.

السينما التونسية: تتويجات عربية وعالمية وعودة رواد الإخراج

صابر بن عامر

عرفت تونس خلال سنة 2016 وفرة إنتاجية في القطاع السينمائي رافقتها تتويجات عديدة سواء في المهرجانات العربية أو العالمية لمجموعة من الأفلام التونسية، لعل أبرزها تتويج فيلم “نحبك هادي” للمخرج محمد بن عطية بجائزة العمل الأول لمهرجان برلين السينمائي الـ66، كما حاز عنه بطله مجد مستورة جائزة أفضل ممثل في المهرجان ذاته، ليضيف إليه جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي الـ27.

وتوج الفيلم أيضا، وهو من إنتاج تونسي بلجيكي فرنسي مشترك بالجائزة الكبرى لمهرجان “آرت مير” بمدينة باستيا الفرنسية، وبجائزة أفضل فيلم في المسابقة الدولية للدورة الـ22 من مهرجان أثينا السينمائي.

وتدور أحداث فيلم “نحبك هادي” بعد إطاحة التونسيين بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011، ويحكي قصة هادي الذي يلعب دوره الممثل مجد مستورة الذي يمتهن وظيفة مملة، بائعا للسيارات، يرسل للعمل في منطقة جديدة في منتجع المهدية الساحلي قبل أيام من زفافه، بعد خطوبة أشرفت عليها أمه المستبدة التي تلعب دورها صباح بوزويتة.

ويعيش البطل هادي ظروفا صعبة بسبب تباطؤ العمل في المنتجع، ثم يدخل في علاقة مع ريم، وهي مرشدة سياحية وراقصة، تلعب دورها ريم بن مسعود.

“نحبك هادي” فيلم بسيط، لكنه صادق، فيه أيضا الكثير من الاختصار في مستوى الحوار وفي جمالياته البصرية، فهو يذكّر من يشاهده بأفلام الأخوين داردان في سلاسته وعمق طرحه، مع الإشارة إلى أن الأخوين البلجيكيين ساهما فعليا في إنتاج الفيلم.

وتحمّل الممثلون أعباء الفيلم بأداء بارع لجميعهم تقريبا بمن فيهم أصحاب الأدوار الصغيرة، ومثّل مجد مستورة الاستثناء بأدائه البارع لشخصية شاب مسلوب الإرادة، اشتغل بعمق على تفاصيلها انطلاقا من خطواته غير الثابتة مرورا بنبرة صوته المرتبكة وحركة يده المضطربة، وصولا إلى نظرات عينيه الشاردة، وحين تحوّلت الشخصية إلى النقيض جاء ذلك تدريجيا، مما أضفى على الأداء حيّزا كبيرا من المصداقية.

ولم يخل أداء ريم بن مسعود من سلاسة في التعبير اللفظي والجسدي بعيدا عن التضخيم والتهويل، مما ينبئ بميلاد نجمة تونسية تجمع بين الإطلالة الرشيقة والأداء المتزن، أما النجمة المسرحية صباح بوزويتة فكانت وفية لتألقها المعتاد الذي عوّدت به عشّاق الفن الرابع، لتفاجئ جمهور الفن السابع هذه المرّة بإجادتها لدور الأم المتسلّطة، المتمكّنة من مفرداتها وحركاتها الخاصة بها.
غير بعيد عن تتويجات السينما التونسية في المحافل الدولية حصد هذا العام فيلم “آخر واحد فينا” لعلاءالدين سليم أكثر من جائزة، لعل أبرزها حصوله على جائزة أسد المستقبل كأفضل فيلم أول، وذلك في اختتام الدورة الـ73 من مهرجان فينيسيا السينمائي، كما حصد الفيلم جائزة التانيت الذهبي للعمل الأول للأفلام الطويلة في مسابقة جائزة الطاهر شريعة في مهرجان قرطاج السينمائي الأخير، وعدة جوائز عربية ودولية أخرى.

ويروي الفيلم قصة شاب من جنوب الصحراء الأفريقية يقرر عبور الضفة الجنوبية للمتوسط نحو الضفة الشمالية، لكنه يتوه في مكان مجهول، ليبدأ بعدها رحلة استكشافية يواجه فيها مواقف لم يكن ينتظرها.
التانيت السابع لتونس

من التتويجات الكبرى للسينما التونسية خلال عام 2016 حصول الفيلم الوثائقي الطويل “زينب تكره الثلج” لمخرجته كوثر بن هنية على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان مونبلييه لسينما البحر المتوسط، ليكون التتويج الأهم ظفره بالتانيت الذهبي للمسابقة الرسمية للأفلام الطويلة في الدورة السابعة والعشرين لأيام قرطاج السينمائية الأخيرة.

وتكمن أهمية هذا التتويج في عودة تونس إلى منصة التتويجات بأعرق مهرجان عربي أفريقي احتفى هذا العام بخمسينيته (تأسس عام 1966)، فبعد انتظار امتد لعقد من الزمن، عاد التانيت الذهبي لأيام قرطاج السينمائية إلى البلد المنظم، تونس، حيث يعود آخر تانيت ذهبي حصلت عليه تونس إلى دورة 2006 بفيلم “آخر فيلم” للنوري بوزيد.

كما تعد كوثر بن هنية ثاني امرأة تونسية تحصل على التانيت الذهبي بعد مفيدة التلاتلي التي حصلت عليه في دورة 1994 عن فيلم “صمت القصور”، وهو التانيت السابع لتونس على مجمل دورات المسابقة.

ويعود أول تانيت ذهبي لتونس في مسابقة الأفلام الطويلة إلى دورة 1976 بفيلم “السفراء” للناصر القطاري، ثم “عزيزة” لعبداللطيف بن عمار (1980)، و”ريح السد” للنوري بوزيد (1986)، و”عصفور السطح” لفريد بوغدير (1990)، فـ”صمت القصور” لمفيدة التلاتلي (1994)، ثم “آخر فيلم” للنوري بوزيد (2006)، وأخيرا “زينب تكره الثلج” لكوثر بن هنية (2016).

ويتناول الفيلم قصة الطفلة زينب (تسعة أعوام) التي فقدت والدها في حادث سير، لكن والدتها تستأنف حياتها بالزواج من رجل يعيش في كندا وتستعد لبدء رحلة حتمية بعيدة يكتنفها الغموض، ورغم محاولة إغراء الفتاة الصغيرة برؤية الثلج واللعب به في كندا، إلاّ أنها ترفض السفر، ويهتم الفيلم بالرحلة التي قطعتها زينب وهي تنتقل من الطفولة إلى النضج.

وقضت المخرجة ما يناهز الستة أعوام مع شخصيات فيلمها، وهو ما عده النقاد سبقا للسينما التسجيلية التونسية والعربية، ويخلو الفيلم من الحشو والافتعال، بل تركت بن هنية عدستها تسير وتسجل بعفوية نادرة تطور الانفعالات والاضطرابات الداخلية للشخصيات وتخليها عن أحلامها.

كما يناغم الفيلم بين الشكل والمحتوى، حيث يصور الأحداث في روي بين أسلوبي السينما التسجيلية والروائية ويمزج بطريقة تلغي الحدود بين الواقعي والمتخيل.
والفيلم مشغول بذكاء وحرفية من مخرجته، وهو يجذب المشاهد بمتعة وإدهاش من مشهده الأول حتى النهاية لحساسيته السينمائية وقدرته على توظيف الشكل والمضمون بلغة تسجيلية حميمية.

بعيدا عن منطق المسابقات والفوز والخسارة شهدت القاعات السينمائية التونسية خلال 2016 عرض فيلم “زهرة حلب” للمخرج التونسي رضا الباهي الذي طرح قضية استقطاب التنظيمات الإرهابية للشباب التونسيين وتسفيرهم للقتال في سوريا، بدعوى الجهاد في سبيل الله وإقامة الدولة الإسلامية، ليقدم الباهي وفق كتابته السينمائية الخاصة زاوية أخرى للظاهرة التي باتت واقعا مرا، لا على الشباب الذين وقع توظيفهم أيديولوجيا، بل على العائلة والأم بصفة خاصة.

وتدور أحداث فيلم “زهرة حلب” حول الشاب مراد (باديس الباهي)، العاشق للموسيقى والعازف على القيثارة والحب معا، وهو المولع بفتاة رياضية ومتفوقة في دراستها، والذي يتحول فجأة إلى رافض للحياة منتصرا للموت بدعوى الجهاد في سبيل الله بعد أن استقطبته الجماعات التكفيرية، ليتم تسفيره إلى سوريا.

من هناك قررت الأم سلمى (هند صبري) السفر إلى سوريا لاستعادة وحيدها، فخادعت واحتالت على أفراد من الجماعات الإرهابية وأقنعتهم بأنها تودّ الالتحاق بالجماعات الجهادية لتسعف جرحاهم، وهي المسعفة أصلا، وبالفعل تتمكن الأم من الذهاب إلى سوريا وتحديدا إلى حلب عبر تركيا.

وهناك تقع الأم أسيرة لـ”داعش”، فيتم اغتصابها جماعيا والتنكيل بها، لكن الحدث الأهم يكمن في مقتلها على يديْ وحيدها على سبيل الخطأ.

الفيلم أعاد النجمة التونسية العربية هند صبري إلى السينما التونسية بعد غياب دام سبع سنوات.

وفي “زهرة حلب” أثبتت مجددا النجمة هند صبري حرفيتّها العالية في تقمص الأدوار المركّبة بإتقان كبير من خلال ذبول عينيها، وهي تُغتصب، أو من خلال ثرثرة حركاتها وإن كانت صمتا، وهي تنتحب مصير ابنها المجهول بعد أن أبلغها بالتحاقه بالجماعات الجهادية في سوريا عبر هاتفه الجوّال، ليحق القول إنها كانت بحق زهرة الفيلم.

ولئن كان غياب رضا الباهي عن الإخراج السينمائي يعود إلى أزيد من عقد إلى الوراء، فإن السنة الحالية شهدت عودة متعثرة للمخرج فريد بوغدير الذي غاب عن الإخراج السينمائي لعقدين كاملين، ليستكمل ثلاثيته السينمائية بفيلم “زيزو”، وهو فيلم كوميدي عن ثورة 14 يناير 2011.

فبعد اهتمامه بمرحلة الطفولة في فيلمه الروائي الأول “عصفور سطح” أو “الحلفاوين” (1990) من خلال شخصية “نورا” المستكشفة لعوالم المرأة بجمالها وجنونها، ومرحلة المراهقة في فيلمه الثاني “صيف حلق الوادي” (1996)، مبرزا قصة ثلاث فتيات يافعات، يعشن نفس الأحلام والانكسارات وإن اختلفت دياناتهنّ، تحدث بوغدير في فيلمه الأخير عن مرحلة الشباب من خلال “عزيز” ويكنى بـ”زيزو” (قام بالدور زياد العيادي)، القادم من الجنوب التونسي باحثا عن عمل في العاصمة.
يعمل “زيزو” في العاصمة كمركب للهوائيات الفضائية فوق أسطح البيوت، وهو الشاب الصادق والساذج الذي يجد نفسه يتنقل بين جميع الأوساط الغنية والفقيرة، بين المعاصرين المنفتحين والمحافظين، بين الموالين والمعارضين والإسلاميين، بحكم عمله الذي يمكنه من التنقل بين كل الشرائح الاجتماعية، ولو من خلال السطح الذي يمكنه من التلصّص على أسرارهم.

وفي أحد الأيام، يكتشف من إحدى شرفات المنازل بمدينة سيدي بوسعيد التونسية سر فتاة محبوسة من قبل مجموعة إجرامية مقربة من النظام السابق، فيقع في حبها، ويحلم بتحريرها، وعندما تنطلق الشرارة الأولى للثورة التونسية في يناير 2011، يصبح “زيزو” بطلا رغما عنه ليتجاوز بحماقاته وسذاجته جميع التغيّرات والهزّات.

وفي فيلم “زيزو” يتناول فريد بوغدير بأسلوبه المعتاد المسائل الخاصة والحميمية والقضايا الجماعية ليكون بذلك الفيلم رؤية ساخرة وسلسة لتونس المعاصرة، متبعا بذلك مسار شاب معاصر ساذج بطريقة ساخرة ومضحكة طورا وبأسلوب كاشف طورا آخر.

ومع ذلك أتى فيلم بوغدير هذه المرة عاديا لبطل عادي تحول بالصدفة إلى بطل غير عادي، حيث لم يخل السيناريو الذي كتبه مخرجه أيضا، فريد بوغدير، من هنات في البناء الدرامي للشخصية الرئيسية، لعلّ أبرزها حديث “عزيز” بلهجة أبناء المدن وهو القادم لحينه من الريف إلى العاصمة، كما غفل المخرج عن وضع بطله ضمن سياق الفيلم الاجتماعي والسياسي، وهو المنقطع حديثا عن تعليمه الجامعي، ليظهر بسذاجة طاغية في تعامله مع الأيديولوجيات التي تقاذفته كيفما اتفق مستغلة بساطة تفكيره، فبدا كأنه أميّ جاهل لم يجلس على مقاعد الدراسة يوما.
حدث غير مسبوق

قبل نهاية السنة الحالية بأسابيع شهدت القاعات السينمائية التونسية حدثا غير مسبوق، تمثل في صدور فيلم “كول التراب” لمخرجه نضال شطة بعد انتظار دام 16 سنة وقد تأخر عرضه لأسباب تمويلية بحتة، لأن الفيلم تكلفة إنتاجية عالية بحكم استعماله تقنيات متطورة خاصة في المشاهد التصويرية التي تم التقاطها تحت الماء، مما اضطر طاقم العمل إلى الاستعانة بخبرات أجنبية. وبذلك أعاد فيلم “كول التراب” المخرج التونسي نضال شطة الحياة للسينماء مجددا بعد غياب قسري لمدة 16 عاما، منذ إطلالته اليتيمة خلال دورة أيام قرطاج السينمائية عام 2000، وحصده جائزة مسابقة أفضل عمل أول حينها.

وكان الممثل التونسي لطفي العبدلي قد لعب في هذا الفيلم أول دور بطولة له، والذي تدور أحداثه حول شاب عشريني يتمرد على نفسه وظروفه، نظرا لرفضه مواصلة العيش تحت سيطرة شقيقه الأكبر (فتحي الهداوي).

ويقول العبدلي عن الفيلم “القضية التي يطرحها ‘كول التراب’ هي قضية أبدية لا تستجيب لظرفية معينة، ما جعله صالحا لكل زمان ومكان، فالأسئلة التي يطرحها الشباب على أنفسهم بحثا عن كينونتهم هي أسئلة لا تنتهي مهما تغيرت الظروف ومهما تطور العالم، ما يجعل الفيلم مرآة لكل من سيشاهده، لأنه سيجد نفسه فيه”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة