متابعات ثقافية و فنية

العودة إلى الماضي لاستنطاق الحاضر

مخلوف عامر

يستدعي سعيد خطيبي (1984) من التّاريخ شخصية إيزابيل أيبرهارت (1877-1904)، وهي شخصية، بقدر ما هي معروفة في جوانب من حياتها، فإن جوانب أخرى يكتنفها الغموض.
وُلدت إيزابيل إيبرهارت في جنيف من أمّ روسية من أصل ألماني، ولادة غير شرعية، جاءت إلى الجزائر وجالت في عدَّة جهات منها: عنابة، باتنة، وادي سوف، بوسعادة، بشار وعين الصّفراء. كانت تلبس لباس الرجال وكأنها تسعى إلى افتكاك حريّة أكثر. إلى أنْ تُوفِّيت في مدينة العيْن الصفراء، غرب الجزائر، قرب الحدود مع المغرب، بعدما جرفها فيضان الوادي خريف 1904، ومازال قبرها هناك.
في رواية «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» (ضفاف ـ الاختلاف 2016)، الكاتب لا تهمُّه تفاصيل حياتها، إنَّما يتّخذ منها متكأ ليقول أشياء أخرى. من خلال الشّخصية الرئيسية في الرواية «جوزيف» أو (الحاج جوزيف)، الذي شارك في الحرب العالمية الثّانية وقَدِم إلى الجزائر وناصر الثورة التّحريرية ثم اعتنق الإسلام. وعاش كلّ التحوُّلات التي عرفتها البلاد، لأنه بقي في الجزائر، وبالذات فضَّل أنْ يسكن في بيْت متواضع في مدينة بوسعادة، جنوب الجزائر. يعثر جوزيف على مخطوط مفقود لـ«إيزابيل»، ويحرص على تحويل فصوله إلى لوحات. وعندما يختار الكاتب ضمير المتكلِّم في بيْت لا يتكلَّم فيه سليمان (الشّخصية الرّئيسية الثّانية) إلا نادراً، فإنَّه يحمل القارئ على الاندماج في المقروء ويُطلق العنان للتّداعيات. إذن الحكاية المحورية تنسلُّ منها حكايات أخرى، منها ما يتعلَّق بالمدينة والزاوية الصّوفية (الرّيحانية) والسّوق، ومنها ما يتعلَّق بشخصيات تحضر في المتْن من باب الاستطراد، لكنَّها تأتلف مع النصّ بلا انكسار. وكأنَّ إيزابيل إيبرهارت تنبعث من جديد بعد طول غياب، لتشهد ما جرى من تحوُّلات، فراوي يشترك معها في كوْنه أجنبياً اعتنق الإسلام وناصر الثورة كما أحبَّتْ هي الجزائر، لكنَّ ذلك كلَّه لم يشفع له فظلَّ في أعْيُن الناس أجنبياً، بل إنه «رومي» تارة و«حرْكي» تارة أخرى.
أمَّا مدينة بوسعادة، التي عهدناها واحة صغيرة هادئة، في الصّحراء، فقد اتَّسعت لتكبر معها الأحزان والمخاطر. لكنَّها ـ في الوقت ذاته ـ صورة من الوطن الذي حدث فيه انقلاب 1965 وأحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 وما تلاها من استقالة الرئيس وإيقاف المسار الانتخابي وغيرها من الأحداث التي كانت تُنْبئ بما هو أسوأ. وهو ما يجعل جوزيف يفكِّر في مغادرة البلاد، فحزب «العدالة» يرفع شعارات باسم الدين ويُعادي الدّيانات الأخرى، بل يحرِّض على تصفية كلّ من لا ينتمي إليه. ما يزرع الخوف والقلق في النّفوس.
لكنْ في خضمِّ كلّ هذه التحوُّلات يقدِّم الكاتب هاتيْن اللوْحتيْن أو اللوحة ذات الوجهين، حيث يتعايش هذا الجزائري مع الفرنسي. لقد سبق لهما أنْ تعارفا في الحرب العالمية الثانية، ثم خلال الثورة الجزائرية، وبالتأكيد أنهما لم يتوقَّعا ما آلتْ إليه الأمور، لذلك يأْبى جوزيف إلا أنْ يصطحب معه صديقه سليمان إلى بيته القديم في ضواحي باريس.
أربعون عاماً وهو ينتظر هذه المرأة التي ماتت وهي في مقتبل العُمر، فهو متيقِّنٌ من أنها، إذا ما حضرتْ فسترى الواقع بعين أخرى، هي عين الكاتب الذي تتبع التحوُّلات وقرأها بوعي. إنَّه يدرك أنَّ الثّورة التحريرية في البلد شارك فيها آخرون من جنسيات غير جزائرية. وأحبُّوا هذه التربة والتصقوا بها بعدما كانوا قد تخلّوا عن رغد العيش وملذَّات الحياة في بلدانهم الأصلية. ففي الرواية إشارات تُحيل على هذا البُعْد كإشارته إلى «شبكة فرنسيس جونسن» وغيرها. والكاتب يعرف ما يُشاع عن إيزابيل إيبرهارت، لكن لعلَّه مأخوذ بعمقها الإنساني أكثر. «كانت الألسنة تنقلها من بلد إلى آخر، تنسبها في الصّباح إلى مخابرات بلد معيَّن، ثم في المساء تنقلها لمخابرات بلد آخر، كانت بعض النسوة الغيورات منها يوشوشن في آذان رجالهن بأنها جاسوسة».
فمَنْ ذا الذي يعرف أنها انتهت غريقة في واد نكرة، وربما في مدينة لا يعرفها إلا القليل. وإنه ـ في كل الأحوال ـ لا يريد أنْ يكون أسوأ منها. «ولكنْ لم أكنْ أسوأ من إيزابيل التي كانت أكثر تطرُّفاً مني في علاقاتها مع عائلتها، ومع أمِّها تحديداً، لقد صدمت من أحبُّوها وصدمتني أيْضاً يوم قرأتُ قصة حياتها المرقَّعة بغدْر وخَيْبات من المُقرَّبين، لكن معاركها الداخلية، ونفورها من بعض أهلها، لم يمنعها في النهاية من أنْ تعيش حياتها كما يحلو لها، وتتقلَّب في الدنيا الفسيحة بين المرارات وانتهاك المُحرَّمات، وتجعل خصوماً لها يحبونها، أكثر فأكثر يوم رحيلها» يضيف. وقُدِّر لها أنْ تُدفن إلى جانبها شابَّة أخرى، عانت من واقع موْبوء دفعها ذات عام إلى الانتحار في عاصمة الانتحار. إنها صفية كتُّو، التي حلَّقتْ بجناحيْها في عوالم الخيال، إلا أنها بقيت مشدودة إلى تربتها ترسم خريطة الوطن المغدور بالكلمات، وتبكي الثورة الموؤدة بقصص رمزية لا تموت.
في الجزء الأخير من رواية «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل»، يكون جوزيف قد انكبَّ على كتابة مذكّراته، ويُلاحظ فضولاً لدى صديقه سليمان، الذي يُريد أن يعرف ما جاء فيها. يقرأ له ما كتب لعلَّه يصحِّحُه أو يذكِّره بما نسيه. وهو ينوي أيْضاً أن يسلِّم المكتوب إلى ابن صديقه الذي ليس في نهاية المطاف سوى الكاتب: سعيد خطيبي، وما المخطوط إلا الرواية ذاتها.
فيما اطَّلعْت عليه من الروايات التي صدرت، في الجزائر، هذه السنة، وهي تزيد عن خمس عشرة رواية إلى الآن، وجدتُ أنها رواية تختلف. فالعنوان وهو يستدعي هذه الشخصية من التاريخ، قد يوهِم أنَّ الكاتب سيرصد مسار حياتها ليقدِّمها للقارئ منذ نشأتها حتى وفاتها مستفيداً ممَّا أُنجز من بحوث تاريخية عنها. وقد يهتمُّ بعضهم بتدقيق المعلومات التاريخية عن هذه الشخصية، لكنَّ الكاتب ينحو منحى مختلفاً بحيث يلتقط لحظات من حياتها لتصبح مُحرِّكاً في عملية السرد، ولتكون عملاً أدبياً لا شأنَ له بالبحث التاريخي وإنْ كان يستلهِم التاريخ. وإذا مخطوط إيزابيل وبَعْثُها إلى الحياة ليس إلا مرتكزاً ليبوح الكاتب بما كان يودُّ أنْ يبوح به منذ أربعين عاماً، أيْ أنْ يترقَّب اللحظة المواتية ليُخْرج كلامه أو يرسم لوْحتَه في شكل روائي.
العنوان مثير في مدَّته الزمنية الطويلة: أربعون عاماً. فالذي يكون قد انتظر أربعين عاماً، إنما يمْتلك من الصبر ما لم يمتلكْه أيُّوب، ولكنَّه سنُّ النبوَّة. إلا أنَّ هذا «النّبي» لا ينتظر وحْياً من السّماء، إنه ينتظر امرأة ليست ككل النساء، مادام ينتظرها كل هذه المدَّة الطويلة، فمَنْ عساها تكون؟
قد يتوقَّع القارئ الذي لا علْم له بـ«إيزابيل إبيرهارت»، قصَّة عاشق ومعشوقة، كما في الحب العذْري مثلاً، وما شابه. لكنْ حين يستدرجك الكاتب سعيد خطيبي بلغته الأدبية السهلة، إلى عمق صحراء بوسعادة، وإلى امتدادها في وطن توالتْ عليه المِحَن ولم يبرأْ منها إلى الآن، ستكتشف أنَّ العوْدة إلى الماضي، إنما هي رؤية لاستنطاق الحاضر، ومادام الخيار قولاً أدبياً، رواية، فإنَّ القارئ من حقِّه أنْ يجد ـ فوق المضمون ـ متعة.
فلا حرج ـ والحال هذه ـ أنْ أشهد بأني تعرَّفْتُ على إيزابيل إيبرهارت، بوجه آخر غير الذي قرأته في البحوث التاريخية، لا جاسوسة ولا مُسْترجَلة، بل أدْركْتُ أنَّ قبرها الذي وقفتُ عليْه ذات يوم في مدينة العين الصفراء، قد أْوحى إلى كاتب جزائري بأن يكتب رواية جميلة. لأنه وفيٌّ لما استشهد به في صدر الرواية عن «فرنند واليت» فيما يعني أنَّ الكتابة تُساعد على اكتشاف الذات والعالَم معاً، فأمَّا أنْ يقول: «إن الشخصيات الواردة في الرواية من وحْي الخيال، أيُّ تشابه بينها وبين الواقع هو مجرَّد صدْفة»، فيبدو لي أنها عبارة مستهلكة، فالرواية فيها الخيال وفيها القصْد، وبالنّظر إلى حبكتها، ولغتها الأدبية الميْسورة، ووعْي كاتبها بما حصل وما يحصل من تحوُّلات لم تكنْ في حاجة إلى تبرير مُماثل.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة