تراث و وثائق

المدينة العربية الإسلامية … المنكّب الأندلسية

أحمد حلواني

إذا كان الكون لا يكف عن الدوران فإن الفكر الإنساني بعقل الإنسان لا يكف عن البحث والتعمق في تطوير أساليب الحياة حيث تزول مفاهيم وتحل محلها مفاهيم جديدة تمثل التطور الإنساني.
وحين نستعرض حضارة مرت وحلّت محلّها حضارة أخرى فإننا نسترجع التجارب البشرية مستخلصين منها حيوية أصحابها وبناتها وقدراتهم على الإنتاج والعطاء متوخّين متابعة جديدة في البناء الحضاري، في إطار شرف المعايشة الحضارية المتجددة.
ومن هذا المنطلق فإن استعراض منجزات الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس لا يقصد العودة إليها بقدر ما هو تحريض واستكشاف لبناء حضاري متجدّد يواكب البناء الحضاري العالمي ويساهم في إثراء الفكر الإنساني العالمي مستنداً إلى مقوّمات بنيوية يحملها أحفاد بناة الحضارة الأندلسية عقلاً وعقيدة وطموحاً منفتحاً.
لقد شكّلت المدينة حقلاً مهماً للبحث العلمي في جميع ميادينه التطبيقية والإنسانية، وتركزت غالبية الأبحاث في التخطيط للمدينة وقابليته للقيام بوظائف الحياة المدينية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وعدّت المدينة محرّكاً أساسياً للتطوير بوضعها الكائن الحي القابل للتجدد.
ضمن هذا المفهوم نقف عند مدينة أندلسية، نالت شهرة ومكانة مميزة إلى جانب غرناطة وأشبيلية وملقه وطليطلة وغيرها من المدن الأندلسية. إنها المدينة البحرية على شاطئ المتوسط المنكَّب الإسلاميّة التي نالت اهتمام العالم الأثري الإسباني فدريكو مولينافاخاردو مع مساعده المغربي عبدالسلام بنّور التعزيزي.
والاسم العربي للمدينة يثير الكثير من التساؤلات عن معناه وأسباب التسمية، مع الإشارة إلى أن الاسم الذي حملته عبر العصور المختلفة كان إكس، وسكسي، والمنكّب، والمونيبكار. لكن اختيار الاسم العربي يعود على الغالب إلى إطلالتها على تل صخري متوغّل في البحر على شكل منقار طائر. وقد أخذ الاسم من منقار ولعدم وجود حرف القاف بالإسبانية حوّل إلى كاف وحرّفت الراء إلى كاف إلى جانب أن الإسبان أطلقوا عليها خلال الحكم العربي المونيبكار تحريفاً عن العربية وفق فدريكو خاردو الذي يضيف على هذا التفسير قائلاً: «لا شك أن منظر شبه الجزيرة الفريد في المتوسط الأندلسي الذي يتوغّل مع بعض التلال الصخرية البارزة أدهش البحّارة العرب، فعلق شبكة عيونهم وعيوننا باسمهم».
أما شهرة المدينة فقد بدأت مع الأمير الأموي عبدالرحمن الأول بن معاوية الذي نزل إليها قادماً مع أنصاره من مليلة على الشاطئ المغربي في ربيع الأول من عام 138 هجرية الموافق الخامس عشر من آب (أغسطس) 755 ميلادية، وفق المصادر التاريخية الأندلسية كما يروي د. حسين مؤنس في كتابه الشهير «فجر الأندلس».
وتشير أخبار دخول الأمير الأموي بعد إرسال موفده ومولاه بدر إلى الشجاعة في دخول بر الجزيرة الإيبيريه وإلى السياسة التي اتبعها لسيطرته على الحكم في المنكب والساحل الغرناطي، وهو ما أكده المؤرخ الإسباني الشهير ليفني بروفنسال.
لكن ما يمكن التوقف عنده هو في العمل السياسي الذي اتبعه الأمير الأموي إلى جانب قوته العسكرية المحدودة نسبياً، فقد مارس الاستمالة والغيرة وحماية النسيج التعددي بين العرب والبربر وهو ما يؤكد أن التراث العربي الإسلامي شاهد على التعددية الحقوقية والمواطنة مع إمكانية إعادة الاعتبار لها بديلاً عن دعوات تفتيت المفتت وتقسيم المقسم.
لقد استطاعت المنكّب، ولا سيما بعد وصول الأمير عبدالرحمن بن معاوية، استعادة مكانتها من مرسى وتحولت إلى مدينة غنيّة بالزراعة والمراعي وصيد الأسماك مع مملحتها، وبناء حصنها المنيع. وقد شكلت المملحة قاعدة صناعية كبيرة بفضل خبرة صناعييها في التمليح والحفظ والتسويق أيضاً لأنواع الأسماك الغنية والمختلفة المصطادة في بحرها وخليجها.
في استعراض آثارها يتبيّن لنا في شكل أوضح تكوّنها وطريقة حياة سكانها التي اعتمدت بشكل رئيس على الصيد والملاحة والتجارة عبر الموانئ المتوسطية والداخل الأوروبي والشمال الأفريقي، إضافة إلى زراعة شجر التوت لتأمين حرير القز، وكذلك زراعة شجر الكتان والفواكه والخضار المنوعة مستفيدين من المياه وطرق السقاية التي طوّروا نقلها، مع شمس المتوسط المعتدلة.
أول ما يتوقف عنده الباحث الأثري هو صرح القبة الذي يقول عنه فدريكو مولينافاخاردو في كتابه «المنكّب الإسلامية» إنه أكثر الصروح التي أثّرت فيه، فهو غارق في مشهد نباتات وأشجار وفواكه بمشهد جميل جداً يُسقى من نهر شاط حيث يقع على ضفته اليمنى ببناء مستطيل مسقوف بقبة أسطوانية من ألواح من الأردواز الملوّن محمولة بعشرة عضائد، أما الصرح الآخر فهو حصن شاط على الجانب الشمالي الشرقي من نهر شاط وقمته تغطي الساحل الممتد بين المدينة وضواحيها إلى نارجة، بارتفاع يبلغ 850 متراً عن سطح البحر مع انحدار شديد باتجاه النهر ما يجعله برجاً عالي الحماية.
وقد أدى التطور العمراني في المناطق الساحلية، ولا سيما على تل المسجد الصغير وتل الغربال والأبراج المبنيّة على قمم التلال لمراقبة الشواطئ وبناء سور كامل لحماية المدينة، إلى تطور حياتها وازدهار تجارتها وبالتالي معيشة سكانها، بحيث جاء توسعها مخططاً ومدروساً وبعيداً عن العشوائية.
يذكر الإدريسي وقبله الرازي أهمية الزراعة في المنطقة وعناية سكانها بمنتوجاتها وإدخال الصناعة فيها كالحرير والكتان والزبيب من عنب الكرمة، إضافة إلى تربية الماشية والمنتجات الحيوانية من ألبان واجبان ولحوم مقدّدة.
إن أبنية الحصون والأبراج والقصور، إضافة إلى طرق إيصال المياه للسقاية أو الاستحمام أو للنوافير التزيينية، تبرهن على معرفة واسعة في علوم الهندسة بمختلف تخصصاتها، وهو ما يدل على التكامل في الحياة العربية الإسلامية في الأندلس من حيث الدراسة المتعمّقة لضمان حياة متطورة عالية المستوى مع نظافة وحرص بيئي دقيق.
اعتمدت المنكّب في توسعها على التخطيط العربي الإسلامي للمدن الذي ينطلق من الوسط (القلب) حيث المسجد الجامع في إطار من الثنائية الموجودة داخل المدينة وأسوارها وخارجها أيضاً. ففي الساحة العامة (قلب المدينة) تتركزّ الوظائف الأساسية الدينية والسلطوية والعسكرية: المسجد والقصر والقلعة، ومن ثم الخطط التي تشكل ثراءً وتراكماً تنويعياً بين الأجهزة والعناصر المكونة للمركب المدني كله.
وإذا كان فرانشيسكو كاريللو في كتابه «مدن المعرفة» أكّد أن التحول إلى الاقتصاد المعرفي أو التنمية المستندة إلى المعرفة خيار لا يمكن التخلي عنه، فقد أكّدت مسيرة تكوّن المدن العربية الإسلامية، أن البنية المعرفية هي من أهم مكونات المدينة حيث اعتبرت المسجد والكتاتيب والمدارس والزوايا التعليمية والمحكمة والساحات والحدائق الفسيحة هي من المكونات الأساسية لبناء المدينة، إضافة إلى تأمين النظافة وطرق التخلّص من النفايات. وهو ما يجعلنا نؤكد أهمية التخطيط في مواجهة أزمة مدننا وتوسعاتها العشوائية، من منطلق ما بدأنا به، في عمق انتمائنا إلى أمة ذات حضارة وتراث قابل للحياة والتطور والمواكبة العالمية بفضل عقول أبنائها وحيويتهم وطموحهم الحضاري المتجدد الصادق.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة