متابعات ثقافية و فنية

عبدالله أبوشميس في «الحوار بعد الأخير»: توافق الدرامي والغنائي

 

ابراهيم خليل

لا يحتاج القارئُ، في ظننا، لطويل تدبر وتأمل، ليلحظ ما يغلب على قصائد عبدالله أبو شميس، في ديوانه الأخير الموسوم بـ»الحوار بعد الأخير» (دار الانتشار العربي، بيروت؛ ونادي تبوك الثقافي، ط1، 2016) من الحس الدرامي، فجل قصائد الديوان، إن لم تكن كلُّها، وعددها ثلاث عشرة قصيدة، لا تخلو من شخوص يتحاورون، ومن أصواتٍ متعدِّدة تزاحم صوت المتكلم، الذي قد يكون صوت الشاعر حينًا، وفي أحايين أخرى صوت متكلم آخر من ابتداع الشاعر وابتكاره. ففي القصيدة الأولى «الحوار بعد الأخير مع محمود درويش» التي اختار الشاعر عنوانها عنوانا للديوان، في إشارة تنم على تفضيله لها على سائر القصائد، نجد المتكلِّم، والشاعر درويش، يلتقيان في رؤيا منامية في آخرة من الليل، ويتحاوران. وتتخلل هذا الحوار حواراتٌ أخرى مع المتنبي تارة، ومع أبي فراس الحمداني تارة، ومع امرئ القيس تارةً أخرى.
فالقصيدة تبدأ على هيئة المنظر الدرامي الذي يُحدد فيه الزمانُ والمكان، دون أن يخلو من الصراع بين الحالم والشاعر الذي تجلَّى له في الرؤيا، فاعترف له بأنهما على خلاف، ولكنهما مع ذلك لا يتقاطعان، فمن السائغ – في مثل هاته الحال- أنْ يكون أحدهما – وهو الحالم- رسولا للآخر المرسِل، وإن تعذَّر أن يقدم هذا الآخر للرسول واجب الضيافة في مقامه البرزخيّ هذا. وقد أمْلَت الرؤيا المناميّة هذه على الشاعر – أبو شميس- أن يقيم قصيدته على مبدأ درامي، وهو الحوار المتصل، فالحالم يسألُ، والشاعر يجيب عما يطرح عليه من تساؤلات، ترافق هذه الإجابات لقطاتٌ تصور حركة الآخر، فهو لا يتكلم حسب، وإنما يلتفت إلى هذا الاتجاه، أو ذاك، في ما يشبه الاستجابة لتوجيهات من المخرج، ويختفي من المشهد تارةً، ليعود تارةً أخرى، ولذلك نجد القصيدة تقتربُ في نسيجها اللفظي من النثْر الدرامي، لولا الوزن، الذي لا يخفى على القارئ:
وأدار إلى جهة الخلْد كرسيَّه في هدوء
وما عدتُ أبصرهُ
ربما طار بين التهاويمِ
أو صار دندنة في الترانيمِ
حدثتُ نفسي بأن الزيارة قد كُسِرَتْ ـ
مثل فنجان شاي على مرمرٍ فارسيّ
وضحكتُ من الخاطر الفجّ
قمتُ لأخرجَ
لكنَّه عادَ في خفّة الطيْرِ
حطّتْ يداهُ على كتفيّ
وتبسَّمَ لي
وهذا التصويرُ لحركة الآخر (الممَثّل) وردود فعل الحالم في القصيدة، يقتربُ بنا ـ فعلا- من النثر الدرامي، بيد أن الشاعر بالتزامه اسْتقامَة الوزن، واستواءَ التفعيلة، وباعتمادِه التدويرَ، الذي يتيح للأبيات أنْ تكون مفتوحةً، بعضُها على بعض، مع ما يتخلَّلُها من انزياحاتٍ، تذكِّرُ القارئ مرارًا بأنه ما يزال يقرأ شعرًا، لا نثرًا: «طار بين التهاويم، دندنة، كُسِرَتِ الزيارة، على مرْمَر فارسيٍّ، الخاطر الفجّ، عاد في خفَّة الطير». وهذا الحوارُ يذكرنا ـ فضلا عما سبق- بلغة محمود درويش، وبقصائده التي تقوم على البنى الدرامية، ولا تغيبُ عنها- في الوقت نفسه – غنائية الشعر، كقصيدة «طباق»، و»لماذا تركتَ الحصانَ وحيدًا»، وغيرها الكثير، مما لا يتسع المجال لذكره، والإحالة إليه. فمن المشكوك فيه ألا يلحظ القارئ، سواء منْ كان من ذوي الاختصاص بالشعر ونقده، أم من القراء العاديّين، الذين يكتفون من الشعر بالقراءة والتذوق، المظهَرَ الصوتي المتفرِّد لشعر درويش في الأبيات الآتية من قصيدة أبي شميس:
لكنَّني لا أحب النهاياتِ
حين تُمزقُ نهرَ الكمنجاتِ
طار الحمامُ.. وطار..
وصار السلام أقلَّ عتادًا
يا بلادًا على حبْلها تتهادى
بين من يلعبون بأطفالنا
لعبة الاحتمالات
إلخ…
فهو، بلا ريب، يُذكِّرنا بالبصْمةِ الصوتية لأشعار درويش في أكثرَ من شاهدٍ شعري، وفي غير ما قصيدة، وفي عددٍ غير قليل، ولا نزرٍ، من الدواوين. ومما يُسوِّغ وجود هذا التشابه، بين شعر درويش وعبدالله أبو شميس، في هذه القصيدة بالذات، أنَّ الأخير يريد استعادة ذكرى الشاعر الذي رحل في 9 آب/أغسطس 2008 ومن التدبير اللبق اقترابهُ بلغة القصيدة اقترابًا كبيرًا من صوْت الراحل وشعره. ولو نظرنا في قصائدَ أُخرَ يغلبُ عليها هذا الحسُّ الدرامي، لاستبعدنا هذا الانطباع، الذي يُفصح ويشي، بتشابه اللغتين لدى الشاعرين، ففي «الزوْج الأبديّ» وفي «يُسمّونهُ الحبّ» وفي «الممثلون» ما يؤكد أن للشاعر أبا شميس أسلوبًا شعريًا خاصًا به، مؤكدًا أصالته، وأنه يمتحُ بدلوه، لا بدلاءِ الآخرين:
كأني أرى كلَّ شيء
لأول مرة
سريريَ غصنٌ نديٌّ
وثوبيَ زهرة
وأنا نحلة أترشّفُ نفسي
وأملأني بالمسرَّة
كم أنا ـ يا أخْتيَ الشمسَ- حرَّة
لكمْ أنا حرّة
والاستقلالُ عن أصوات الآخرين نجده أكثرَ وضوحًا في قصيدةٍ عنوانُها «قصيدةُ إبراهيم» التي يستدعي فيها الشاعر أبو شميس مشهدًا دينيًا معروفًا فيه عدَّة أشخاص: آزر، إبراهيم، إسماعيل وهاجَر. وأمكنة عدة: بابل، دجلة، النيل، آشور، أرض العرب، الوادي غير ذي الزرع، ويستحضرُ ـ أيضًا- رموزاً أخرى: الشمس، ونار النمرود والفأس والأصنام . ومع هذا التنوُّع الذي يهدِّدُ القصيدةَ بالتشتُّت، نجدهُ يمسك بأطرافِ الرؤيا (الحلم) محافظًا على تماسُك المشهد الدرامي تماسُكاً شديدًا:
آهِ يا هاجرُ
هاجرتُ برغمي
تاركاً برعم قلبي
لفحيح الريح في الصحراء
يا هاجرُ
هاجرتُ برغمي
فاغفري لي
سطوة الأحلام بي
تُنْزلني عن كوكبِ
في ليل آشورَ إلى
مركبٍ يهتزُّ في النيلِ
ويلقيني بأرض العربِ
ولعل في هذه القصيدة ما يبرهن على صحة التصور الذي سار عليه الشعراء المحدثون، وهو أن أي شخصية يمكن استدعاؤها على سبيل الرمز من الماضي، سواء أكانت من التراث الديني أو الأدبي، أو التراث الشعبي، إنما هي قناع يستتر به الشاعر ليقول ما يريده دون أن ينزلق إلى لغة الشعارات الفجة. فهو، بلا ريب، يريد أن يبث عبر هذا النموذج الديني – إبراهيم- ما يراه، ويتخذه، من مواقف إزاء ما جرى، ويجري في العراق، وغير العراق من حروب، وفتك بالناس، وفتن تحتاج إلى من يحيل النار بردا وسلاما على الشعب العراقي والسوري:
بابلُ لا تغفر أن تنظر
لا تغفر أن تبصر
لا تغفر أنْ تتورَّط في الأحلام
بابلُ توقدُ نارك، إبراهيمُ،
فحاورْ نارك بالجسد العاري
تصبح بردًا وسلام
ولذا نرى هذا النموذج في نهاية القصيدة، يثور على نار النمْرود، التي تمتد في غير اتجاه، فتصل ألسنتها الملتهبة البيوت والأبناء والأحفاد وإسماعيل، الذي يرمز هنا – بلا ريب- للعرب، لذا لا بد من أن يعود إبراهيمُ إلى دياره، من مهجره، ليستكمل رؤاه، ويعمر البيت العتيقَ، بعد أن هدم، ويجدد أحلامه على هذه الأرض، ليس وحده،ُ وإنما مع ابنه إسماعيل الذي يفتديه- مثلما تقول القصة – بذِبْحٍ عظيم:
عدتُ كي أكمل أيامي
وأبني بيت أحلامي على الأرض
أنا وابني
وأغفو بعدها من غير حلمِ
ومع أنَّ القصيدةَ بطبيعتها هنا (رؤيا) مركَّبة، ومعقدة تعقيدًا يُضفي على مغزاها – إذا صحَّ التعبيرُ، وساغ- بعض الغموض، إلا أن أبا شميس استطاع بهذه الرموز المتداخلة أن يعبِّر عن معاناة المجتمع الإنساني في هذا الصِقْع من العالم، وتجلّده، وصبْره، في انتظار أن يُفتدى، وأنْ ترفع عنْهُ سكاكينُ الطواغيت:
افعلْ ما تؤمر يا أبتي
فالدربُ طويل
– دربُ الأحلام طويلٌ يا ولدي
– وطويلُ
وطويل
ولعلّ مما يُعمّق دلالاتِ الصورة، في قصائد هذا الديوان، وقربها اللافت من المشهد الدرامي، توافرَ النماذج الدينية والأسْطورية، والشخوص الذين اتخذ منهم الشاعر ومنها، أقنعةً يخفي وراءَها ما يريد قوله قولا غيرَ مباشر. فعلاوةً على ما سبق ذكرهُ من شخوص، نجدُهُ في «شاميّات» يتخذ من امرئ القيس الكنْدي ـ الشاعر الجاهلي المعروف بالملك الضليل- قناعاً يبثّ عبره بعضَ رؤاه، مثلما يتخذ من شاعر المعرَّة (أبي العلاء) قناعًا آخَرَ، ومن تيسير سبول- الشاعر الروائي الأردني- قناعًا ثالثاً، ومن المسيح عيسى بن مريم قناعًا في «صليب 2014 « يواجهُهُ قناعُ يهوذا الإسْخريوطي. فجلُّ هذه الأمثلة يقوم استدعاؤها شعريًا على أساسٍ دراميٍّ، وهو الأساس الذي قامتْ عليه أيضًا قصيدة الحوار بعد الأخير مع محمود درويش.
وتبعًا لهذا، يستطيعُ القارئُ أن يسْتخلص، وهو مطمئنُّ البال، مُرتاحُ الضمير، من قراءته لهذا الديوان، أنه أمام شاعر تقومُ الشاعرية لديه على الإفادة من البنى الدرامية في قصائدِه، دون مجازفة تامَّة، أو غيْر تامَّة، بالطابَع الغِنائيّ، وهذا لا يتأتّى إلا لمنْ كان متبصّرًا بالشِعْر، متمرِّسًا في النظْم، قادرًا على اقتناصِ الرؤى، بعيدًا عن لغة الهتافاتِ الرنَّانَة، والشعارات الإيديولوجية الطنَّانَة.

(القدس العربي)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق