متابعات ثقافية و فنية

«موت الناقد» لرونان ماكدونالد… المسار والمآل

عبد الرزاق هيضراني

تأسست فكرة كتاب «موت الناقد» لرونان ماكدونالد، الصادر عن المركز القومي للترجمة، الذي ترجمه فخري صالح، على تاريخ ومسار نقدي هيأ لفكرة هذا الموت، ذلك أن النقد البريطاني والأمريكي تأسس على تراكم وتجاوز نقدي قبل أن يتبنى الكثير من النقاد هذه الفكرة تنظيرا وممارسة، لذلك ونحن نقرأ هذا الكتاب نجد أن الكثير من أفكاره يكتسي وجاهته، خصوصا عندما يسلك ماكدونالد دروبا مختلفة في رصده لأسباب وظروف الإعلان عن موت النقد النخبوي.
ولأجل ذلك، ينتقد الباحث مجموعة من التخريجات التي بخست دور الناقد العام وحولته إلى «بائع ملابس مستعملة»، بدءا من سيبيلوس الذي يكرر نصيحته على الدوام، التي تعتبر النقد مجرد توسطات هدامة لا يمكن الوثوق في نزاهتها، مرورا بالكاتب المسرحي الإيرلندي برندان بيهان، الذي يعتبر النقاد خصيانا وسط الحريم، يعرفون كيف تجري العملية، وهم يشهدون ممارستها كل يوم، لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوها بأنفسهم. وهذا صمويل بيكيت الذي وصف النقد الأدبي في مسرحيته الطليعية «في انتظار غودو»، وصفا لاذعا قائلا إنه «استئصال للرحم بمجرفة» رادا على هجوم متوقع.
كانت مثل هذه الدعاوى فاتحة لحياة القارئ، لكنها بالقدر الذي حررت فيها القارئ أدت، كما يؤكد ماكدونالد، إلى التخلص من الناقد، أو على الأقل تخلصت منه باعتباره مثقفا عاما وحكما يحدد جودة العمل أو يقود الجمهور إلى المعنى. وبذلك فإن حقبة الخبراء، تلك الفئة العالمة التي كانت آراؤها وأذواقها بمثابة النجم الهادي، جرى التخلص منها من قبل الجمهور الذي أصبح قادرا على تقويم ما يستهلكه على الصعيد الثقافي. ولقد تسارعت هذه الميول، كما يرى ماكدونالد، بالنظر إلى ظهور الشبكة العنكبوتية التي وفرت منصة سهلة للقراء، دون حاجة للمرور بأي سلطة أو مرجعية تذكرهم بمراجعي الكتب. لقد تكرست الفنون العظيمة بصورة أو بأخرى بسبب النقد الأكاديمي، في الوقت الذي أعادت فيه الدراسات الثقافية الاعتبار للنص المهمش المبعد بنقدها النصوص المعيارية ذاتها. ولعل من مظاهر العزاء التي عجلت بموت الناقد أنه أصبح ينظر إلى القيم الجمالية كشيء من أعمال الخيال، كشيء شخصي على أحسن الأحوال، أو أنه ضار ومؤذ ثقافيا.

مظاهر العزاء

يفرد ماكدونالد الفصل الثاني من الكتاب لأسس القيمة النقدية، إذ يتتبع دلالات الناقد، بدءا مما كرسته المعاجم من نظرة سلبية تحقيرية لمفهوم الناقد. فهو الشخص الذي يبحث عن العيوب، أو يكثر من التذمر أو ينتقص من أفعال الآخرين. أما المعنى الثانوي الذي يقدمه هذا المعجم فهو أن مهمة الناقد هي التقويم الحصيف غير المتحيز للعمل الإبداعي. وهذا ازدراء يسبق موت الناقد، كما يرى ماكدونالد، لكنه يخفي وراءه في الوقت نفسه سبب عدم وجود مظاهر للعزاء. وتبعا لذلك، يرجع ماكدونالد إلى أصل المفهوم الإغريقي بادئا بالتمييز بين Critical التي تدل على حالة طارئة حرجة وCritique التي تمثل صيغة من صيغ المساءلة الفلسفية، مؤكدا أن جذور المصطلح ضاربة في القدم، إذ المصطلح الإغريقي kritos تعني الحكم والقاضي، ومع مرور الوقت سيدمج معنى النقد مع مفهوم التفسير والتأويل، ومن ثم فتاريخ النقد يكشف توجهين متعارضين:
الرغبة في إيجاد أسس صلبة ثابتة يمكن من خلالها التقويم والحكم.
الحاجة لاستيعاب قيم الخصوصية، والقول بأن الفن تغير وتنوع، وهو بحاجة إلى الحكم عليه استنادا إلى قيم ومعايير جديدة.
في هذا الإطار واستنادا إلى التوجهين السابقين، فإما أن تدافع الممارسة عن المعايير والقيم والتراتبيات القديمة مقابل الجديدة، أو أن تدافع عن الجديدة مقابل القيم القديمة. أما هذا التناقض في تاريخ النقد الممتد والشاسع فيرى ماكدونالد: «أن إعادة صياغة ماضي النقد المتنوع غير المنظم، بكل ما فيه من نهايات حادة أو مرنة، في سرد متتابع منظم، تمثل اعتناقا لنوع من الواقعية الساذجة التي استنكرها معظم تيارات النظرية الثقافية المعاصرة». وأمام كل ذلك يرى الباحث أن النقد تابع للفن، وهذا يدعوه إلى أن يبرر غاياته، ويوضح، بصورة متصلة، الصيغة المناسبة لطريقته في التعبير مما يجعل أشكال الكتابة جميعها تتفكر مليا في أسباب وجودها.
لقد واكبت عمليات الإبداع حملات رقابة على مر العصور منذ أفلاطون الذي طرد الفنانين من جمهوريته المثالية، ذلك أن الشعراء يشكلون حظرا على الحقائق، تلهي الأفراد عن واجباتهم، ما يجعل الفلسفة أقرب إلى الحقيقة من الفن. وفكرة أن الفن ذو دور هدام سيثير الكثير من حملات الرقابة في القرون التالية، إلا أن الحكم النقدي في العصر الحديث سيتم مع كل ذلك بنزعة أخلاقية هدامة، بحيث إن النقود التي توجه الاتهام للعمل الفني الذي يحمل رسالة سياسية بغيضة وهدامة كادعائهم أن «تاجر البندقية» لشكسبير معادية للسامية أو أن «المستحمات» لفراغونار تتضمن نظرة ذكورية متعالية، ذات نزعة أخلاقية صرفة. وستشكل وجهة نظر أرسطو، على العكس من ذلك انعطافة في تاريخ النقد كله. وكذلك كان بالنسبة لبلوتينوس ولونجينوس اللذين نظرا إلى الفن باعتباره عملا روحيا. ويرى ماكدونالد أن النقد متصل بصورة يصعب فصم عراها بقيم متحولة متغيرة لا بأحكام القيمة. ومعنى ذلك أن النقد شأنه شأن باقي المعارف تراكم وتجاوز، وإن أسس القيمة النقدية غير موحدة على مر العصور، وهذا ما أكده الباحث باستحضاره مفكرين كبيرنار أوف تشيفو وتوما الإكويني، مرورا بمفكري العصور الوسطى المتأخرة كبيترارك وبوكاتشيو وكذا مفكري عصر النهضة لعل أهمهم لودفيكو كاستيلفيترو. وسيعقد ماكدونالد مقارنة بين الذائقة النقدية عند كتاب من فرنسا وإنكلترا، مؤكدا أن تبجيل أحكام القدماء والإصرار على تطبيق المعايير التي وضعها هوراس كانت أقل إلحاحا في إنكلترا مقارنة مع فرنسا (كورني، فولتير). فقد استطاع شكسبير انتهاك القواعد، لكن أحدا لم ينكر عظمته. وبهذا فإن القواعد النقدية محكومة بسياقها التاريخي إذ إن قواعد القدماء مكتشفة وليست مخترعة.
هذا وسيشكل القرن 18 و19 انعطافة في ممارسة الفعل النقدي. فمع انقضاء القرن 18، ازدادت فعالية النقاد، إذ لم يعودوا مسؤولين عن تنظيم الذوق النيوكلاسيكي فقط، بل نشر القيم المتحضرة الخاصة بالمجتمع. ومن أوجه انعكاس ذلك أن الفنون لم تعد في رعاية المعجبين الأرستوقراطيين، بحيث إن الطبقة الوسطى أصبحت قادرة على شراء اللوحات والتردد على المسارح وحفلات الموسيقى. وهذا التحول جعل النقاد يعملون على توجيه جماهير المستهلكين، إلى ما هو قيم ويستحق الاهتمام في الفنون (ص 70). وباختصار فقد كان النقاد، كما يؤكد الباحث، يبحثون في السؤال الثقافي العميق الخاص بالقيمة والتقنيات والأشكال الصحيحة للفن.
يؤكد ماكدونالد في هذا الفصل أنه في بدايات القرن 20 ستشهد السلطة المرجعية الأكاديمية تغيرا مهما عندما بدأ فرع الدراسات الإنكليزية في الانتشار داخل الأوساط الأكاديمية والطلابية، فإضافة إلى قلق التفكير في الأدب والمجتمع لن يعود الناقد هو الذي يمتحن الطلبة ويرفع رأسه عاليا وسط العلماء. فقد دخل العلم إلى حلبة الدراسات النقدية، ما سيشكل مخاطر وانعطافات، إذ كان بمقدور العلم كما يؤكد الباحث، أن ينقل إلينا معرفته المكتسبة المتراكمة بسهولة ووضوح، وكان بإمكان هذه المعرفة إحداث نتائج مبهرة يمكن التحقق منها في ميدان الإنسانيات، إلا أن قلق الصرامة العلمية لازم العقل النقدي، على الرغم مما راكمه من معرفة منهجية تقربه من العلم. وهذا ما نلمسه مع الشكلانية والنقد الجديد والنقد النفسي، إذ كلها تحققت لها تلك الصرامة شبه العلمية بأشكال ونسب متفاوتة. إلا أن هذا الوضع سيولد نوعا من التناقض، إذ على الرغم من أن النقاد الأكاديميين قد قلدوا التقنيات التي يستخدمها العلم ووسائله الإجرائية الدقيقة الصارمة وإعلاءه من شأن الموضوعية والنزاهة، فقد كانت هناك تيارات تنادي بقيمة الثقافة نفسها بعيدا عن هذه الصرامة. ذلك أن قيمة الأدب حسب التوجه الثقافي تتحدد في قدرتها على غرس قيم الشعور بالأخوة الإنسانية والإدراك والوعي الأخلاقيين. ويؤكد ماكدونالد أننا لا نعثر على تلك القيمة في العلم بل في الحساسية (ص91).

صعود الدراسات الثقافية

يتناول ماكدونالد في الفصل الرابع ظروف صعود الدراسات الثقافية، لاسيما بعد 1970، حيث بدأ النقد في الجامعات يتخذ له مسارا مختلفا عن عالم الآداب. ولعل تزايد عدد المدونات وبروز الثقافة الشعبية كان لها دور كبير في فسح المجال لدمقرطة الحقل النقدي. وقبل استعراضه لأهم محطات الدراسات الثقافية يتناول بالتحليل ما خلفته البنيوية وما بعد البنيوية وما رافقهما من مناهج متعددة. فالبنيوية استفادت من علم اللسان وعلم الإنسان وعلم النفس، إلا أنها كانت أقل اهتماما بالمضمون الظاهر أو بالمرجعيات الواقعية للعمل الأدبي. إذ كانت تنظر للعمل على أنه شبكة محكمة من العلامات التي تحكمها القواعد والمواضعات التي تقيم في أسس الأنظمة العلاماتية، إذ يتمثل دور التأويل في تحديد هذه الأنظمة اللغوية وفحصها. وبعدما يستعرض بعض مميزات السرديات، يؤكد أن التذوق الأدبي في البنيوية لم يعد ذا قيمة، إذ جعلت النزاهة والموضوعية فضيلة من فضائلها. فقد تسبب النظر إلى الروايات والقصائد على أنها (أنظمة علاماتية) اكتسبت معانيها فقط من خلال وجود قواعد وتقاليد ومواضعات مسبقة، في اغتصاب فكرة المؤلف أو الفنان بوصفهما منشأين للنص أو مصدرين له وكذا في اغتصاب السلطة المرجعية الخاصة به.
لكن البنيوية ستعرف انتقادات شديدة من منتسبين إلى تيارها كرولان بارت، إذ كان الدافع الأساس وراء نقدها ادعاءها الشمولية مختصرة الممارسة الإنسانية بأكملها مؤسسة على البنيات العلاماتية الدالة. وقد استثمرت ما بعد البنيوية إبدالات لا تعترف بالضرورة بالساكن مثل اعتمادها على المتضادات أو الثنائيات المتقابلة. وهذا ما جعل هذا التوجه نسبويا في تقديراته مثقلا بالشك والريبة. وإذا كانت البنيوية قد سعت إلى رفع الدراسة النصية إلى سدة العلم، نظرا لما تميزت به من غموض نظري، فإن ما بعد البنيوية سعت إلى تحويل العلم إلى دراسة نصية. ولم تكن هذه المعطيات منفردة هي التي وجهت رصاصة الرحمة إلى الناقد النخبوي، وإنما كانت الدراسات الثقافية أهم المباحث التي شنت حربا على هذا التوجه المتعالي على النص والمتلقي. ولقد شكلت أعمال ميشيل فوكو وبيير بورديو وغيرهما انعطافة مهمة في تاريخ الدراسات الثقافية. إذ بناء على كل ذلك هدمت الدراسات الثقافية الحدود بين الرفيع والشعبي، موسعة دائرة اهتمامها إلى كل سلوك/ نشاط يولد المعنى سواء داخل النص أو خارجه. ويتتبع ماكدونالد نشوء الدراسات الثقافية، بدءا بإنشاء مركز بيرمنغهام، الذي سيكون رائدا لهذه الدراسات في بريطانيا وأمريكا. وستنتشر هذه الدراسات بفضل انتشار المعاهد والكليات، إذ تحول الأدب والفن إلى مشروع سياسي واسع يربط الخطاب بالسياق، المجتمع بالسلطة. كما أعادت الاعتبار إلى الفنون المهمشة ووسعت من ممكناتها القرائية لتشمل كل شيء، وكل نص دون أن تتنازل عن مبادئ القراءة المتشككة في المكرس أكاديميا.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق