.

الفلسطيني عبدالله أبوبكر: كانت أمي تربي الشعر في بيتنا كفردٍ من العائلة

منى حسن

شاعرٌ يحلق بالقارئ له في فضاءاتٍ جمالية ولغوية محتشدة بالدهشة. تتجاوز قصيدته في فنياتها عوالم اللغة نحو عوالم التجسيد المرئي الذي يُشعر القارئ أنه يبصر لوحة فنية تأملية تجسد المعنى عبر رؤية تصويرية منسجمة الإبداع. ويشي لنا شعره أن فلسطين ليست أما للأبطال وحسب، بل قصيدةً ولوداً تُهدي إلى الكون في كل يومٍ شاعراً جديراً بحمل اسمها عالياً.
يرى أن محبته للغة هي التي عبرت به إلى حديقة الشعر، وأنه مدين لأمه بحب الحياة وكتابتها شعراً.. الشاعر الفلسطيني عبدالله أبوبكر، مدير تحرير مجلة «بيت الشعر» التي تصدر عن نادي تراث الإمارات، وعضو رابطة الكتاب الأردنيين، واتحاد الكتاب والأدباء العرب، صدرت له ثلاث مجموعات شعرية هي «ولكننا واحدان»، و»ليل معتق»، و «سلسبيلات».
ونال في مسيرته الشعرية عدة جوائز عربية منها جائزة بلند الحيدري، وجائزة دبي الثقافية. التقيناه عبر نافذةٍ مُطلة على حدائق الشعر فكان هذا الحوار:

■ عبدالله أبوبكر لمن لا يعرفه؟
□ قد لا يكون مهما أن نقول من هو عبدالله أبوبكر لمن لا يعرفه، والأهم في رأيي أن أقول من أنا لمن يعرفني. من هذا المنطلق والمنطق.. أرى نفسي أحد محبّي اللغة، أنتمي للعربية، العائلة الممتدة والأصل، ومن خلالها أعبر إلى حديقة الشعر.

■ يقول عزرا باوند: «كانت مسألة أن أكون شاعراً أو لا، أمراً من الآلهة، لكن، على الأقل كان عليَّ أن أجد ما كان مقدراً لي»، من هذا المنطـــــلق، كيف وجدت قدرك مع الشعر؟
□ كانت أمي تربي الشعر في بيتنا، وترعاه كما ترعى امرأة الزهور على شرفة بيتها. هكذا، التقيت بالشعر، ونشأتُ معه كما لو كان فردا من أفراد العائلة. أتفق تماما مع قول باوند، حيث لا قرار في الشعر. ولا أحد يمكنه اتخاذ قرار أن يصبح شاعرا، فهذا أمر بيد الآلهة. لكن القرار يمكن أن يتحقق إذا قرر الشاعر أن يكتب القصيدة. فالكتابة بحاجة إلى قرار، لكن لمن يملك فعل الكتابة وأدواتها. ودائما أقول إن هناك حاجة لأن نفرق بين كاتب الشعر والشاعر. فالأول قرر هو أن يصبح شاعراً، والثاني أصبح شاعرا بقرار من الآلهة.

■ تنتمي إلى أسرة شاعرة، فهل تؤمن أن موهبة الشعر تُورث؟
□ ليست الموهبة من تورث، بل السلوك والعادات، ومنطق العيش المشترك. لذا ورثت عن عائلتي محبة الشعر لا الشعر بحد ذاته. ودليل ذلك أني وأختي ميسون ولينا أبو بكر كتبنا الشعر بأدوات مختلفة لا تشبه بعضها. مدين لعائلتي بمحبة الشعر ومعرفته، ومدين لأمي بمحبة الحياة وكتابتها شعرا. في نهاية الأمر أنا صنيع أمي. تلك المرأة التي قابلت قسوة الحياة بحنان غامر، فعلمتني كيف أكون إنسانا قبل أن أكون شاعرا، وأخا وابنا وعاشقا قبل أن أكون رجلاً، وطفلا وإن كنت أمضي في الثلاثين.

■ يقول بابلو نيرودا: «إن حياة الشاعر ينبغي أن تعكس قصيدته، هذا هو قانون الفن وقانون الحياة»، إلى أي مدى ينطبق هذا القول على قصيدتك؟
□ نحن أبناء هذه الحياة، وتفاصيلها. وعندما نكتب، إنما نكتب ما نعايشه، أكان واقعها أم متخيلا. وهنا تبرز الموهبة، وتتأكد بمقدار قدرتها على ملامسة ما حولها. أما الذين يكتبون عن أشياء لا تخصهم ولا تعنيهم، فهم يجربون الكتابة ولا يتقنونها. كيف لا تحرك زهرةٌ شاعرا وهي تقف دون أن تميل في مزهرية فتاة عاشقة؟ وكيف لا يحرض الظلم والدمار شاعرا على كتابة الثورة؟ ألا يُزعج الشعراءَ ما يحدث في الشام والعراق واليمن؟ وقبل ذلك ما تعايشه فلسطين منذ عقود؟ لكن تبقى الموهبة هي الحكم على ما نكتبه. فالشعر لا يمكن أن يتحول إلى صراخ باسم الوطن.. وكذلك لا يمكنه النأي بنفسه تماما تحت شعار الذاتية أو الخصوصية..

■ المطلع على شعرك يرى أن المرأة تشكل فيه موضوعا قائما بذاته، تتجلى أحاسيسك ورؤاك من خلاله، ويتوسع لتغدو المرأة رمزا لعدة موضوعات سياسية واجتماعية وغيرها، ما يحدونا للتساؤل عن المرأة في حياة عبدالله، ودورها في التشكل المعرفي لشاعريتك؟
□ المرأة باختصار، هي كل شيء. من خلالها تبدو الحياة أكثر توهجا وابتــــهاجا، وتبدو كذلك أكثر نضـــــوجا، على عكس ما يتصور البعـــض.
أنا لا أرى الأشياء جميلة وكاملة دون حضور المرأة فيها. هكذا تقول سيرة الشعر والشعراء، وهذا ما تبرهنه الطبيعة.
المرأة هي الفكرة، والفكرة أصل الشيء. إنها الطاقة الكامنة في اللغة، وهي بوصلة الجمال ودليله. هذا بالتحديد ما يبحث عنه الشعر، ويريد أن يصفه ويقوله. ولك أن تتخيلي هذا الكوكب من دون نساء. ألن يكون مليئا بالضجر والحماقة؟

■ الشعر سادن اللغة، ومفتاح التجديد فيها، فكيف تعمل على تجديد اللغة من خلال الشعر؟
□ لا يليق بالشعر أن يكون فجا، أو أن يكون مجرد موجات صوتية أشبه بالصراخ أو الغناء البارد، لأنه في هذه الحالة سيتحول إلى خطاب سياسي ربما. أو أي شيء آخر لا يمت للقصيدة بصلة. وهنا تحضر اللغة، لتأخذ الشعر إلى جهة لا تقبل الضجيج. ولا تعرف الجمود والتقليد. اللغة هي من تبعث على الحركة، والحداثة، وتحرس الشعر من شوائب الزمن. ربما أعكس ما ورد في سؤالك هنا، لأقول إني أجدد الشعر من خلال اللغة، وبطبيعة الحال سيحدث العكس.

■ صرَّحت في أحد حواراتك قائلا: « في الشعر لا أؤمن كثيرا بمنطق الرسالات»، فلأجل ماذا يكتب عبدالله أبو بكر؟
□ . وأكتب كي أعي أني قادر على مواجهة الأشياء برشاقة شاعر. وأكتب لا لأتنفس أو لأعيش كما يحب البعض وصف أسباب الكتابة. بل أكتب لأموت في معركة حقيقية.

■ يقول ريمي دوغورمون: «أن تكتب بصراحة ما تفكر فيه، هي اللذة الوحيدة للكاتب»، فهل يمكن أن تنجو القصيدة من مطرقة الرقيب الذاتي، وسندان التابوهات المجتمعية؟
□ ونحن نتحدث هنا عن صراحة ما نفكر به، تستحضرني عبارة: «أعذب الشعر أكذبه». وهي عبارة ساذجة رددها أهل الشعر كثيرا، لكنها اليوم لا تعبّر أبدا عن واقع الشعر ومعناه ودوره. نعيش اليوم قصيدة التفاصيل والذهنيّة، البعيدة تماما عن منطق الكذب والمبالغات ثم المحسنات اللفظية. أما مسألة الرقيب. فأنا شخصيا لا أحبذ كتابة قصيدة وأنا أنعم بحرية مطلقة، ذلك أن هذه القصيدة لن تعيش معي وحدي، إنما هي ذاهبة لمجتمع من القراء، له فهمه الخاص للشعر، كما له فهمه الخاص أيضا للحياة وظروفها. فهل يعقل مثلا أن أتجرأ على المساس بمعتقد الناس بحجة الحرية في الكتابة؟ أنظري كم من الكتبةِ الذين قرروا فجأة أن يصبحوا شعراء، وهم يكتبون الرداءة بحجة الحرية وإسقاط السقف. وهم بذلك يحاولون الانتشار من باب الفضيحة والتحرر في كتابة الشعر.. هؤلاء هم من أساؤوا للحرية قبل الإساءة للشعر ومحبيه.
أنا مع الحرية، تلك التي تقود عربة الجمال إلى الأمام، لا إلى الخلف.

■ تراوحت تجربتك الشعرية بين عدة وجوه للقصيدة، من عمود وتفعيلة ونثر، أي وجه شعرت أنه كتبك كشاعر أفضل من غيره، ولماذا؟
□ لا أريد أن أقول إن الأشكال ليست مسألة مهمة. ولا أريد إعطاء إجابة تقليدية بهذا الشأن تفيد بأن الشعر هو المضمون قبل أن يكون الشكل. لكن لكل شيء كما نعلم دورة حياة، والشعر كذلك مرّ بدورة حياة بدأت بالقصيدة الكلاسيكية (الشطرين). وقد عاشت هذه القصيدة عمرا طويلا امتد مئات السنين. وأعتقد أن مساحة الإبداع في هذه القصيدة لم يعد ممكنا كالسابق. فهناك آلاف القصائد منها، ومئات الأسماء التي كتبت فيها، ولو أمعنا النظر فيما يُكتب اليوم ضمن هذا الشكل لوجدنا أن الكثير منه جاء تكرارا لما سبق. وأن المتميز فيه بات نادرا جدا (مع أنه موجود). أما قصيدتا التفعيلة والنثر فلا يزال فيهما حيز للتجريب، والاختلاف. وقد يمنحان الشاعر مساحة ممكنة لذلك على عكس القصيدة الكلاسيكية. لكن هذا لا يعني أبدا أن الشعر بات غير ممكن ضمن البناء الكلاسيكي.. فأنا أرى أن الشعر العربي ضمن دورة حياته تلك يتشكل كما لو كان قصيدة واحدة تتنوع وتتمدد، ولا يمكن كذلك إغفال أن تلك المساحة الممكنة في قصيدة النثر على وجه الخصوص منحت الكثيرين فرصة للركوب على ظهر الشعر والادعاء بكتابته.

■ كيف تنظر الآن لديوانك الأول؟
□ أنا لا أنظر له الآن أصلا.. ولا أذكره ضمن سيرتي. هو عبارة عن مجموعة من القصائد الكلاسيكية التي اتسمت بالعاطفة والصدق، وكنت في الابتدائية حين كتبتها، وقد وجدت طريقها للنشر كدعم لي في بداية الطريق وأنا لم أنه بعد مراحلي التعليمية في المدرسة.

■ تعمل في مجال الإعلام والصحافة، فبم ترد على من يتهم الإعلام العربي بالتطبيل للزيف والمزيفين؟
□ الإعلام العربي، مرتبط كغيره بمصدر الدعم. فلا يظن أحد أن هناك إعلاما حرا وصافيا تماما أكان عربيا أم غربيا. لكن تبقى المسألة نسبية بهذا الخصوص، حيث هناك مفضل وأفضل منه. نعم، هناك أيضا إعلام أنشئ أصلا لغايات التطبيل والتزييف، ويمكن إسقاط ذلك على الحالة الثقافية إلى جانب الحالة السياسية. لكن عموما، يمكن القول إن الضحية في واقع الإعلام اليوم هي الحقيقة.

■ كيف تنظر للزيادة الكبيرة في نشر الدواوين التي تغص بها الساحة الثقافية؟
□ سيذهب معظمها إلى سلة المهملات.

■ وعلى من يقع عاتق المسؤولية الأكبر، الكاتب أم دور النشر؟
□ لا الكاتب ولا دور النشر. فللكاتب حق التجريب. ولدور النشر حقها في الربح وأعني هنا تلك التي تأسست أصلا لأجل غايات الربح لا التثقيف ونشر المعرفة والفائدة. وأرى أن من يتحمل مسؤولية هذه الفوضى هو النقد. هذا الغائب تماما عن مساحة الشعر والأدب عموما.

■ كيف تقرأ دور الشعر العربي في الثقافة العربية/الواقع العربي الآن؟
□ للشعر دور عظيم في تحريك الساكن، وكان في حالات كثيرة يدخل ساحة المعركة، ليقف إلى جانب البندقية. ألم يحدث ذلك في الحالة الفلسطينية مثلا؟ لكن الحالة اليوم مختلفة جدا. فحتى العدو لم يعد واضحا تماما، وقد تعدد الأعداء وتراجعت الهمم. وأصبح الغبار يغطي معظم شاشات التلفزة. وأصبح من الناس من يقف لتأييد المجزرة والتصفيق للقائد لا للوطن.. لكن ذلك لا يعني غياب الشعر وحياده، إنما هناك الكثير من الركام الذي يحجب الواقع ويخبئ تحته الكثير من القصائد التي لا تتمزّق ولا يسيل دمها.

■ مشاريعك الكتابية المقبلة؟
□ مجموعة شعرية ثالثة لي بعنوان «الحديقةُ داخل البيت».

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق