مسرح موسيقى

المونودراما الصادمة ألاقي زيك فين يا علي: حين يستعاد الشهداء ماديا ورمزيا

 

تحسين يقين

لعل الساردة ألقت ما عندها ورمته لتستريح من حملها!

لم تتوقع الأخت سهيلة أن تغني لأخيها علي أغنية الفنانة صباح كنوع من الرثاء والحنين، بعدما كانت تغنيها له تحببا وتدليلا له؛ فقد كان عمره 8 سنوات حين عرض فيام “لحن حبي” عام 1953، فلربما شاهده في ذلك العام أو ما بعده من سنوات الخمسينيات والستينيات في دور سينما القدس المشهورة بجمالها في ذلك الوقت.

ندخل إلى المونودراما المسرحية، ونحن نردد مع الفتاة فانيلا التي جسدت دورها الفنانة الراحلة صباح، رابطين ما بين الفنان علي في الفيلم الذي مثّل دوره الفنان الراحل فريد الأطرش، والشاب الجميل والأنيق علي طه، حيث يشتركان فيما يتجاوز تشابه الاسم إلى قيمة إنسانية أخرى هي الوفاء.

ولعل قيمة الوفاء، هي الثيمة التي قامت عليها المسرحية، باتجهاها النقدي اللاسع والجارح لجزء من رفاق الشهيد الأحياء، أكان ذلك من خلال النقد الذاتي لتصرفاتهم الشخصية إزاء أسرة الشهيد وإزاء الراوية نفسها، أو بما يمكن أن يكون نقدا موضوعيا للتصرفات العامة التي أضرت برحلة الثورة.

لذلك، فمن الطبيعي أن تتساءل المسرحية، بل وأن تتعنون ب “ألاقي فين زيك يا علي؟”!
استشهد علي طه عام 1972، في مطار اللد، إثر عملية خطف طائرة “سابينا” البلجيكية، التي كانت متجهة إلى مطار اللد في فلسطين من أجل إطلاق أكتر من 100 معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية، وكان الشهيد قد نفذ العملية مع 3 من رفاقه الذين ينتمون إلى “منظمة أيلول الأسود”، لكن العملية انتهت باستشهاد علي ورفيقه عبد الرؤوف الأطرش، واعتقال تيريز هلسة وريما عيسى، اللتين شاركتا بالعملية.

على مدار ساعة ونصف استطاعت الممثلة الراوية والحكواتية الفنانة رائدة طه شد جمهور قصر الثقافة في مدينة رام الله، مثيرة جملة من الأفكار النقدية والمشاعر المختلطة؛ حيث أنه في ظل التفاصيل الكوميدية والمأساوية، تكون المسرحية قد نجحت في زرع التأمل الإنساني والوطني الناقد لرحلة الثورة في السياق الاجتماعي، ومنه إلى السياق السياسي.

تتقدم الممثلة الواحدة الوحيدة من أريكتها، فهي كل ما تحتاجه لتستريح، ليست الاستراحة الجسدية، بل النفسية، حيث يبدو أنها تهيأت للبوح، من خلال حركة جسدها الواثقة، بدءا بخلع الحذاء بما يوحي بأنها هنا متفرغة للسرد، غير ناوية ترك المكان، حيث يدل خلع الملابس عادة على التفرغ، أو التحرر الجسدي الذي ييسّر حديث النفس بما فيه من بوح وإفشاء أسرار أيضا. كما يأتي اختيار اللون الأزرق للفستان في هذا السياق، كونه من الألوان الباردة التي تمنح الهدوء، كأنها تروي ما هو حار في المضمون ولكن ببرودة أعصاب، تجعل هناك مسافة ما بين الذات والعام. لذلك يمكن هنا أيضا تفسير اختيار اتلشكل البسيط للديكور، كون المونودراما إنما تركز وترتكز على المضمون الذي يأتي عن طريق السرد الصوتي.

لقد عرضت للوفاء والتضحية لآخر مدى، وعرضت لما يتناقض مع ذلك من دناءة لآخر مدى، لتثير الفكر والشعور أيضا لآخر مدى، تجلى في تقدير البطولة ونقد الوصوليين، ممن ساروا في ركاب الثورة لمصالح ومطامح بل ومطامع ذكورية لم تتوقف على الطمع بزوجة الشهيد، بل ليتم استساخ الطمع تجاه ابنته بعد زمن. ولعلنا هنا نتوقف عند مفارقة برمجة المجتمع متمثلا بالنساء تجاه زوجة الشهيد، ابتداء بمسح طلاء الأظافر وليس انتهاء بسجنها كأم راعية لأطفالها فقط، مقابل نظرة الرجال الذكورية تجاه أنوثتها.

وقد ظهر أثر تأثير الراوية على الجمهور من خلال مشاعر الحزن التي بللت العيون، والضحك على المفارقات، مذكرة بالكوميديا السوداء، وإن لم تكن كذلك.

ما بين الدموع والابتسامات، وتذكر تلك السنوات بما فيها من بطولات واجتهادات سياسية، عاش الجمهور أحداث المسرحية، وكل وعمره الزمني، وما شهد وشاهد أو سمع وقرأ؛ فالمقبل على الخمسين من العمر ليس كالستيني أو السبعيني، ورغم تلك الفروقات العمرية والخبرات المتنوعة والمتفاوتة، إلا أن المسرحية استطاعت جذب الجميع هنا.

فما الذي فعلته الفنانة-الكاتبة رائدة طه هي ومخرجة العرض الفنانة لينا أبيض؟
بل كيف نفسّر أيضا القدرة الإبداعية لرائدة طه في التمثيل وهي في تجربتها الثالثة فقط؟
سيقف النقاد عن هذا التمثيل القوي جدا لكاتبة لم تتعلم التمثيل ولم تختبره سوى في ثلاثة أعمال سابقة هي ثلاث تجارب مسرحية: عائد الى حيفا ، وبترا روكس وثمانون درجة.

فقط؛ فالتمثيل هنا هو من حمل النص، خصوصا ونحن إزاء مونودراما، تعتمد الممثلة الواحدة فقط. فهل يعود ذلك للإخراج؟ أو للانخراط الفكري-الشعوري للفنانة وقدرة الدكتورة لينا مخرجة العرض في توظيف تلك الحالة الفطرية الطبيعية التلقائية والعفوية؟ أو أن القدرات التمثيلية كانت كامنة وظهرت؟ أم كل ذلك جميعه؟ يمكن أن يعود تفسير ذلك لقدرة المسرحية في عرض مضمون قوي ومؤثر، أي إننا إزاء الشكل الفني المعبر عن المضمون وسحر تقديمه للجمهور؛ والذي اعتمد على العرض العادي للقصة المؤثرة بدون إضافات تثقل النص-والعرض. لربما استدعت قوة المضمون عبقرية التمثيل. سرد وتمثيل وتقليد أصوات وحركات، ورقص؛ كل ذلك هو ما سردته الممثلة، بمصاحبة مؤثرات لعلها كانت موسيقى العرض، فلا بدّ أن الفنانة صقلت تلك الموهبة بالقراءة والمثابرة في التطبيق.

كان العرض كشهادات أو مونولوجات لعدد من أفراد الأسرة، الابنة، والزوجة فتحية، الأخت، القادة، الجيران، الأصدقاء، الأوفياء وغيرهم من الطامعين، والتي تقاطعت وتكاملت لتصف وتعرض ليس فقط لشخصية وحياة واستشهاد الفدائي علي طه، بل للأسرة وأسر شهداء آخرين.

من عرض لحادثة الاستشهاد من خلال رواية الطفلة ابنة الشهيد “رائدة” إلى رواية الكبار والصغار الآخرين، في لبنان ومن ثم في القدس، حيث تشكل استعادة جثمان الشهيد من ثلاجة الموتى لدى سلطات الاحتلال من أجل دفنه جزءا مهما من المسرحية، لما تلقي فيه من دلالات وأحداث، منها سعي أخت الشهيد سهيلة لمقابلة وزير الخارجية الأمريكي هنري كسينجر للضغط على الإسرائيليين لتسليم الجثمان، وما ظهر من مفارقات كوميدية وماساوية، استطاعت فيها رائدة طه من تمثيل عدة شخصيات تمثيلا حقيقيا غاية في الإتقان والروعة، من تمثيل الإسرائيليين والفلسطينيين الأقرباء الخلايلة والمقادسة وغيرهم، وهي من أبدعت في تمثيل مديرة المدرسة بلهجتها البيروتية المطعمة بكلماتها الفرنسية. وتلك هي استعادة الشهيد ماديا.

وقد استخدمت المخرجة هنا وثائق ورقية أكانت رسائل علي لزوجته فتحية ووصيته أيضا، وأوراق الصحف التي وثقتها الأخت سهيلة، كأسلوب فني ليمنح السرد حيوية خاصة.
وقد ساعدت الشاشة المرافقة في دعم المونودراما لتعبئة الفراغات، أو منحها وقت للاستراحة، حيث تم استخدامها لعمل حيوية للرواية، وإدخال المشاهد في الأحداث، منها أثر الاستشهاد على الزوجة والبيت، وأوراق سهيلة وهي تعرضها، وبعض اللقطات الثورية، وغيرها، كأنه تعرض من خلال الصوت والصورة . لكننا لم نشعر أن تكنولوجيا الشاشة قد سلب العرض الفن المسرحي وعلى رأسه عنصر التمثيل. وينسجم مع ذلك اختيار تتابع المشاهد من خلال الإضاءة والتعتيم.

بالرغم من أن مضمون المسرحية كان صادما وجارحا، إلا أننا نزعم أنه كان ناجحا في الالتفات إلى الحياة الاجتماعية والنفسية العادية والطبيعية للفدائيين وأسرهم، بعيدا عن الهالة التي تم اعتياد النظر من خلالها. كذلك كان موفقا في الربط ما بين الماضي والحاضر، من خلال نقد الوصوليين من النخب القيادية، والتي كان لتصرفاتها في الماضي والحاضر أثر سلبي على القضية. من هنا فغنها تلجأ إلى استعادة الشهيد علي خاصتها والشهداء بشكل عام للمحاسبة، على طريقة الشهداء “يعودون هذا الأسبوع” للطاهر وطار. وتلك هي الاستعادة الرمزية.

الممثلة هنا هي كاتبة النص، وهي قاصة أيضا لها مجموعة قصصية، وهي مثقفة ومطلعة على المسرح والسينما، والفنون، لذلك فقد استفادت من خلال خبراتها الفنية في وضع نص سهّل على المخرجة لينا أبيض تناوله إخراجيا، وهي التي تعاونت مع رائدة طه في مسرحية “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني.

ألاقي زيك فين يا علي!
في نهاية العرض، ومن خلال الشاشة، تطل أخت الشهيد سهيلة بشكل توثيقي تسجيلي للحديث ومن ثم تغني بحزن لعلي كما كانت تغني له صغيرا وفتى وشابا جميلا يقود السائحين في طرقات القدس العتيقة وأزقتها، ويختلط غناؤها مع غناء الفنانة صباح:
الاقي زيك فين يا علي
وانت في العين دي .. والعين دي يا علي
يا كاويني يا علي .. يا ناسيني يا علي
ع العين يا علي يا علي .. علي
اخاف عليك لتروح .. وتفوتني محتاره
وتخلي دمعي يبوح .. بالسر للجاره
وافضل لوحدي انوح .. والدنيا غداره
…………………………..
تحرم علي الاه .. لو قلتها لغيرك
وانت قريب الحياه .. وانا في الحياه طيرك
والقلب عندك دواه .. خليه يبكيلك
إلى آخر كلمات الأغنية التي كتبها مأمون الشناوي ولحنها فريد الأطرش، والتي تظهر أن اختيار اسم المسرحية لم يكن مجرد تشابه أسماء بل مواقف إنسانية.

لقد تم عرض المسرحية أكثر من 20 عرضاً في لبنان ومخيماتها، وفي تونس والإمارات العربية، في الأردن واليونان، وستعرض في البحرين وباريس ولندن وألمانيا والعاصمة واشنطن، وبلدان عدة، لعلها تلقي الضوء إنسانيا وقوميا ووطنيا على أسر الشهداء في كل مكان. ويمكن أيضا الانتباه والربط بين احتجاز سلطات الاحتلال لجثمان علي طه في الثلاجة، وجثامين الشهداء اليوم.

لعل الساردة ألقت ما عندها ورمته لتستريح من حملها!

في حين سيتعب المشاهدون/ات ويشقون في تفكيرهم عما جرى ويجري وهم يغادرون المسرح ليلا!

هوامش:
* لينا أبيض مخرجة مسرحية لبنانية حائزة على دكتوراه في الدراسات المسرحية من جامعة السوربون الجديدة في باريس، وتعمل أستاذة مساعدة للفن المسرحي وأسس التواصل الشفهي في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU) في بيروت، وتقيم عروضاً على مسرح الجامعة ومسارح متخصّصة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أنها ترجمت مسرحيّات عدّة إلى العربيّة وقامت أحياناً بتكييفها مع الواقع اللبناني، كما تولّت إدارة ورشات عمل مسرحية مختلفة في بيروت والمنطقة.

*”لحن حبي” والذي احتوى على أغنية صباح “ألاقي فين زيك يا علي” هو فيلم موسيقي درامي رومانسي مصري من إنتاج عام 1953، بطولة فريد الأطرش، وصباح، وعبد السلام النابلسي، وإسماعيل ياسين وغيرهم، تأليف أبو السعود الإبياري وإخراج أحمد بدرخان.

 

الأيام الفلسطينية

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق