إضاءات

مثقفون أم حلاقو قرى؟

خيري منصور

من لم يفقد ذاكرته من أبناء جيلنا واستطاع النجاة من الزهايمر الوبائي يعرف بالضبط ما أعنيه بحلاق القرية، دكان صغير أشبه بمربع شطرنجي، يعلق فيه شريط لاصق لاصطياد الذباب، وبضع أدوات يعلوها الصدأ، منها مقص أعمى وسكاكين تثلمت ويعاد شحذها بدائيا على قطعة جلد خشنة، والحلاق ينوب عن طبيب الأسنان الغائب عن القرية وعن طبيب الطوارئ الذي يضمد الجراح، ويجري عمليات الختان بلا تخدير أو تعقيم.
وكان لحلاقي القرى قبل ستة عقود ضحايا نسبت العاهات التي أصيبوا بها إلى مجهول، وحين قرأت ذات يوم عن أحـــــد أسباب الإحباط الجنسي المبكر لدى الأطفــال تذكرت على الفور مشهد ختان طفل في قريتي، حيث أمسك بيديه وقدميه رجلان من الأشداء وشهر الحلاق السكين ثم لوّح به في الهواء، وكانت صرخات الطفل تختفي وراء الزغاريد وصوت الطبول.
في ذلك الوقت كان علم النفس التربوي قد قطع شوطا كبيرا بمختلف اللغات، لكن القرى التي لم تكن تصلها جريدة لم تكن على دراية بكل ما ينشر من ثقافة. وما أرويه في هذا المقام ليس مذكرات عن فترة الطفولة في ريف عربي، بقدر ما هو مُقترب لعقد مقارنة أولية بين حلاق القرية في خمسينيات القرن الماضي والخبير الاستراتيجي والمثقف كما تقدمه الفضائيات اليوم.
إن وجه الشبه الأول بين الاثنين هو أن حلاق القرية الذي يتعامل مع الأضراس بالكماشة، لا يختلف عن خبير يتحدث عن حروب الطوائف بمنطق ما قبل الدولة، وعن التنمية السياسية كما لو أنها أنيميا حادة بحاجة إلى فيتامينات تقدمها الدول للأطفال ذائبة في أكواب الحليب، وثمة خبراء أو حلاقو قرى أعاد التاريخ إنتاجهم بربطات عنق أنيقة ومصطلحات تشبه الحجارة الكريمة التي ترصع الطين والجص، يتحدثون عن الديمقراطية كما لو أنها نوع من المعجنات، منها ما يصلح لمرضى السكر أو مرضى الضغط، ومنها ما هو لايت تبعا لمفردات معجم الريجيم ومنها العادي، بحيث تكون هناك وصفات سياسية لديمقراطية تصلح لهذا المجتمع أو ذاك، ويقال ذلك كله بمعزل عن جذور الظاهرة ومراحل تطورها وعلاقتها الجدلية بأنماط الإنتاج.
حلاق الفضاء الجديد يتحدث في علم النفس والاجتماع والإنثروبولوجيا وعن القطاع العام والتسيير الذاتي والطريق اللارأسمالي خلال الدقائق الثلاث الممنوحة له، دون أن يرف له جفن، وهو لم يقرأ من مقدمة ابن خلدون غير عنوانها، ولم يسمع بأوغست كونت، ولا كانت وإريك فروم وليفي شتراوس وباقي السلالة، إلا من خلال حوارات متقطعة في المقاهي. لهذا ينسب مقولة لأحدهم إلى آخر هو النقيض منه، وللمثال فقط أذكر أن حلاق قرية فضائيا قدم تعريفا للدولة لا يليق بأول تجمع سكاني في التاريخ، إضافة إلى الخلط بين مفهومي النظام السياسي والدولة، ما أعادني إلى كتاب بيير كلاستر عن مجتمع ما قبل الدولة، وعن نفوذ الكلام الذي يستمد فاعليته وقوته من المتكلم وليس من منطق الكلام.
وقد يستغرب البعض إذا عرف أن الجهل أحيانا، كما يقول برتراند رسل قد يكون نبعا غزيرا للحرية، لأن المعرفة قيد، وحين يسئل العارف عن قضية ما يتردد كثيرا قبل أن ينطق، لأنه يقارن بين العديد من المصادر وأحيانا يصل الأمر إلى الحد الذي عبر عنه رسول حمزاتوف في كتابه «داغستان بلدي» وهو أنه أتقن الكلام في الثانية واحتاج الى ستين عاما كي يتقن الصمت.
إن شبه الخبير وبالتالي شبه المثقف في مجتمعات تجاوزت نسبة الأمية الأبجدية فيها 60٪ وتجازوت نسبة الأمية الثقافية حسب تقارير التنمية والاستطلاعات الـ70٪ يستمد حريته من اعتقاده بجهل الآخرين بما يقول، لهذا يتهرب هؤلاء الأشباه من أي مناظرات، ولم يحدث من قبل أن كان همّ المثقف هو التهرب من اللقاء بمثقف آخر، لأنه يريد أن يزهو بعينه الوحيدة أمام العميان، أو يكون الأذكى في قطيع من الحمقى، كما تقول سيمون دوبوفوار.
ألا يسأل أحدنا نفسه على الأقل لماذا أعادنا التاريخ خلال أقل من نصف قرن إلى الجاهلية؟ بكل ما أفرزته من ثنائيات الصدر والقبر وأنف الناقة وذيلها؟ بحيث تستعاد أيام العرب بكامل عافيتها، رغم إدخالها إلى حفلة تنكرية على تخوم الألفية الثالثة.
فداحس قد يكون جنرالا أو امين عام حزب له خصائص القبيلة ونسيجها، والغبراء قد تكون أكاديمية ترطن بلغتين غير العربية وتخطئ مرة على الأقل في كل جملة عربية، حتى لو كانت من مبتدأ وخبر فقط، أما البسوس فلا بأس أن تقفز من ذلك الكثيب في الصحراء إلى صالون تجميل في القرن الواحد والعشرين، ثم تتسبب في حرب بين الإخوة الأعداء، بعد ان أصبح في تاريخنا كروموزوف آخر لم يؤلفه ديستويفسكي، بل لفّقه فقهاء الخرافة من القبيلة والحزب والنقابة. هكذا عادت الكيمياء بفضل حلاقي القرى إلى خيمياء، أما الذين يبحثون عن سبب لإبطال العجب حول كل ما يشاهدون ويسمعون في واقع تحول إلى ديستوبيا بامتياز، فإن عليهم أن يبحثوا عن أوجه الشبه بين حلاق القرية وشبه المثقف. عندئذ يجدون أن ضحايا شبه المثقف أضعاف ضحايا الحلاق المسكين، لأن هؤلاء الأشباه يلتقطون ما يسمعون بمعزل عن سياقه، ويقدمون أقنعة مزخرفة ومساحيق تجميل للتجهيل ويتمنون من الأعماق أن تدوم على مجتمعاتهم نقمة الأمية لأنها نعمة بالنسبة إليهم.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة