلهم ثيمات الحرية المتطرفة والكينونة الأصلية والنشاط السياسي”.

ولا يُعدّ الكتاب، بأيّ صورة، مجرد عرض تاريخي للرؤية الوجودية المتعلقة بالصراع والحب والانكسار والتمرد والإنسانوية والمسؤولية الفردية فحسب، وإنما استقصاء عميق لما تستطيع الوجودية أن تقدمه لنا في اللحظة الراهنة التي يجابه فيها المرء أسئلة ملحّة عن ماهية هذه الرؤية وطرائق استبطانها.
مدارات العزلة

ليس بعيدًا عن الوجودية وأحوالها، يأتي كتاب “المدينة الوحيدة: مغامرات في فنّ أن تكون وحيدًا” للناقدة البريطانية أوليفيا لاينغ، والذي اختارته ضمن قوائم أفضل الكتب التي صدرت خلال هذه السنة، صحيفة “الآيرش تايمز” وصحيفة التليغراف والببلشرز ويكلي وملحق التايمز الأدبي، على حدّ سواء. الكتاب، كما وصفته ديبوار ليفي، “إشادة مذهلة بالكيفيّة التي تستطيع من خلالها العزلة المفرطة أن تجعلنا أكثر انفتاحًا على غرابة الآخرين، وعلى أخطار الفن والفنّانين وإبداعاتهم”.
ويأتي كتاب لاينغ الثالث، هذا، استقصاءً للعزلة بطرائق الفنّ؛ مستبصرة حيوات فنانين آثروا العزلة طريقًا للفن والحياة، كآندي وارهول وإدوارد هوبر وديفيد وجنارويكز وهنري دارغر. وقد سبق للاينغ أن أصدرت كتابين مهمّين آخرين؛ “إلى النهر” (2011) والذي سردت فيه أطوار رحلة في النهر الذي أغرقت فيه فرجينيا وولف نفسها، وهو الكتاب الذي ترشح ضمن القائمة النهائية لجائزة أونداتجي وجائزة دولمان لأدب الرحلة في العام 2012، و”رحلة إلى إيكو سبرنغ” (2013) الذي يتناول العلاقة بين شرب الخمر والإبداع، وكيف أنّ بعض الأعمال الأدبية العظيمة ألّفها كتّاب كحوليّون.

من أفضل الكتب التي اختارتها مجلة الإيكونومست البريطانية في عددها الصادر في العاشر من ديسمبر، يأتي كتاب “الجِين: تاريخ مفصّل“، للعالم الأميركي (ذي الأصول الهنديّة) سيدهارتا موخيرجي الذي سبق له أن فاز بجائزة البوليتزر للعام 2011، عن كتابه المذهل “إمبراطور الأوجاع: سيرة السرطان”.

يقدم موخيرجي في هذا الكتاب عرضًا مفصّلًا لتاريخ الجين في محاولة للإجابة عن سؤال “ما الذي سيكون عليه الكائن البشريّ حين نتعلّم قراءة معلوماتنا الجينيّة وكتابتها؟”. لقد كتب موخيرجي “سيرة الجين بطريقة بارعة ونيّرة.. ناسجًا العلم بالتاريخ الاجتماعي بالحكاية الشخصية، ليقص علينا حكاية واحدة من الفتوحات المفاهيميّة الأكثر أهمية في الأزمنة المعاصرة”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة