متابعات ثقافية و فنية

الإيرانيّة سعيدة باكرفان في أميركا استيهاميّة

أنطوان جوكي

نعرف الكاتبة الإيرانية سعيدة باكرافان (تعيش بين فرنسا وأميركا) من روايتها الأولى «آذادي»، التي رصدتها لتصوير الوحشية التي يتعامل بها نظام الملالي في إيران مع معارضيه في الداخل. روايتها الثانية، «الهدنة»، التي صدرت حديثاً عن دار بلفون الباريسية، تختلف كلياً عن سابقتها سواء بطريقة تشييدها أو ببُعدها الخيالي أو بجغرافيتها أو بالفكرة المثيرة التي ترتكز عليها وتجعلنا نذهب في قراءتها حتى النهاية.
لكتابة هذا العمل، اعتمدت باكرفان مبدأ القصص القصيرة التي تتعاقب أحداثها على مدار يومٍ واحد. يومٌ يختلف بغرابته عن أي يومٍ مألوف. ففي التاسع من تموز (يوليو)، من عامٍ معاصِر غير محدَّد، تعرف أميركا هدنة مجهولة المصدر مع حلول منتصف الليل. هدنة تتوقف فيها جميع أنواع العنف، من قتل واغتصاب وسرقة، ومعها عمليات الانتحار والنوبات القلبية وحوادث السير… باختصار، ينتفي أي حادث مأسوي، فتصمت صفارات الإسعاف التي تعلو عادةً في أجواء المدن الأميركية، وتفرغ أقسام الطوارئ في المستشفيات من المرضى أو ضحايا العنف، ويتوقف رنين الهاتف في مراكز الشرطة التي لا تعود تتلقَّى سوى اتصال من حينٍ إلى آخر للاستفسار عمّا يحصل، أو بالأحرى عمّا لا يحصل.
القصص التي تتوالى في الرواية تبدو عند الوهلة الأولى مستقلة الواحدة عن الأخرى، ما يمنحنا الانطباع بأن الكتاب الذي بين أيدينا هو مجموعة قصصية، قبل أن تتــرابط الأحـــداث وتتماسك تدريجياً. وفعلاً، يصوّر كل فصل وضعاً متفجّراً تعيشه شخصية أو مجموعة شخصيات تبدو معنيّة بظاهرة الهدنة: نساء على وشك التعرّض للضرب أو الاغتصاب، مجرمون على قاب قوسين من ارتكاب جريمتهم، شبّان متطرّفون يتحضّرون للقيام بما لا تحمد عقباه، مدمنون على المخدرات، مكتئبون على حافة الانتحار، إرهابيون… فقط شخصيتان تعودان في شكلٍ ثابت على طول الرواية وتشكّل قصّتاهما خيطاً خفياً يعبر جميع أحداثها: مفتّش الشرطة سيمون أوركهارت التائه في فراغ اليوم المذكور، والذي يلتقي مصادفةً صحافية من أصل إيراني تدعى ميندي ويقع في غرامها، والشابة جينيفر التي تحاول عبثاً التحرر من علاقة عاطفية تحوّلت مع الوقت إلى كابوس.
وبالتالي، كل فصل في الرواية هو وقفة عند لحظة محددة ومصيرية من حياة هذه الشخصيات. لحظة يبدو كل شيء فيها على وشك الانهيار أو الانقلاب، لكن في النهاية لا ينهار أو ينقلب أي شيء لأن الفعل الخطير الذي تتهيأ كل شخصية للقيام به أو للخضوع له، لا يحصل. طبعاً تبقى مشاعر الكراهية أو الغيرة أو الحسد أو الخوف كامنة، لكن كل شخصية تعثر في داخلها على ما يحول دون جنوحها أو استسلامها للبربرية. وفي النتيجة، تعبر الساعات الأربع والعشرين من ذلك اليوم بسلامٍ مطلق لاستيقاظ ضمير القتلة والجانحين بطريقة مفاجئة وإدراكهم بشاعة ما كانوا على وشك ارتكابه. كما لو أن سحراً غامض المصدر حلّ على هذا البلد. كما لو أن فعل القتل أو السلب أو الاغتصاب أو الضرب فقد فجأةً تبريراته وبالتالي أي معنى له.
طوال الرواية، نتسائل مع شخصيات باكرفان حول من يقف خلف هذه الهدنة. العناية إلهية؟ الحكومة الأميركية؟ كائنات من عالمٍ آخر؟ وهل أن هذه المعجزة ستدوم؟ وفي حال عدم ديمومتها، كم يتبقّى من وقت أمام الناعمين بها قبل أن تنقضي؟ لا أحد من شخصيات الرواية يملك جواباً عن أيٍّ من هذه الأسئلة أو يفهم مغذى هذه الهدنة، لكن كل واحدة منها تستمتع بها وتنزل إلى الشارع للصراخ مع الآخرين: «تحيا الهدنة!» وتبادُل السلامات والقُبَل بفرحٍ وإثارة.
وقد نظن أن كتاباً يصوّر بلداً يلفّه السلام له مفعولٌ مُسكِّن على نفوسنا، فمَن منا لم يحلم بعالم لا عنف فيه ولا مشاكل ولا كراهية ولا موت؟ لكن حين نغوص في هذه الرواية، يتسلّط علينا ضيقٌ، ونرتاب من ذلك السلام الذي حلّ فجأةً، فنتوقّع أمراً سلبياً يحصل في إيّ لحظة. كما لو أن تلك الهدنة جميلة إلى حد يتعذّر علينا تصديقها. كما لو أن العنف اليومي أضحى ملازماً لعالمنا إلى درجة إحساسنا بنقصٍ لدى تواريه. نقصٌ تنجح الكاتبة في تجسيده من دون التطرق إليه مباشرةً.
نص الرواية طويل (430 صفحة)، وفي الثلث الأول منه نستشعر ثقلاً ناتجاً من جهلنا الوجهة التي نسير فيها، ومن تنقّلنا باستمرار من قصة إلى أخرى، ومن تقاطُر جميع هذه القصص نحو المآل نفسه. ومع ذلك، نقرأ هذا العمل بسرعةٍ كبيرة نظراً إلى طريقة تشييده على شكل فصولٍ قصيرة، ونستمتع بقراءته لجملة أسباب، أبرزها: موضوعه المبتكَر، وعمق مقاربته في موازاة مواضيع جانبية كثيرة لا تقل أهمية عنه، من دون أن ننسى لغته النضرة والصائبة في بساطتها التي تسمح لباكرفان بخطّ بورتريه واقعي لا تجميل فيه لأميركا، حيث يبدو العنف كامناً في كل مكان والناس معزولين ومنطوين على أنفسهم، يعانون من نقص في التواصل الحقيقي في ما بينهم، على رغم جميع وسائل الاتصال المتاحة لهم.
ولأن هذا البلد يصلح لأن يكون استعارة لعالمنا ككُلّ، تدفعنا هذه الرواية أيضاً إلى التأمّل في سوداوية الإنسان والعنف المتجذّر فيه ومحرّكاته، وبالتالي في قدرنا الذي تبدو مسألة التحكّم به وتحسينه ممكنة ومرهونة بإرادتنا. ولا شكّ في أن هذا ما يفسّر تجنّب باكرفان تحديد مصدر تلك الهدنة بطريقة مباشرة في روايتها، لرغبتها في جعلنا نستنتج بأنفسنا، من خلال القصص التي تسردها لنا، بأن أي قرار لنبذ العنف هو في يد كلّ واحدٍ منا.
وفعلاً، أكثر ما تتوق باكرفان إليه في روايتها هو جعلنا نحلم ونعمل من أجل هدنة مماثلة وممكنة نتوقف فيها من تلقاء ذاتنا عن التقاتل والتناحر من أجل التركيز على الجوهري، أي الإصغاء إلى الآخر وتقبّله مهما كان مختلفاً عنّا، ومؤازرته في محنته حين يتطلّب الأمر ذلك، لأن لا سعادة أو سلام أو تحقيق للذات من دون ذلك.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة